تقارير
أخر الأخبار

البوابة الجنوبية للمصير المجهول.. ميناء إيلات يفجّر “اعترافات بالهزيمة” في إسرائيل

تقارير | بقش

تعيش إسرائيل في دوامة عنيفة من الإقرار بالفشل والتوتر السياسي والاقتصادي، بسبب عودة ملف “ميناء إيلات” إلى الواجهة بقوة، وهو الميناء الذي يشهد حالة شلل كاملة منذ أكثر من عامين، نتيجة تهديدات وهجمات الحوثيين في البحر الأحمر وعلى إيلات. وما أحدَثَ التوتر هو نقاشٌ عاصف في لجنة المالية بالكنيست الإسرائيلي هذا الأسبوع، وتحديداً في 20 يناير، تناوَل الإغلاق المطول لميناء إيلات، ولم يكتفِ النقاش بعرض الأزمة الكارثية، بل تصاعد إلى حد التراشق بالاتهامات والمفاضحة السياسية، وكشف صورة قاتمة من التخبط الحكومي، وغياب التمويل، وتعطيل خطوط المساعدة التي تم الاتفاق عليها مسبقاً.

المداولات أظهرت عدم وجود أي مصدر ميزاني مخصص لمساعدة الميناء، وسط تبادُل الاتهامات التي تابعها مرصد “بقش”، في مقدمتها وزارة المالية الإسرائيلية، التي وُجّهت إليها انتقادات مباشرة لعدم التزامها بتعهدات سابقة قُدمت للجنة المالية بالكنيست. كما تبيّن أن وزارات النقل والمالية والاقتصاد لم تتخذ أي خطوة عملية لتنفيذ المخطط الحكومي الذي صادقت عليه اللجنة قبل شهرين، فيما اتُّهمت وزارة الاقتصاد برفض توقيع أمر الاستيراد الذي طُرح كخيار بديل في حال فشل الخطة الأساسية.

رئيس لجنة المالية، النائب هانوخ ميلفيتسكي، وجّه انتقادات حادة للوزارات المعنية، قائلاً إن وزارة المالية لم توفر أي مصدر ميزاني لميناء إيلات، رغم الالتزام الصريح الذي قدمته أمام اللجنة. وأضاف أن على الوزارة، إن كانت قد تراجعت عن التزامها، أن تقول ذلك صراحة للجمهور، ولعمدة إيلات، ولسكان المدينة، ولعمال الميناء، وللتجار، مؤكداً أن لهم جميعاً الحق في إجابات واضحة. كما أكد أن “وزارة النقل تكتفي بالحديث عن أهمية الميناء دون أي تحرك فعلي على الأرض”.

إقرار بالفشل: “دولة إسرائيل تخلت عن ميناء إيلات”

أشار “ميلفيتسكي” إلى التناقض الصارخ بين الدفاع المستميت عن مبادئ السوق الحرة، وبين “الواقع الذي يواجه فيه 130 عاملاً خطر الفصل من العمل”، في حين “تعاني الصناعة الإسرائيلية بأكملها”. وقال إن اللجنة بذلت جهوداً كبيرة لجمع الوزارات الثلاث على مخطط مشترك، إلا أن النتيجة العملية كانت “صفراً”، إذ لم تتحرك أي وزارة لترويجه أو تنفيذه. وتابع بأنّ وزارة الاقتصاد غير مستعدة لتوقيع أمر الاستيراد، ولكل جهة تبريراتها، لكن الخلاصة واحدة: “لقد فشلنا. دولة إسرائيل تخلت عن ميناء إيلات، ولا توجد وزارة حكومية مستعدة لتحمل المسؤولية”.

ورغم إقرار اللجنة بعدم توصل الدولة إلى حل فعلي حتى الآن، فإنها دعت وزير الاقتصاد إلى تفعيل أمر استيراد فوري يتيح إنعاشاً سريعاً لنشاط الميناء. وهددت اللجنة بأنه في حال استمرار ترك ميناء إيلات “يموت”، فإنها ستشترط، خلال مناقشات الميزانية المقبلة، إدراج حل قابل للتنفيذ لإعادة تأهيل الميناء.

في المقابل، ردت وزارة المالية على الانتقادات بالقول إن الادعاءات غير صحيحة، مؤكدة أن ميناء إيلات تلقى مساعدات حكومية بقيمة تقارب 20 مليون شيكل (6.3 ملايين دولار)، إضافةً إلى دعم في صورة ضمانات وتأجيل دفعات.

“تذكار مؤلم من الحوثيين”.. ميناءُ أشباح فارغ ومكان للذكريات

عند مدخل مكاتب ميناء إيلات، يبدو المشهد وكأن الزمن توقف عند عام 2023، حسب تعبير “القناة 14 الإسرائيلية” في تقرير لها اطلع عليه “بقش”. وتقول القناة إن على مدخل مكاتب الميناء “لافتة باهتة ما تزال تلزم بارتداء الكمامات بسبب فيروس كورونا، وردهة شبه مهجورة تتجول فيها قطتان بلا اكتراث، لكن سبب الشلل هنا ليس وباءً، بل حصار بحري مستمر منذ أكثر من عامين، بسبب هجمات الحوثيين على السفن وخطفها في البحر الأحمر. لقد أُغلقت فعلياً البوابة الجنوبية لإسرائيل”.

ورغم كثرة التصريحات السياسية والعسكرية حول إلحاق أضرار جسيمة بقدرات الحوثيين، فإن الواقع في ميناء إيلات يعكس صورة مختلفة تماماً. رئيس مجلس إدارة الميناء “آفي خورمارو”، أكد بوضوح: “لم نهزم الحوثيين. هذه حقيقة. انظر حولك، الميناء فارغ، لا يوجد عمل، وطريقنا ما يزال مغلقاً”.

هذه الحقيقة تنعكس في الأرقام، ففي الظروف الطبيعية كان الميناء يستقبل بين 10 و11 سفينة شهرياً، أما اليوم فالرصيف شبه خالٍ. النشاط المتبقي يقتصر على تصدير البوتاس، الذي تراجع من سبع أو ثماني سفن شهرياً إلى سفينة واحدة فقط كل شهر ونصف. أما بقية البضائع، وفي مقدمتها السيارات التي كانت تشكل علامة فارقة للميناء، فقد توقفت كلياً عن الوصول بحراً.

القناة الإسرائيلية تصف كل ذلك بأنه “تذكار مؤلم من الحوثيين”. أحد أكثر المشاهد إحباطاً يتمثل في ساحات تخزين السيارات. فإيلات، التي كان يُفترض أن تكون الشريان الرئيسي لاستيراد المركبات إلى إسرائيل، لا تضم اليوم سوى بضع مئات من السيارات، جميعها نُقلت من الموانئ الشمالية براً، فقط لأغراض التخزين.

وتبدو التكلفة الاقتصادية باهظة للغاية. المديرة المالية للميناء “باتيا زفاراني”، تصف علاقتها بالمكان وتقول: “بالنسبة لي، ميناء إيلات هو منزل. هنا ربّيت أطفالي”. وتضيف -في استنكار- أن العيش لعامين في واقعٍ يكون فيه الميناء فارغاً تماماً أمر غير معقول، مشددةً على أن الميناء أصل استراتيجي وبوابة جنوبية نحو الشرق وأستراليا وأفريقيا، ولا يمكن للدولة الإسرائيلية أن تتخلى عنه.

اقتصادياً، يشكل الإغلاق حفرة عميقة. فالميناء، وفق تتبُّع مرصد “بقش”، يخسر نحو 5 ملايين شيكل (1.5 مليون دولار) شهرياً، تشمل الضرائب البلدية ونفقات الصيانة والأجور. ورغم الشلل الكامل، لا يزال نحو 100 موظف يحضرون يومياً ويتقاضون رواتب كاملة، بتكلفة تقدر بنحو 3 ملايين شيكل (أكثر من 956 ألف دولار) شهرياً.

“راز زامير” أحد موظفي الميناء وابن عامل سابق فيه، يقول في تقرير القناة 14 الإسرائيلية إن إدارة الميناء تبذل جهداً كبيراً للحفاظ على العمال في ظل غياب الدعم الحكومي. ويضيف: “حين يُغلق الميناء، يتم إيقافك أنت شخصياً. موظفو ميناء إيلات معتادون على العمل لساعات إضافية والتنقل بين الأرصفة. اليوم الشعور سيء للغاية”.

يؤكد هذا الموظف أن الحفاظ على عمال الميناء ليس خياراً عاطفياً فقط، بل ضرورة عملية، إذ إن تسريحهم سيؤدي إلى فقدان المعرفة المهنية، وسيحتاج الميناء إلى ما لا يقل عن ستة أشهر لإعادة الجاهزية التشغيلية في حال رفع الحصار.

امتياز على المحك وحلول مؤجلة

وفق متابعة بقش لمجريات الأزمة، من المقرر أن تُعقد قريباً جلسة استماع حاسمة في وزارتي المالية والنقل، لمناقشة تمديد امتياز تشغيل الميناء لمدة عشر سنوات إضافية حتى عام 2038، لصالح مجموعة الأخوين نكاش المالكة له منذ عام 2013. ووفق شروط الامتياز الأصلية، كان يفترض أن يصل الميناء إلى هدف 65 ألف حاوية سنوياً للحصول على تمديد تلقائي، وهو هدف بات بعيد المنال.

إدارة الميناء تعزو ذلك إلى عدم القدرة على استقبال السفن ذات الغاطس العميق، وارتفاع تكاليف النقل البري، وتطالب بمساعدة حكومية تشمل تمويل تأمين السفن التجارية عبر البحر الأبيض المتوسط، بتكلفة “مليون دولار شهرياً”، إضافةً إلى تجديد أوامر استيراد تلزم بنقل ما لا يقل عن 50% من الواردات عبر ميناء إيلات.

ويؤكد رئيس الميناء “آفي خورمارو” أن الميناء “لا يبحث عن خطابات حول القضاء على الإرهاب، بل عن عودة السفن إلى الأرصفة”. ويقول: “صورة النصر الحقيقية ستكون عندما يعود الميناء إلى العمل الطبيعي. يجب إزالة التهديد الحوثي، سواء بوسائل سياسية أو عسكرية. على الدولة أن تتحرك”.

ومن بين الحلول المطروحة حسب اطلاع بقش، برزت فكرة مرافقة السفن التجارية بواسطة قطع من سلاح البحرية، وهي خطوة يُعتقد أنها قد تكسر الحصار النفسي، وتعيد شركات الشحن والتأمين إلى إيلات. وحتى يتحقق ذلك، تبقى البوابة الجنوبية مغلقة، بينما العمال -وبعضهم يتقاضى رواتب تصل إلى 40 ألف شيكل (12.7 ألف دولار) شهرياً- يواصلون التحديق في البحر الأزرق، في انتظار سفينة لا تصل.

وزيرة النقل الإسرائيلية “ميري ريغيف” تَعتبر ميناء إيلات استراتيجياً لإسرائيل، قائلةً إنه لم يعمل منذ أكتوبر 2023 بسبب تهديد الحوثيين، وإن وزارتها تبذل كل ما بوسعها للحفاظ على جاهزية الميناء لأي سيناريو، مشيرةً إلى زياراتها المتكررة للميناء ولقاءاتها بالموظفين والإدارة والمالك، واتخاذ خطوات للحفاظ على العمال بالتنسيق مع وزارة المالية، وأكدت أن الميناء لن يعود إلى العمل والروتين إلا عند رفع التهديد الحوثي.

ميناء إيلات يقف اليوم شاهداً صامتاً على فجوة واسعة بين الخطاب السياسي والواقع الميداني، فالبوابة الجنوبية التي يُفترض أن تكون شرياناً استراتيجياً، تحولت إلى رصيف ينتظر السفن فحسب. وبين لجان تناقش، ووزارات تُحمّل بعضها المسؤولية، ووعود تتأجل، يظل العمال يداومون كل صباح، والميناء ينزف خسائر شهرية، والبحر مفتوحاً بلا حركة، وهو وضع لا يهدد منشأة واحدة فحسب، بل يختبر قدرة الكيان على حماية أصول استراتيجية في أوقات الأزمات، فإما أن تتحول الأقوال إلى أفعال تعيد الحياة إلى الأرصفة، أو يبقى الميناء رمزاً مكلفاً لإخفاق سياسي واقتصادي طال أمده.

زر الذهاب إلى الأعلى