تقارير
أخر الأخبار

البوصلة الأمريكية تتجه نحو كوبا.. ضغط نفطي جديد والمكسيك في قلب الصراع

تقارير | بقش

تمر العلاقات الثلاثية بين الولايات المتحدة وكوبا والمكسيك بحالة من التوتر غير المسبوق، في أعقاب الإعلان عن دراسة إدارة ترامب فرض حصار نفطي كامل على كوبا، في خطوة تهدف إلى تصعيد الضغوط على الحكومة الشيوعية في الجزيرة الكاريبية وفق اطلاع “بقش” على تقارير وسائل إعلام أمريكية منها “رويترز” و”بوليتيكو”.

ويأتي هذا الإجراء ضمن استراتيجية أوسع لإدارة ترامب تهدف إلى الهيمنة على نصف الكرة الغربي وإجبار الدول الإقليمية على الامتثال للسياسات الأمريكية.

ويُعد ذلك جزءاً من سياسة تشتهر بها الولايات المتحدة بأسلوب متسلسل في ممارسة النفوذ الدولي، يبدأ بالضغط الاقتصادي والعقوبات، في خطوة تهدف إلى إنهاك الدولة المستهدفة، قبل أن تنتقل إلى مرحلة أكثر صرامة، تستهدف الأنظمة الحاكمة نفسها لإزاحتها أو إعادة تشكيلها وفق مصالح واشنطن.

وفي هذا النموذج، تُستَخدم العقوبات كأداة أولية للضغط، من خلال حظر واردات أو صادرات استراتيجية، وتجميد أصول مالية، وفرض قيود على التعاملات الاقتصادية، بهدف خلق أزمات داخلية، سواء في الطاقة، الغذاء، أو العملة المحلية، وتهز هذه الأزمات قدرة الدولة على الاستقرار الاقتصادي وتؤدي إلى حالة من الإحباط الشعبي، ما يهيئ الأرضية للتدخلات السياسية أو تغييرات النظام لاحقاً.

دوافع حصار كوبا

تستند الإدارة الأمريكية إلى عدة دوافع لتصعيد الضغوط على كوبا وفق تتبُّع بقش، أبرزها الرغبة في إنهاء الحكم الشيوعي للجزيرة واستغلال ضعف موارد الطاقة التي تعاني منها البلاد. وقد أشار ترامب إلى أن كوبا “على وشك السقوط” مؤكداً أنه “لن يكون هناك المزيد من النفط أو الأموال المتجهة إلى كوبا”، في تحذير صريح من أن أي دعم خارجي للجزيرة، سواء من فنزويلا أو دول أخرى، لن يُسمح به.

ويأتي الحصار الأمريكي بعد سلسلة من التحركات الميدانية والسياسية في المنطقة، أبرزها وقف شحنات النفط الفنزويلية إلى كوبا نتيجة الحصار المكثف الذي تفرضه واشنطن على فنزويلا منذ ديسمبر 2025 حسب متابعات بقش، إلى جانب القبض الدرامي على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في يناير 2026، وهو ما جعل المكسيك المورد الرئيسي للنفط الكوبي، وهو وضع وضعها تحت ضغط أميركي مباشر.

ووضعَ الدور المحوري للمكسيك في إرسال النفط إلى كوبا الحكومةَ المكسيكية في مرمى نيران الولايات المتحدة، وجعلها تحت تهديد إجراءات انتقامية محتملة من واشنطن.

ورغم تأكيد الرئيسة المكسيكية كلوديا شينباوم علناً استمرار شحن النفط لكوبا استناداً إلى عقود طويلة الأمد واعتباره شكلاً من أشكال المساعدات الدولية، إلا أن مصادر حكومية مكسيكية رفيعة المستوى أفادت بأن السياسة تُراجع داخلياً مع تزايد القلق من أن هذه الشحنات قد تثير غضب الإدارة الأميركية، خصوصاً في ظل تصريحات ترامب المتكررة بشأن منع أي موارد أو دعم مالي لكوبا.

ويأتي هذا في وقت تتفاوض فيه المكسيك مع واشنطن حول مراجعة اتفاقية التجارة الأمريكية في أمريكا الشمالية، مع محاولة التأكيد على جهودها في مكافحة عصابات المخدرات، وتجنب أي تدخل عسكري أمريكي على أراضيها، في ظل تهديدات ترامب المحتملة بتنفيذ عمليات برية ضد الكارتلات المكسيكية. وتصف شينباوم أي عمل عسكري أمريكي أحادي الجانب بأنه “خرق جسيم لسيادة البلاد”.

وتظل الخيارات أمام المكسيك مفتوحة، وتتراوح بين وقف شحنات النفط بالكامل، تقليصها جزئياً، أو الاستمرار بها كما هي، مع استمرار التفاوض الدبلوماسي لتخفيف التوتر مع واشنطن.

وتؤكد التقارير أن أي قرار سيخضع لموازنة دقيقة بين الالتزامات الدولية للمكسيك والتعامل مع تهديدات الإدارة الأمريكية، ما يعكس مدى التعقيد السياسي والاقتصادي للوضع الراهن.

ما بعد الحصار

يعاني الاقتصاد الكوبي من نقص حاد في الطاقة، مع انقطاعات واسعة في الكهرباء، نتيجة توقف الإمدادات النفطية من فنزويلا وكون المكسيك المورد الرئيسي.

ويعكس ذلك هشاشة البنية التحتية للطاقة في كوبا واعتمادها الكبير على الواردات النفطية، مما يجعل أي تحرك أمريكي تجاه المكسيك عاملاً حاسماً قد يسرّع من انهيار النظام الاقتصادي والسياسي في كوبا.

ويمثل تصعيد إدارة ترمب تجاه كوبا اختباراً للتوازنات الإقليمية في نصف الكرة الغربي، ويؤكد الطموح الأمريكي للضغط على الدول الإقليمية لضمان توافقها مع سياسات واشنطن.

ويُعد استخدام النفط كأداة ضغط سياسي واقتصادي مثالاً على قدرة الولايات المتحدة على توظيف الموارد الحيوية لتحقيق أهداف استراتيجية خاصة، وهو ما يضع دول المنطقة، وخصوصاً المكسيك، أمام تحديات كبيرة في إدارة سيادتها الداخلية، وفي الحفاظ على علاقات مستقرة مع واشنطن.

مع تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة والمكسيك، يبقى مستقبل شحنات النفط لكوبا غير واضح، وسط احتمالات تتراوح بين التوقف الكامل، والتقليص الجزئي، أو الاستمرار الكامل، مع احتمال أن تؤدي أي خطوة أحادية إلى أزمة دبلوماسية حادة.

ويشير هذا الوضع إلى أن أي تحركات مستقبلية تجاه كوبا ستعتمد بشكل كبير على قدرة المكسيك على التوازن بين التزاماتها الدولية وضغوط الولايات المتحدة، وهو ما قد يعيد تشكيل خارطة التحالفات السياسية والاقتصادية في الكاريبي وأمريكا اللاتينية خلال الأشهر القادمة.

زر الذهاب إلى الأعلى