الجبايات والوقود والمليارات.. تعرّف على تفاصيل المنظومة الاقتصادية للمجلس الانتقالي الجنوبي

الاقتصاد اليمني | بقش
بعد أيام قليلة من سقوط المجلس الانتقالي الجنوبي، بدأت تتكشف تباعاً خفايا وأسرار ظلت لسنوات بعيدة عن الضوء، كان من أبرزها منظومته المالية والاقتصادية، التي شكّلت أحد أعمدة نفوذه على الأرض. فمع انكشاف المشهد السياسي والأمني، خرج إلى العلن ما كان يُدار في الظل، من موارد ضخمة، وآليات تحصيل، وتدفقات مالية لم تمر يوماً عبر القنوات الرسمية للدولة.
وفق اطلاع مرصد “بقش”، لم يكن هذا الانكشاف نتيجة تحقيقات مؤسسية أو تقارير رقابية، بل جاء مع انهيار منظومة الحماية السياسية والعسكرية التي كانت تحيط بالمجلس. ومع زوال تلك الحماية، ظهرت تفاصيل عن اقتصاد موازٍ تشكّل في عدن ومحافظات جنوبية أخرى، واعتمد على الجبايات والرسوم المفروضة بالقوة، وعلى إدارة موارد عامة خارج إطار البنك المركزي والموازنة العامة.
في هذا السياق، برزت شهادات وطرح علني حول طبيعة هذا التمويل، من بينها ما نشره الصحفي فتحي بن لزرق رئيس تحرير صحيفة عدن الغد، متحدثاً عن مليارات الريالات التي كانت تُدار شهرياً باسم المجلس الانتقالي، في وقت كانت فيه الدولة تعاني من عجز حاد عن دفع الرواتب وتوفير الحد الأدنى من الخدمات الأساسية.
اقتصادياً، لا تطرح هذه المعطيات سؤال الأسباب بقدر ما تطرح سؤال النتائج: ما أثر خروج هذه الموارد عن الدولة؟ وكيف ساهم الاقتصاد الموازي في تعميق الأزمة المالية؟ وما حجم الخسائر التي تكبدتها الخزينة العامة؟.
الجبايات كنظام تمويل موازٍ
تشير المعطيات المطروحة التي طالعها بقش إلى أن نقاط التحصيل في الرباط والعلم ويافع والضالع وأبين تحولت خلال السنوات الماضية إلى مراكز جباية ثابتة، فُرضت فيها رسوم على حركة السلع والنقل تحت مسميات غير رسمية. من الناحية الاقتصادية، تمثل هذه الممارسات اقتطاعاً مباشراً من النشاط التجاري، وتضيف تكاليف غير إنتاجية على سلسلة الإمداد.
الأخطر من ذلك أن هذه الجبايات – وفق بن لزرق – لم تُورَّد إلى البنك المركزي بعدن، بل إلى حسابات في بنوك تجارية، ما يعني خروجها كلياً من الدورة المالية للدولة. هذا النمط يخلق اقتصاداً موازياً، ويقوّض أحد أهم أدوار الدولة، وهو تجميع الإيرادات وإعادة توزيعها عبر الموازنة.
كما أن استمرار هذه الجبايات ينعكس مباشرة على الأسعار النهائية للمستهلك، ويُضعف القدرة التنافسية للتجار، ويشجع على التهرب والفساد، في بيئة اقتصادية تعاني أصلاً من هشاشة شديدة وانكماش حاد.
الإدارة المحلية بين الجباية والحوكمة
يتناول “بن لزرق”، حسب قراءة بقش، جانباً آخر لا يقل خطورة، يتمثل في جبايات فُرضت داخل مدينة عدن من قبل بعض مدراء المديريات، واستمرت لسنوات كدخل غير رسمي. اقتصادياً، فإن تحول السلطات المحلية إلى أدوات تحصيل خارج القانون يعكس انهيار منظومة الحوكمة المالية.
في هذا السياق، تصبح الجباية وسيلة لتمويل النفوذ لا لتحسين الخدمات، وتُفقد الإدارة المحلية وظيفتها الأساسية كحلقة وصل بين الدولة والمواطن. كما يؤدي تقاسم هذه الإيرادات – إن صحّت المعطيات – إلى تشابك المصالح، وتعطيل أي إصلاح حقيقي.
ويؤدي هذا النموذج إلى تعميق الاقتصاد غير الرسمي، وإضعاف الثقة بين المواطنين والسلطات، حيث يدفع المواطن رسوماً متعددة دون أن يقابلها تحسن في الخدمات أو البنية التحتية، ما يزيد من الاحتقان الاجتماعي والاقتصادي.
10 مليارات ريال خارج الموازنة
من أخطر ما كُشف عنه في هذا السياق، الحديث عن مخصصات شهرية قُدّرت بنحو عشرة مليارات ريال، قيل إنها كانت تُصرف مباشرة من رئاسة الوزراء لصالح المجلس الانتقالي، تحت بند “مصاريف تشغيلية”. ووفق الطرح، فُرضت هذه المخصصات بعد شهر واحد فقط من تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، وبقوة الأمر الواقع، خارج أي إطار شفاف للموازنة العامة.
وتمثل هذه المبالغ استنزافاً مباشراً للخزينة في توقيت بالغ الحساسية، إذ تزامنت مع عجز الدولة عن صرف رواتب القطاعات المدنية، واتساع فجوة السيولة، وتراجع قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها الأساسية. ويشير هذا النموذج إلى نمط تمويل قسري، لا يستند إلى قانون مالي أو اعتماد برلماني، بل إلى موازين قوة.
والأهم في هذه القضية، ما قيل عن أن رفض صرف هذه المبالغ أدى إلى تداعيات سياسية وأمنية، من بينها اعتقال مسؤول حكومي، ما يعكس حجم الضغط الذي كان يُمارس على القرار المالي للدولة. وفي حال صحة هذه المعطيات، فإنها تمثل سابقة خطيرة في إخضاع السياسة المالية لسلطة السلاح، وتحويل المال العام إلى أداة تفاوض قسري.
الوقود كأداة جباية شخصية
الملف الثاني الأكثر حساسية يتمثل في جبايات الديزل والبترول المفروضة بواقع 60 ريالاً على كل لتر وقود يدخل البلاد عبر ميناء الزيت. هذه الجبايات، وفق ما طُرح، لم تُحصّل لصالح الخزينة العامة، بل جرى توجيهها بشكل مباشر لصالح عيدروس الزُبيدي، وهو ما ينقل القضية من جباية غير قانونية إلى شبهة استحواذ شخصي على مورد سيادي.
على الصعيد الاقتصادي، يُعد قطاع الوقود أحد أعمدة الإيرادات غير الضريبية للدولة، وأي تحصيل موازٍ فيه يعني خسارة مزدوجة: خسارة إيرادات مباشرة، ورفع كلفة الطاقة على الاقتصاد ككل، بما ينعكس على النقل، والتجارة، وأسعار السلع الأساسية.
كما أُثيرت اتهامات بدخول شحنات وقود عبر شركتي “إسناد” و”فقم” المملوكتين لـ”الزبيدي” دون دفع ضرائب أو رسوم مستحقة للدولة لسنوات. وفي حال ثبوت ذلك، فإن الأمر لا يقتصر على مخالفة مالية، بل يمثل تفريغاً كاملاً لسيادة الدولة على أحد أهم قطاعاتها الإيرادية وفق قراءة بقش، ويطرح تساؤلات جوهرية حول حجم الخسائر المتراكمة التي لم تدخل الخزينة العامة.
ولا يمكن قراءة ما حدث كسقوط سياسي وعسكري فحسب، بل كسقوط اقتصادي لمنظومة تمويل قامت على الجباية خارج الدولة، وتحويل الموارد العامة إلى أدوات نفوذ، وانهيار هذا النموذج يكشف هشاشة أحد أكبر المشاريع الانفصالية في اليمن منذ حرب الوحدة، ليس فقط من حيث الشرعية السياسية، بل من حيث الاستدامة المالية، وهو ما يُعد اختباراً لحكومة عدن في الأيام المقبلة وقدرتها على استعادة هذه الموارد العامة من عدمها.


