الاقتصاد العالمي
أخر الأخبار

الدولار الأمريكي عند مفترق طرق: أربعة سيناريوهات ترسم مصير العملة العالمية

الاقتصاد العالمي | بقش

مع التحولات المتسارعة التي تشهدها الأسواق المالية العالمية، عاد الدولار الأمريكي إلى واجهة الجدل بعد تراجعه الحاد خلال الأيام الماضية، وهو تراجع أعاد إلى الأذهان مسار الضعف الذي طبع أداء العملة الأمريكية خلال عام 2025، في الوقت الذي تتداخل فيه حسابات السياسة النقدية، وأولويات الإدارة الأمريكية، وحركة رؤوس الأموال العالمية، ومخاوف المستثمرين من مستقبل الاقتصاد الأكبر في العالم.

وفق قراءة تحليلية صادرة عن “فيتش سوليوشنز”، اطلع عليها “بقش”، فإن التراجع الأخير لمؤشر الدولار، الذي يتحرك حالياً ضمن نطاق يتراوح بين 95 و100 نقطة مقابل سلة من ست عملات رئيسية، لا يعني بالضرورة حدوث نفور شامل من الأصول الأمريكية.

فالتزامن بين ضعف الدولار والارتفاع الطفيف في أسواق الأسهم الأمريكية قد يعكس مزيجاً اقتصادياً تراه الإدارة الأمريكية الحالية مناسباً، وعلى رأسها الرئيس دونالد ترامب، يقوم على دولار أضعف نسبياً لدعم الصادرات وتعزيز القدرة التنافسية، مقابل أسواق أسهم قوية تجذب الاستثمارات وتحافظ على زخم النمو.

لكن الصورة، حسب “فيتش”، أبعد من تفسير واحد، إذ تضع المؤسسة أربعة سيناريوهات رئيسية لمسار الدولار خلال المرحلة المقبلة، تختلف جذرياً تبعاً لتطور العوامل الاقتصادية والمالية والجيوسياسية المؤثرة.

بين انزلاق الدولار وتسارع النمو

السيناريو الأول، وهو الأكثر تشاؤماً، يفترض انزلاق مؤشر الدولار إلى نطاق يتراوح بين 85 و90 نقطة، وفي هذا المسار يتراجع إقبال المستثمرين العالميين على الدولار والأصول الأمريكية نتيجة تدهور أساسيات الاقتصاد الأمريكي، مع احتمالات ارتفاع التضخم، وتآكل استقلالية مجلس الاحتياطي الفيدرالي، واتساع العجز المالي، وتباطؤ النمو.

وفي هذه الحالة، قد تفقد سندات الخزانة الأمريكية جزءاً من مكانتها التقليدية كملاذ آمن، خصوصاً إذا ترافق ذلك مع تدخلات إضافية في سوق الصرف من اقتصادات كبرى مثل اليابان. وهذا التراجع قد يترجم إلى انخفاض في قيمة الدولار بنسبة تتراوح بين 6 و12% مقارنة بمستوياته الحالية، مع خطر تحول ضعف العملة إلى حلقة مفرغة، إذ يدفع قلق المستثمرين بشأن قيمة أصولهم المقومة بالدولار إلى تقليص استثماراتهم داخل الولايات المتحدة.

في المقابل، يطرح السيناريو الثاني تصوراً معاكساً تماماً، حيث يستعيد الدولار دوره التاريخي كملاذ آمن، ويفترض هذا السيناريو تصاعداً حاداً في النفور من المخاطرة عالمياً، سواء بسبب اضطرابات في الأسواق الناشئة أو اندلاع نزاع دولي واسع وفق قراءة بقش. وفي مثل هذه الظروف، تبقى الولايات المتحدة الوجهة الأولى لرؤوس الأموال الباحثة عن الأمان، مدعومة بعوائد سندات مرتفعة نسبياً مقارنة بالأسواق الأخرى.

ووفق هذا المسار، قد يرتفع مؤشر الدولار بنسبة تتراوح بين 5 و10%، ليتداول في نطاق 100 إلى 105 نقاط، مستفيداً من تدفقات استثمارية دفاعية أكثر منها تنموية.

أما السيناريو الثالث فينطلق من فرضية عالم أقل توتراً، حيث تتراجع المخاطر الجيوسياسية وتتحسن آفاق النمو العالمي. وهنا يُتوقع أن يتراوح مؤشر الدولار بين 90 و95 نقطة، في بيئة تشبه إلى حد ما الفترة الممتدة بين عامي 2002 و2007. وتفترض “فيتش” في هذا السياق أن تسهم السياسة المالية في ألمانيا في دفع عجلة النمو الأوروبي، بينما تنتعش اقتصادات الأسواق الناشئة بدعم من ارتفاع أسعار السلع الأساسية، ما يجذب تدفقات رأسمالية كبيرة إلى تلك الأسواق.

ورغم أن هذا النمو العالمي القوي لا يُعد سلبياً بشكل مباشر للدولار، إلا أنه يقلل من جاذبيته النسبية، مع انتقال جزء من رؤوس الأموال من الولايات المتحدة إلى مناطق أخرى. وفي الوقت نفسه، قد تمارس الصين واليابان ضغوطاً محدودة لخفض قيمة الدولار إذا سعتا إلى تعزيز عملتيهما، ما قد يؤدي في المحصلة إلى تراجع الدولار بنحو 5%.

السيناريو الرابع، والأكثر تفاؤلاً بالنسبة للعملة الأمريكية، يقوم على تسارع النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة، وتراجع العجزين المالي والتجاري بفضل تدفقات كبيرة من الاستثمار الأجنبي المباشر، مدفوعة باتفاقيات تجارية فعالة.

وفي هذه الحالة، تتحسن أرباح الشركات الأمريكية، وقد يتباطأ مسار خفض أسعار الفائدة، ما يوفر دعماً إضافياً للدولار. وإذا تزامن ذلك مع تراجع التضخم نحو هدف 2%، وتخفف الضغوط السياسية عن مجلس الاحتياطي الفيدرالي، إضافة إلى انخفاض تدخل الاقتصادات المتقدمة في أسواق الصرف، فإن الدولار قد يحلق مجدداً.

غير أن هذا الارتفاع قد يفرض تحديات على عملات الأسواق الناشئة، التي قد تلجأ إلى بيع الدولار للحد من الضغوط السلبية على عملاتها المحلية.

وعلى المدى القصير، ترجّح “فيتش” أن يشهد الدولار حالة من الاستقرار النسبي، بعد موجة البيع المكثفة التي تعرض لها مؤخراً وفق متابعات بقش.

لكن هذا الاستقرار يبقى هشاً، إذ سيراقب المستثمرون عن كثب إشارات مجلس الاحتياطي الفيدرالي، خصوصاً ما يتعلق باستقلاليته ومسار سياسته النقدية. كما أن أي تدخل محتمل من اليابان في سوق الصرف، أو تصاعد حالة عدم اليقين بشأن السياسات الاقتصادية في ظل الإدارة الأمريكية الحالية، قد يعيد الضغوط سريعاً إلى العملة الأمريكية.

خلاصة المشهد أن الدولار الأمريكي يقف عند مفترق طرق حقيقي، تحكمه معادلة معقدة من السياسة والنمو والمخاطر العالمية. وبين سيناريوهات التراجع الحاد أو الارتفاع القوي أو التحرك في نطاقات وسطية، يبقى اتجاه الدولار مرهوناً بمدى قدرة الاقتصاد الأمريكي على الحفاظ على توازنه، وبثقة العالم في استمرارية دوره كمحور للنظام المالي الدولي.

زر الذهاب إلى الأعلى