
الاقتصاد العالمي | بقش
شهدت سياسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التجارية خلال السنوات الأخيرة تقلبات متسارعة، وتحولت الرسوم الجمركية من أداة اقتصادية تقليدية إلى وسيلة تفاوضية وسياسية دقيقة، تحمل في طياتها رسائل متعددة للأطراف الدولية، مع تأثيرات بالغة على الأسواق المالية وثقة الحلفاء الأوروبيين.
ويشير تحليل لـ”بلومبيرغ” اطلع عليه مرصد “بقش”، إلى أنه منذ بداية عودته إلى الحكم، أعلن ترامب عن سلسلة من الرسوم الجمركية غير المسبوقة منذ قرن، شملت دولاً كبرى مثل الصين وأوروبا، إضافة إلى المكسيك وكندا، ومنتجات حيوية تشمل أشباه الموصلات وحتى الأفلام الأجنبية، لكن التطبيق الفعلي لهذه الرسوم كان محدوداً بشكل واضح، حيث لم يُنفذ سوى جزء صغير من التهديدات، بينما أُلغيت أو أُرجئت العديد منها تحت تأثير تهديدات الرد من الدول المستهدفة أو بسبب ردود فعل الأسواق المالية.
أحدث مثال على هذا النمط كان تهديد ترامب بفرض رسوم على الدول الأوروبية بسبب صفقة غرينلاند، حيث أعلن عن فرض رسوم تبدأ بنسبة 10% في فبراير وترتفع إلى 25% في يونيو المقبل حسب متابعة بقش ما لم يتم التوصل إلى اتفاق بشأن شراء الجزيرة بالكامل.
ورغم التصريحات الحادة، تراجع ترامب سريعاً بعد استجابة أوروبا جزئياً، وهو ما يعكس نمطاً ثابتاً يطلق عليه البعض مصطلح “تجارة تاكو” أو TACO trade، أي “ترامب يتراجع دوماً”.
الرسوم كأداة ضغط تفاوضي
تستخدم الإدارة الأمريكية الرسوم الجمركية بشكل استراتيجي لتحقيق مكاسب سياسية وتجارية، وليس بالضرورة للتطبيق الفعلي. ترامب نفسه اعتبر أن مجرد التهديد بالرسوم يمنحه نفوذاً للتوصل إلى تنازلات، مثل الحصول على معادن حيوية أو تسوية نزاعات تجارية عالمية.
تيم ماير، أستاذ القانون في جامعة ديوك، قال إن هذا النهج أدى إلى أزمة مصداقية مع الأطراف الدولية، التي باتت تتعرف على نمط التهديدات الأمريكية وتتعامل معها بحذر. فعندما يعلن ترامب عن صفقة أو فرض رسوم، باتت الدول الأخرى تنتظر التراجع المحتمل قبل اتخاذ أي إجراء، مما يقلل من فاعلية التهديدات مع مرور الوقت.
كما ظهرت استراتيجية “الرسوم الثانوية”، حيث تُمارس الضغوط ليس على الدولة المستهدفة مباشرة، بل على شركائها التجاريين، كما في حالة إيران، وفنزويلا وروسيا، بهدف التأثير على السياسات الداخلية لهذه الدول دون تعطيل العلاقات التجارية الأمريكية مباشرة، ويعكس هذا الأسلوب استغلالاً تفاوضياً محفوفاً بالمخاطر، خاصة على صعيد العلاقات مع الاقتصادات الكبرى مثل الصين والهند.
وتأثرت الأسواق المالية الأمريكية بالتقلبات في سياسة الرسوم الجمركية، فقد شهد الأسبوع الماضي تراجعاً في الأسهم الأمريكية وسندات الخزانة مع تصاعد الخلاف حول غرينلاند، قبل أن تتعافى بعد الإعلان عن اتفاق. ويكرّر هذا النمط ما حدث سابقاً مع الرسوم الجمركية المتبادلة التي أعلن عنها ترامب في أبريل 2025، ثم علقها وسط اضطرابات السوق.
ويشير هذا التفاعل وفق بلومبيرغ إلى أن المستثمرين والأسواق باتوا يدرجون احتمالية تراجع ترامب ضمن توقعاتهم، وهو ما يعكس عدم استقرار السياسة الاقتصادية وتذبذبها أمام المؤشرات المالية العالمية.
وأثارت تهديدات ترامب الجمركية استياءً واسعاً بين حلفاء الولايات المتحدة الأوروبيين، الذين رأوا فيها أسلوباً عدائياً غير متوافق مع التزاماتهم السابقة. وشددت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، على أن “الصفقة هي صفقة، وعندما يتصافح الأصدقاء، يجب أن يكون لذلك معنى”، معبّرةً عن فقدان الثقة بالالتزامات الأمريكية.
واعتبر جيمسون غرير، الممثل التجاري الأمريكي، أن الاتحاد الأوروبي أخفق في تنفيذ التزاماته رغم تحركات الولايات المتحدة السريعة لخفض الرسوم الجمركية، وأن هناك قضايا متعددة تتعلق بالسياسة الخارجية والاقتصاد تقع خارج نطاق الاتفاق، وأشار حسب قراءة بقش إلى ضرورة عدم استخدام هذه القضايا كذرائع للتعطيل.
وعلى المستوى الداخلي، يشير ترامب إلى أن سياساته الحمائية ساعدت في إحياء قطاع التصنيع الأمريكي، إضافةً إلى توليد إيرادات حكومية بمعدل يقارب 30 مليار دولار شهرياً من الرسوم الجمركية. لكن الضرائب أدت إلى زيادة حادة في الأسعار على المستهلك الأمريكي.
حتى المؤيدون للسياسات الحمائية الأمريكية أعربوا عن قلقهم من تقلبات الرسوم الجمركية، معتبرين أن تهديد أوروبا بالرسوم قد يرتد سلباً على مصالح الولايات المتحدة ويؤثر على استقرار الاتفاقات القائمة مسبقًا. وحول ذلك يرى أورين كاس، رئيس مركز “معهد أمريكان كومباس”، أن تكرار فرض الرسوم قد يقلل من جدية المفاوضات التجارية المستقبلية ويقوض ثقة الشركاء.
ويخلص تناوُل بقش إلى أن الرسوم الجمركية أصبحت سلاحاً تفاوضياً متعدد الأبعاد، يُستخدم لتحقيق مكاسب سياسية وتجارية، مع تأثير بالغ على الأسواق المالية وثقة الحلفاء، ورغم أن العديد من التهديدات لم تُنفَّذ، فإن مجرد الإعلان عنها منح الإدارة الأمريكية نفوذاً مؤقتاً، لكنه بات يواجه تحديات مصداقية متزايدة مع مرور الوقت.
وتكشف استراتيجية ترامب التوتر الدائم بين الضغط الخارجي مقابل الاستقرار الداخلي، وبين التهديد والتطبيق الفعلي، مما يجعل التجارة الدولية أداة ديناميكية ومتحركة، يعاد رسم حدودها باستمرار وفق تطورات السياسة والاقتصاد العالمي.


