
أخبار الشحن | بقش
بدأت ملامح الانفراج تظهر في البحر الأحمر، أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، مع الشروع في عودة تدريجية لسفن الحاويات العملاقة، بعد أكثر من عامين من الاضطرابات الأمنية التي فرضت على شركات الشحن تغيير مساراتها نحو طرق أطول وأكثر كلفة.
وتقول وكالة بلومبيرغ في تحليل طالعه بقش بهذا الشأن، إن كبريات شركات النقل البحري، وعلى رأسها الشركة الدنماركية “ميرسك”، بدأت إعادة النظر في استراتيجياتها التشغيلية، في ضوء ما تعتبره تحسناً نسبياً في مستوى المخاطر الأمنية المرتبطة بالهجمات التي استهدفت السفن العابرة للمنطقة على خلفية الحرب في غزة.
عودة حذرة ولكن ذات مغزى
إعلان “ميرسك” إعادة توجيه إحدى خدماتها المنتظمة عبر البحر الأحمر وقناة السويس شكّل إشارة قوية إلى تغير في تقييم المخاطر، خصوصاً أن الشركة تُعرف تاريخياً بنهجها الحذر في التعامل مع مناطق النزاع.
ووفق متابعات بقش، كانت هذه الخدمة تمر، خلال العامين الماضيين، حول رأس الرجاء الصالح جنوب أفريقيا، في رحلة أطول استهلكت وقتاً وتكاليف إضافية. ويرى مراقبون أن خطوة “ميرسك” لا يمكن فصلها عن قراءة أوسع لمشهد أمني إقليمي أقل توتراً مما كان عليه في ذروة الأزمة، حتى وإن ظل هشاً وقابلاً للانتكاس.
في هذا السياق، اعتبر لارس ينسن، الرئيس التنفيذي لشركة “فيسبوتشي ماريتايم”، أن ما يجري قد يكون بداية لمسار عودة أوسع، مرجحاً أن تراقب شركات الشحن الأخرى هذه الخطوة عن كثب تمهيداً لاتخاذ قرارات مماثلة، خصوصاً بعد انتهاء عطلة رأس السنة الصينية المرتقبة في النصف الثاني من فبراير المقبل، وفق بلومبيرغ.
وتقليص المسافات البحرية عبر العودة إلى مسار البحر الأحمر لا ينعكس فقط على زمن الرحلات، بل يمتد تأثيره إلى بنية سوق الشحن العالمية بأكملها، فاختصار الوقت يعني عملياً زيادة الطاقة الاستيعابية المتاحة للأسطول العالمي، إذ تستطيع السفن إنجاز عدد أكبر من الرحلات خلال العام، وهو ما قد يفرض ضغوطاً إضافية على أسعار الشحن الفورية التي استفادت، خلال العامين الماضيين، من نقص السعة الناتج عن تحويل المسارات.
وتبرز أهمية هذا التحول إذا ما أُخذ في الاعتبار أن بضائع تزيد قيمتها على تريليوني دولار كانت تعبر هذا الممر في عام 2023 وحده حسب بيانات اطلع عليها بقش من “كلاركسون ريسيرتش سيرفيسز”، ما يجعل أي تغير في حركة الملاحة عبر البحر الأحمر ذا انعكاسات مباشرة على سلاسل الإمداد العالمية.
إعادة هيكلة الخدمات الملاحية
ضمن هذا التوجه، كشفت “ميرسك” أن خدمة بحرية تربط الهند والإمارات بالساحلين الشرقي والخليجي للولايات المتحدة ستخضع لما وصفته بـ”تغيير هيكلي”.
وقد انطلقت أولى ملامح هذا التعديل بسفينة غادرت ميناء جبل علي في دبي متجهة غرباً، فيما أبحرت أول سفينة في الاتجاه المعاكس عبر قناة السويس من ميناء سافانا الأمريكي في وقت سابق من الأسبوع.
ورغم وصف الشركة لهذه الخطوة بأنها “لحظة فارقة”، فإنها شددت في الوقت نفسه على احتفاظها بخطط طوارئ تسمح بالعودة السريعة إلى مسار رأس الرجاء الصالح إذا ما تدهورت الأوضاع الأمنية، مؤكدة أن سلامة الطواقم تظل أولوية لا تقبل المساومة.
وأظهرت بيانات استشارية نقلتها بلومبيرغ أن عدداً من السفن التابعة لشركتي “إم إس سي” السويسرية، أكبر ناقل حاويات في العالم، و”سي إم إيه سي جي إم” الفرنسية، ثالث أكبر شركة في القطاع، عبرت قناة السويس مؤخراً.
وتشير بيانات “ألفالاينر” التي تابعها بقش إلى أن هذه الشركات الثلاث مجتمعةً تستحوذ على نحو 48% من الطاقة العالمية لنقل الحاويات، ما يمنح تحركاتها وزناً استثنائياً في تحديد اتجاهات السوق.
يرى محللون أن أهمية خطوة “ميرسك” تتجاوز عدد السفن أو طبيعة الخدمات التي أعيد تشغيلها، لأن الشركة كانت من أكثر اللاعبين تحفظاً في ما يتعلق بالعودة إلى البحر الأحمر، ما يجعل قرارها بمثابة نقطة تحول نفسية وتشغيلية لبقية السوق.
وعلى الرغم من هذا التحسن، فإن حركة العبور عبر قناة السويس لا تزال بعيدة عن مستوياتها الطبيعية، ففي الأسبوع المنتهي يوم الأحد الماضي، عبرت القناة 26 سفينة حاويات، وهو أعلى رقم في خمسة أسابيع، لكنه يظل أقل بكثير من المتوسط الأسبوعي الذي كان يدور حول 80 سفينة قبل بدء تحويل المسارات في أواخر 2023، حسب بيانات يتتبَّعها بقش أسبوعياً من مؤشر “دروري”.
ويجمع محللون على أن عودة الجداول الملاحية إلى وضعها الطبيعي ستستغرق وقتاً، قد يمتد من ثلاثة إلى خمسة أشهر، وفق تقديرات بيتر ساند، كبير المحللين في منصة “زينيتا”، شريطة استمرار الاستقرار الأمني وعدم اندلاع توترات جديدة في المنطقة.
حسابات دقيقة لتجنب الصدمات
تتعامل شركات الشحن بحذر شديد في عملية العودة، إذ تسعى إلى تفادي سيناريوهات ازدحام الموانئ الناتج عن التغييرات المفاجئة في الجداول، أو حدوث فائض كبير في السعة يؤدي إلى هبوط الأسعار إلى مستويات غير مربحة، كما تحرص على عدم الإضرار بموثوقية خدماتها عبر التردد بين المسارات، وهو ما قد يربك العملاء وسلاسل التوريد.
في الوقت نفسه، تواجه شركات النقل تحديات إضافية تتعلق بتباطؤ متوقع في نمو تجارة السلع العالمية خلال 2026. فقد توقعت “أكسفورد إيكونوميكس” أن يقتصر نمو التجارة العالمية هذا العام على 1.7%، مقارنة بـ4.9% في 2025، ما يعني أن الطلب لن يكون كافياً لامتصاص أي زيادة كبيرة في الطاقة الاستيعابية.
هذه المعطيات مجتمعة تنعكس بالفعل على الأسواق المالية، إذ تراجعت أسهم “ميرسك” بأكثر من 5% عقب الإعلان عن العودة، كما انخفضت أسهم “هاباغ لويد” الألمانية، الشريكة لميرسك في تحالف “جيميني”، بأكثر من 3%، وسط مخاوف المستثمرين من تآكل الأرباح مع تراجع أسعار الشحن.
وكانت تحويلات المسارات بعيداً عن البحر الأحمر قد امتصت نحو 7% من السعة العالمية لنقل الحاويات، ما دعم الأسعار والأرباح خلال العامين الماضيين. ومع انحسار هذه التحويلات تدريجياً، يتوقع محللو “بلومبيرغ إنتليجنس” أن تتعرض الأسعار لمزيد من الضغوط في ظل اختلالات العرض والطلب.
حذر مستمر
ورغم الإشارات الإيجابية، يحذر محللون من أن المشهد لا يخلو من مخاطر كامنة، خصوصاً مع احتمالات حدوث تحولات في سياسات إيران المتعلقة بمضيق هرمز، وهو ما قد يعيد خلط الأوراق في واحد من أهم مفاصل الملاحة العالمية.
وبالنتيجة تبدو العودة التدريجية للسفن إلى البحر الأحمر خطوة مهمة على طريق استعادة انسيابية التجارة بين الشرق والغرب، لكنها تظل عودة مشروطة بحسابات أمنية واقتصادية دقيقة، في عالم لا يزال مثقلاً بالتوترات الجيوسياسية وتقلبات الطلب العالمي.


