تقارير
أخر الأخبار

السياسة بمنطق تجاري.. ما هو مجلس السلام الخاص بغزة؟

تقارير | بقش

تحاول واشنطن إعادة هندسة إدارة الصراع في غزة وإعادة ترتيب أدوار الفاعلين الدوليين والإقليميين، عبر إنشاء ما سمّته “مجلس السلام”، وفق تصور يقوده الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ويثير في الوقت ذاته جدلاً دولياً واسعاً.

وجاء الإعلان عن “مجلس السلام” بالتوازي مع انطلاق المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، ومع بدء عمل اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة غزة برئاسة علي شعث، وفق متابعة “بقش”، ما يشير إلى أن المجلس جزء من حزمة أمريكية متكاملة لإدارة “اليوم التالي” للحرب، وليس كياناً منفصلاً.

البيت الأبيض أعلن تشكيل المجلس ضمن ما وصفه بـ”المرحلة الثانية من الخطة الشاملة لإنهاء الحرب في القطاع”، مع تعيين ممثل سامٍ لغزة، وتشكيل لجنة تنفيذية، وقوة استقرار دولية، في وقت تراجع فيه الدور الإسرائيلي المباشر في فرض شروطه على ترتيبات ما بعد الحرب، حسب تقديرات أمريكية تتبّعها بقش.

ووفق ما كشفه رئيس مؤسسة “الأمريكيون من أجل السلام العالمي” بشارة بحبح، فإن العضوية المؤكدة حتى الآن تقتصر على 10 دول أساسية، هي: الولايات المتحدة، بريطانيا، ألمانيا، إيطاليا، تركيا، مصر، قطر، الأردن، الإمارات وباكستان.

في المقابل، أظهرت مسودة الميثاق التي نشرتها وسائل إعلام غربية أن ترامب وجّه دعوات إلى نحو 60 دولة للانضمام إلى المجلس، من بينها فرنسا، وأستراليا، وكندا، والمجر، والسويد، وهولندا، وفنلندا، إضافة إلى المفوضية الأوروبية ودول رئيسية في الشرق الأوسط.

شرط “المليار دولار”

أكثر بنود الميثاق إثارة للجدل هو الشرط المالي. فحسب قراءة بقش، تشترط إدارة ترامب على الدول الراغبة في العضوية الدائمة أو تمديد العضوية لأكثر من ثلاث سنوات، أن تساهم بما لا يقل عن “مليار دولار” نقداً خلال السنة الأولى من دخول الميثاق حيز التنفيذ.

وتنص المسودة على أن مدة عضوية أي دولة لا تتجاوز ثلاث سنوات، والتجديد يتم بقرار من الرئيس الأمريكي، وشرط السنوات الثلاث لا يسري على الدول التي تدفع أكثر من مليار دولار.

ويقول محللون إن هذا المبلغ يُقدَّم بوصفه مساهمة أولية في إعادة إعمار غزة، التي تُقدَّر كلفتها الإجمالية بما بين 74 و112 مليار دولار، معتبرين أن هذا الإلزام بالدفع ينسجم مع طريقة ترامب في إدارة السياسة بعقلية رجل الأعمال.

غير أن دبلوماسيين غربيين رأوا في هذا الشرط تحويلاً للعمل الدولي إلى صيغة اشتراك مالي، واعتبروا أن سيطرة ترامب الشخصية على الأموال أمر “غير مقبول” بالنسبة لدول كثيرة كانت مرشحة للانضمام.

كما تكشف مسودة الميثاق عن تركيز غير عادي للسلطة بيد الرئيس الأمريكي، حيث يتولى ترامب رئاسة المجلس بصفته أول رئيس له، ويقرر بنفسه الجهات التي تُوجَّه إليها الدعوات، ويمتلك القرار النهائي في الموافقة على قرارات المجلس حتى وإن اتُّخذت بالأغلبية، ويعتمد الختم الرسمي للمجلس، ويملك صلاحية عزل أي عضو، مع إمكانية نقض القرار بأغلبية الثلثين، كما يحدد مواعيد وأماكن الاجتماعات، وجدول أعمالها.

والأكثر إثارة للانتباه أن الوثيقة تنص على أن ترامب سيكون رئيساً للمجلس مدى الحياة، وأن عليه في جميع الأوقات تعيين خليفة له، في صيغة لا تشبه أي تنظيم دولي قائم.

ورغم أن القرارات تُتخذ نظرياً على أساس “صوت واحد لكل دولة”، فإن اشتراط موافقة الرئيس الأمريكي يجعل هذا المبدأ شكلياً إلى حد كبير.

هل هو بديل للأمم المتحدة؟

أبدت عدة حكومات ودبلوماسيين غربيين مخاوف من أن المجلس الجديد قد يقوض عمل الأمم المتحدة والنظام الدولي القائم. حيث وُصفت المبادرة بأنها “أمم متحدة على طريقة ترامب، تتجاهل أسس ميثاق الأمم المتحدة”.

كما حذّر ثلاثة دبلوماسيين غربيين تتبّع بقش تصريحاتهم الصحفية، من أن إطلاق المجلس بصيغته الحالية قد يفتح الباب أمام نموذج موازٍ للشرعية الدولية، تقوده دولة واحدة، وتتحكم فيه مالياً وسياسياً.

وهذه المخاوف تفسر إحجام كثير من الدول عن إعلان مواقفها علناً، رغم تلقيها دعوات رسمية.

وأعلن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر استعداد بلاده للمشاركة في المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار، مؤكداً أن لندن تجري مشاورات مع الحلفاء حول بنود المجلس، دون حسم موقف نهائي من الترتيبات المالية أو آليات العمل.

كما ذكرت روسيا إن بوتين تلقى دعوة من ترامب للانضمام إلى مجلس السلام، وسط تحفظات أوروبية. وقالت موسكو إنها تدرس الاقتراح وتأمل في إجراء اتصالات مع واشنطن بشأنه.

وقالت كندا إنها ستبذل قصارى جهدها لمعالجة المعاناة في غزة، لكنها شددت على أن تفاصيل المجلس لا تزال قيد الدراسة.

أما عن إسرائيل، دُعي نتنياهو إلى المجلس، وكان على علم بدعوة تركيا وقطر، إلا أنه فوجئ بدعوة مسؤولين رفيعي المستوى من الدولتين للمشاركة في اللجنة الإدارية لغزة، ما أثار امتعاضاً إسرائيلياً.

البنية التنفيذية وإدارة غزة

أعلنت إدارة ترامب وفق متابعة بقش عن تشكيل لجنة تنفيذية تأسيسية تضم وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، والمبعوث إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف، وصهر ترامب جاريد كوشنر، ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير.

كما تم تعيين نيكولاي ملادينوف ممثلاً سامياً لغزة وعضواً في المجلس التنفيذي، والجنرال جاسبر جيفيرز قائداً لقوة الاستقرار الدولية، وآرييه لايتستون وجوش غروينباوم مستشارين للاستراتيجية والعمليات اليومية.

وفي وقت لاحق، كُشف عن تقليص دور توني بلير من موقع تنفيذي إلى عضوية عادية حسب اطلاع بقش، في ظل حساسية الأدوار الدولية داخل المجلس.

أبعاد سياسية وأمنية

يرى المحللون، مثل بشارة بحبح، أن واشنطن باتت تمسك بزمام المرحلة المقبلة في غزة، بما يشمل إعادة الإعمار وفتح المعابر وتشكيل لجنة إدارة غزة ونشر قوات استقرار بضمانة أمريكية، معتبرين أن واشنطن كما يبدو لن تسمح لإسرائيل بإفشال مسار إعادة الإعمار، وأنها تسعى لربط الملف الإنساني بمسار سياسي أوسع، قد يقود في النهاية إلى قيام دولة فلسطينية وربط غزة بالضفة الغربية.

ويُشار إلى أن نزع السلاح مطروح للتفاوض، وأن المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف مستعد للقاء قيادة حماس.

ويعكس “مجلس السلام” انتقال السياسة الأمريكية إلى دور المدير والممول وصاحب القرار حسب قراءة بقش، وهو نموذج جديد يجمع بين التمويل المشروط والإدارة المباشرة وتهميش الأطر الدولية التقليدية.

وبينما ترى فيه واشنطن فرصة لوضع “توقيع ترامب” على ما يُوصَف بأنه “اتفاق سلام تاريخي”، فإن دولاً كثيرة ترى فيه مخاطرة بنسف قواعد العمل الدولي وتحويل السلام إلى صفقة مالية.

زر الذهاب إلى الأعلى