الصين تعيد ضبط قواعد لعبة المعادن النادرة والعالم يتعلم كيف يتعامل مع مركز ثقل جديد

الاقتصاد العالمي | بقش
لم تنتظر بكين طويلاً قبل أن تعلن عن نفسها في قمة العشرين الإفريقية؛ إذ دخل رئيس الوزراء لي تشيانغ إلى النقاشات حاملاً رسائل واضحة: الصين لن تتراجع عن إدارة مواردها الاستراتيجية، ولن تقبل بأن تتحول المعادن النادرة إلى ورقة ضغط تستخدمها القوى الغربية وقتما تشاء. ومع ذلك، بدا لي وكأنه يمدّ يداً “انتقائية” نحو دول الجنوب، التي تبحث عن موقع عادل داخل سلاسل الإمداد العالمية، دون أن تكون مجرد أسواق خام لدول كبرى.
الحضور الصيني في القمة لم يكن دفاعياً بقدر ما كان “إعادة تعريف” لمعادلة النفوذ؛ إذ تزامن الحديث عن القيود مع مبادرات لإشراك الدول الصديقة في منظومة تعدين أكثر استدامة. وبينما ينشغل الأوروبيون بتداعيات اختناقات التوريد، تعمل بكين على تسويق نموذج بديل يقوم على الاستفادة المشتركة، لكن وفق شروطها.
في الخلفية، يتعالى التذمر الغربي من أن الصين باتت تتحكم في مفاصل سوق المعادن الحرجة، بينما تنظر بكين إلى تلك الانتقادات باعتبارها محاولة للالتفاف على هيمنة اكتسبتها عبر عقود من الاستثمار المتدرج، لا عبر قرارات فوقية. هنا بالتحديد تتجلى ملامح الصراع الاقتصادي الجديد: من يضع قواعد اللعبة، ومن يقبل أن يلعب وفقها.
بكين تدير الملف كقضية أمن قومي لا كبند تجاري
في الكلمة التي ألقاها لي تشيانغ، ظهر بوضوح أن الصين تنظر إلى المعادن النادرة باعتبارها امتداداً لأمنها الاقتصادي وفق اطلاع مرصد بقش. لم يتحدث عن “قيود” بقدر ما تحدث عن “إدارة حذرة”، وهي عبارة تحمل دلالات ثقيلة في لغة الدبلوماسية الصينية.
وتصرّ بكين على أن الاستخدامات العسكرية لهذه المعادن، خصوصاً تلك الداخلة في الإلكترونيات الدفاعية، تفرض عليها ألا تترك الباب مفتوحاً بلا ضوابط.
الرسالة الصينية حملت كذلك إشارة غير مباشرة إلى أن الغرب، وخاصة الولايات المتحدة، هو الطرف الأكثر تسليحاً لهذا الملف. فبينما تتهم واشنطن بكين بتقييد التجارة، كانت الصين سبّاقة إلى تحمّل الكلفة البيئية والمالية للتعدين والمعالجة عندما لم يكن أحد مستعداً لذلك.
ومع ارتفاع الطلب العالمي، ترى بكين أن ضبط سلاسل الإمداد بات ضرورة لا مجرد رغبة سياسية. فالمعادن النادرة هي عصب الصناعات الحساسة من الصواريخ إلى رقاقات الهواتف الذكية، وأي اضطراب فيها قد يتحول إلى تهديد مباشر لصادرات الصين أو اقتصادها.
وعلى الرغم من الضغط الغربي، يصرّ المسؤولون الصينيون على أن التعاون ما زال ممكناً، لكن وفق صيغة لا تُخضع الصين لابتزاز تجاري جديد كالذي رافق الحرب التجارية في السنوات الماضية.
مبادرة تعدين “خضراء”… شراكات انتقائية بدل توسع عشوائي
على هامش القمة، كشفت الصين عن مبادرة تعدين جديدة تشترك فيها 19 دولة غنية بالموارد الطبيعية. ورغم أن الإعلان بدا عامًا وغير مشبع بالتفاصيل المالية، إلا أن الرسالة السياسية كانت واضحة: بكين تفضّل بناء شبكة “أصدقاء” بدل الخضوع لإعادة تشكيل سلاسل الإمداد التي تحاول واشنطن قيادتها.
المبادرة، التي ترتبط بمنظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية، تسعى إلى خلق بيئة تعدين أكثر انضباطاً، سواء في حماية الموارد أو ضبط التكاليف البيئية. بالنسبة لبكين، هذا ليس تنازلاً، بل محاولة لخلق إطار دولي يمنع الاتهامات الغربية بشأن “الاستغلال” أو “الهيمنة”.
والدول المشاركة، من نيجيريا إلى كمبوديا وزيمبابوي، تنظر إلى العرض الصيني باعتباره فرصة لا تأتي كثيراً: نقل التكنولوجيا، وبناء قدرات محلية، وإدراجها ضمن سلاسل التوريد بدل تركها على هامش السوق العالمية.
وهذا النمط من الشراكات يمنح الصين قوة ناعمة إضافية، لا تعتمد فقط على الإنتاج والمعالجة، بل على خلق نظام بديل تتحرك فيه بكين كقوة محورية.
وبينما يطالب العالم الغربي بشفافية أكبر في سلاسل التوريد، تسعى الصين إلى تقديم نموذج “متعدد الأقطاب” في إدارة المعادن، يضمن لها دوراً أكبر في صياغة المعايير الدولية.
أوروبا تحاول تجاوز الصدمة… لكن الخيارات محدودة
لم يخف القادة الأوروبيون امتعاضهم من القيود الصينية، سواء عبر التصريحات التي تابعها بقش أو عبر الصياغة المبطنة في بيان قمة العشرين. فبينما تتحدث بروكسل عن “الإجراءات التجارية الأحادية”، يدرك الأوروبيون أنهم أخفقوا في بناء بديل حقيقي لصناعات المعالجة الصينية خلال العقدين الماضيين.
قطاع الصناعات الألماني والياباني يقفان أمام معضلة: كيف يمكن الاستغناء عن الصين حين تشمل القيود عناصر تُستخدم في الصناعات العسكرية؟ محاولة واشنطن إنشاء سلسلة إمداد بديلة لم تحرز تقدمًا كبيرًا؛ فالدول الغنية بالمعادن تطلب شيئًا أكثر من مجرد شراء مواد خام.
وفي البرازيل، عبّر الرئيس لولا دا سيلفا عن الموقف الذي تتشاركه معظم دول الجنوب: لن تكون قارتنا مجرد مورد خام. هذه الرسالة أربكت الأوروبيين؛ فهي تتلاقى مع الرؤية الصينية التي تفضل شراكات التصنيع المشترك بدل تزويد الغرب بمواد نصف مصنعة.
وتبقى المشكلة الأوروبية أكبر من مجرد قيود صينية؛ فهي تتعلق بعجز هيكلي في القدرة الصناعية على معالجة المعادن حسب قراءة بقش، وهي عملية تمتلك الصين فيها خبرة لا يمكن تعويضها سريعًا، مهما بلغت الاستثمارات الغربية.
الصين وأمريكا على طاولة واحدة
لم تمنع الحرب التجارية بين واشنطن وبكين الطرفين من الجلوس مجدداً إلى طاولة تفاوض بشأن تراخيص المعادن النادرة. فالولايات المتحدة، رغم خطابها الصارم، تدرك أنها تعتمد على الصين في عشرات المواد التي لا يمكن تصنيع الرقائق أو المعدات العسكرية دونها.
المحادثات حول “التراخيص العامة” تستهدف إيجاد صيغة تتيح تدفق المواد الحساسة دون تعطيل، ولكن مع مراعاة هواجس الأمن القومي للطرفين. لكنّ بكين تدرك أنها في موقع قوة؛ فالتكنولوجيا الأمريكية لا تكتمل دون المعادن الصينية، والدول الأوروبية لا تملك بدائل جاهزة.
هذا الواقع لا يمنع الصين من تقديم صورة “الشريك المسؤول” للدول النامية. ففي القارة الإفريقية تحديداً، يتردد الخطاب الصيني حول بناء قدرات محلية، وهو خطاب يجد صداه لدى الحكومات التي سئمت من عقود من التبعية للغرب.
ومع ذلك، لا تزال المخاوف قائمة في الغرب من أن الصين تستخدم نفوذها لإعادة تشكيل منظومة المعادن عالمياً بما يتجاوز المنافسة التجارية إلى تحديد مستقبل الصناعات الاستراتيجية ذاتها.
الملف الذي ظهر في قمة العشرين لم يكن صراعاً تجارياً بقدر ما كان كشفاً لتحول بنيوي في ميزان القوة الاقتصادية. الصين لم تعد لاعباً ضمن لاعبين؛ بل أصبحت مركز الثقل الذي تدور حوله سلاسل الإمداد، خاصة في القطاعات العسكرية والتكنولوجية.
وبينما يحاول الغرب إعادة بناء نفوذه عبر التحالفات أو الاستثمارات، تعمل الصين على توسيع دائرة الدول الصديقة، مسلّحة بنموذج اقتصادي أكثر جاذبية للدول النامية، وبتجربة صناعية لا يمكن منافستها بسهولة.


