الصين في دافوس 2026: مناورة استراتيجية بين “حلم” السوق العالمية وواقع الفائض التجاري

الاقتصاد العالمي | بقش
في خضم التوترات الجيوسياسية التي تخيم على المشهد الاقتصادي العالمي، اعتلى نائب رئيس الوزراء الصيني، خه ليفنغ، منصة المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، ليقدم مرافعة دفاعية وهجومية في آن واحد عن النموذج الاقتصادي لبلاده.
لم تكن رسالة “قيصر الاقتصاد” الصيني موجهة للداخل فحسب، بل كانت رسالة طمأنة للمجتمع الدولي القلق، مفادها أن بكين تدرك حجم اختلالات التجارة العالمية، وأنها عازمة على التحول من مجرد “مصنع للعالم” يغرق الأسواق بالبضائع، إلى “سوق للعالم” يستهلك منتجات الآخرين، في محاولة لرسم صورة الشريك لا المنافس.
يأتي هذا الخطاب في توقيت حساس للغاية، حيث سجلت الصين فائضاً تجارياً قياسياً ناهز 1.2 تريليون دولار في العام الماضي وفق اطلاع “بقش”، ما وضَعَها في مرمى نيران الانتقادات الغربية. ورغم هذه الأرقام التي تشير إلى هيمنة تصديرية، حاول المسؤول الصيني تفكيك السردية القائلة بأن بلاده تمارس “رأسمالية الدولة” المفترسة، مؤكداً أن الفائض التجاري ليس هدفاً استراتيجياً لبكين، بل هو نتاج عرضي لمرحلة تنموية تسعى الدولة لتجاوزها نحو تعزيز الطلب المحلي، وهو ما يتماشى مع سياسات “التداول المزدوج” التي تنتهجها الصين لتقليل الاعتماد المفرط على الأسواق الخارجية.
وتكتسب تصريحات خه ليفنغ أهمية مضاعفة كونها تأتي في ظل عودة دونالد ترامب للبيت الأبيض، وما صاحب ذلك من عودة لسياسة “التهديدات الجمركية”. فبينما كان المسؤول الصيني يدعو لنبذ “شريعة الغاب” الاقتصادية، كانت أصداء تهديدات ترامب لفرنسا بفرض رسوم ساحقة على النبيذ تتردد في أروقة المنتدى، مما منح بكين فرصة لتقديم نفسها كطرف “عاقل” ومدافع عن التعددية وحرية التجارة، في تباين مقصود مع النهج الحمائي الذي تتبناه واشنطن مجدداً.
التحول الهيكلي: من “الإغراق” إلى “الاستهلاك”
تحاول القيادة الصينية تسويق رؤية اقتصادية جديدة تقوم على معالجة جذور الخلل في الميزان التجاري، ليس عبر تقليص الصادرات قسراً، بل عبر توسيع قاعدة الاستهلاك المحلي. وفي هذا السياق، شدد خه ليفنغ على أن الصين تعمل بجد لبناء “قوة استهلاكية” توازي قوتها الصناعية.
هذا الطرح يعكس إدراكاً صينياً عميقاً بأن نموذج النمو القائم على الاستثمار في البنية التحتية والتصنيع قد وصل لحدوده القصوى، وأن المرحلة المقبلة تتطلب رفع مستويات الدخل للأسر الصينية لتصبح قادرة على استيعاب السلع الأجنبية، وهو ما أشار إليه المسؤول الصيني بقوله إن بلاده تسعى لشراء السلع الأجنبية لكنها تواجه أحياناً “موانع سياسية”.
ومع ذلك، يصطدم هذا الخطاب الطموح بواقع اقتصادي معقد حسب قراءة بقش، حيث لا يزال الاقتصاد الصيني يعاني من تداعيات أزمة العقارات المستمرة التي كبحت شهية المستهلكين، إضافة إلى انكماش محلي أدى لتراجع قيمة اليوان (المعدل حسب التضخم)، مما جعل الصادرات الصينية أرخص وأكثر جاذبية عالمياً بشكل تلقائي.
وتظهر البيانات الرسمية التي تتبَّعها بقش تحقيق نمو بنسبة 5%، لكن محرك هذا النمو لا يزال يعتمد بشكل كبير على الصادرات المتدفقة نحو أسواق الجنوب العالمي (أفريقيا وأميركا اللاتينية)، مما يثير قلقاً دولياً عبر عنه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بوصفه المنافسة الصينية بأنها مسألة “حياة أو موت” للصناعة الأوروبية.
لإثبات حسن النوايا، بدأت بكين اتخاذ خطوات ملموسة لتهدئة المخاوف، مثل خفض الحوافز الضريبية (رد الضريبة) لمئات المنتجات التصديرية كالخلايا الشمسية والبطاريات، وهي خطوة نادرة تهدف لكبح جماح “القدرة الانتاجية الفائضة” التي يشتكي منها الغرب. كما تتجاوب بكين بمرونة نسبية مع مقترحات الاتحاد الأوروبي لاستبدال الرسوم الجمركية العقابية بنظام “الحد الأدنى للأسعار” على السيارات الكهربائية، مما يعكس رغبة في التفاوض بدلاً من التصعيد الشامل.
هدنة هشة تحت ظلال “ترامب”
تشير الكواليس الدبلوماسية في دافوس 2026 إلى وجود حالة من “السلم المسلح” بين واشنطن وبكين. فبعد جولات مفاوضات شاقة قادها الفريق الاقتصادي لترامب (سكوت بيسنت وجيمسون غرير)، توصل الطرفان إلى “هدنة تجارية” مدتها عام واحد في أكتوبر الماضي. هذه الهدنة أوقفت مؤقتاً شبح حرب تجارية جديدة، وفتحت الباب لتعاون حذر، تجلى في سماح إدارة ترامب لشركة “إنفيديا” ببيع رقائق متطورة (وإن لم تكن الأحدث) للصين، في إشارة إلى إمكانية فصل المصالح التجارية عن الهواجس الأمنية في بعض المجالات.
ويركز الخطاب الصيني في هذا المحور على فكرة أن التنمية الصينية تمثل “فرصة” للاقتصاد الأمريكي وليست تهديداً، محاولاً تفنيد الحجج الأمنية التي تستخدمها واشنطن لتقييد التكنولوجيا. يرى خه ليفنغ أن القضايا التجارية غالباً ما يتم “تسليحها” وتحويلها لحواجز أمنية، داعياً للعودة إلى المبادئ الاقتصادية البحتة، وهو طرح يجد صدى لدى قطاعات واسعة من مجتمع الأعمال الدولي المتواجد في دافوس، والذي يخشى من تفتت الاقتصاد العالمي.
لا يمكن فصل السياسة الخارجية للصين عن تحدياتها الداخلية. فالسعي لفتح الأسواق ليس مجرد مناورة دبلوماسية، بل ضرورة اقتصادية ملحة. فالاعتماد المفرط على الصادرات بات يهدد بعزل الصين تجارياً في ظل تصاعد الإجراءات الحمائية في أوروبا وأمريكا الشمالية. لذا، فإن حديث نائب رئيس الوزراء عن أن التنمية في الصين نتاج “الابتكار والإصلاح” وليس “الدعم الحكومي” يهدف لطمأنة المستثمرين بأن الحكومة ترفع يدها تدريجياً عن توجيه السوق، وتفسح المجال لقوى العرض والطلب.
في المقابل، يرى مراقبون اقتصاديون أن تحول الصين إلى “سوق العالم” يتطلب إصلاحات هيكلية أعمق تشمل شبكات الضمان الاجتماعي لتحفيز المواطن الصيني على الإنفاق بدلاً من الادخار المفرط حسب متابعات بقش. وبدون هذه الإصلاحات، سيظل الفائض التجاري ضخماً، وستظل التوترات قائمة. ومع ذلك، فإن الإشارات الصادرة من دافوس تؤكد أن بكين تعي أن استمرار الوضع الراهن غير مستدام، وأن عليها تقديم تنازلات ملموسة – مثل زيادة الواردات – للحفاظ على نظام التجارة العالمي الذي استفادت منه أكثر من غيرها.
وتبرز هنا أهمية التوقيت؛ فالصين تحاول استباق أي تحركات عدائية من إدارة ترمب عبر تقديم نفسها كشريك مسؤول. فالتركيز على النمو النوعي (التكنولوجيا والاستهلاك) بدلاً من الكمي (التصنيع الرخيص) هو جوهر “القوى الإنتاجية الجديدة” التي يروج لها الرئيس شي. وإذا نجحت الصين في إقناع العالم بأن أسواقها ستفتح أبوابها بالفعل، فقد تتمكن من تخفيف حدة الضغوط الغربية، وتحويل المواجهة الصفرية إلى منافسة منظمة.


