الاقتصاد العالمي
أخر الأخبار

العالم نحو أزمة غاز.. ماذا يعني إعلان قطر حالة “القوة القاهرة”؟

الاقتصاد العالمي | بقش

مرحلة غير مسبوقة من الاضطراب دخلتها سوق الغاز العالمية، بعد إعلان شركة قطر للطاقة، اليوم الأربعاء، حالة “القوة القاهرة”، في أعقاب وقف إنتاج الغاز الطبيعي المسال والمنتجات المرتبطة به، نتيجة هجمات عسكرية استهدفت منشآتها في مدينتي رأس لفان ومسيعيد الصناعيتين، وجاء هذا التطور في اليوم الخامس من الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران، وسط تصاعد المخاوف من اتساع رقعة المواجهة.

ويمثل القرار القطري نقطة تحول حادة في مسار أسواق الطاقة، إذ تُعد قطر أحد الأعمدة الثلاثة الرئيسية لسوق الغاز الطبيعي المسال عالمياً إلى جانب الولايات المتحدة وأستراليا، وتنتج الدوحة وفق اطلاع “بقش” نحو 20% من صادرات الغاز المسال في العالم، وشحنت في عام 2025 قرابة 81 مليون طن، فيما تخطط لرفع طاقتها الإنتاجية إلى 142 مليون طن سنوياً بحلول 2030، بما يمنحها نحو ربع السوق العالمية.

وتتركز مرافق الإنتاج والتسييل والبنية التحتية للتصدير بشكل شبه كامل في مدينة رأس لفان، على بُعد نحو 80 كيلومتراً شمال شرقي الدوحة، ما يجعل أي استهداف لهذه المنطقة بمثابة ضربة مباشرة لقدرة البلاد التصديرية، ويغطي إنتاج رأس لفان وحده خُمس إمدادات الغاز الطبيعي المسال عالمياً، وهو ما يفسر الارتباك الفوري الذي شهدته الأسواق عقب إعلان التوقف.

ماذا تعني “القوة القاهرة” عملياً؟

إعلان “القوة القاهرة” يُعد إجراءً قانونياً بالغ الأهمية، فبموجبه تعلن الشركة أن الظروف الراهنة خارجة عن إرادتها وتجعل تنفيذ التزاماتها التعاقدية مستحيلاً تقنياً، سواء بسبب توقف الإنتاج أو تعطل ممرات الملاحة، وهذا يمنحها حماية من الغرامات أو الدعاوى القضائية الناتجة عن عدم تسليم الشحنات في مواعيدها.

ويكتسب ذلك أهمية إضافية لأن ما بين 90% و95% من صادرات قطر يتم توريدها عبر عقود طويلة الأجل إلى مشترين في آسيا وأوروبا، فيما تشكل السوق الفورية نسبة محدودة تتراوح بين 5% و10%، وبالتالي فإن الأزمة لا تقتصر على تقلبات السوق الفورية، بل تمتد إلى قلب منظومة التوريد المستقرة التي تعتمد عليها الاقتصادات الصناعية.

انعكست التطورات فوراً على الأسعار، فقد قفزت العقود الآجلة للغاز في أوروبا بنسبة 54% حسب تتبُّع بقش لبيانات السوق، في أكبر زيادة يومية منذ أزمة الطاقة التي أعقبت الحرب الروسية الأوكرانية، ويعكس هذا الارتفاع إعادة تسعير شاملة للمخاطر الجيوسياسية، خاصة أن أوروبا تحصل على نحو 10% من احتياجاتها من الغاز المسال من قطر، في وقت لا تزال فيه القارة تعتمد على الواردات البحرية لتعويض فقدان الإمدادات الروسية.

وتشير تقديرات أوردتها عدة وكالات مثل رويترز، إلى أن استمرار تعطل الشحن عبر مضيق هرمز لمدة شهر قد يؤدي إلى مضاعفة أسعار الغاز الأوروبية أكثر من مرتين، ما يهدد بإعادة القارة إلى سيناريوهات تضخمية قاسية، مع ارتفاع تكاليف الكهرباء والصناعة والتدفئة.

المضيق.. عنق الزجاجة

تتضاعف خطورة الموقف لأن جميع شحنات الغاز الطبيعي المسال القطرية يجب أن تعبر مضيق هرمز، ومع تصاعد التهديدات العسكرية وشلل الممر البحري، يصبح السوق أمام “صدمة مزدوجة”، صدمة إنتاج وصدمة نقل في آن واحد.

فحتى لو استؤنف الإنتاج سريعاً، فإن استمرار المخاطر في المضيق قد يمنع الناقلات من الإبحار أو يرفع تكاليف التأمين إلى مستويات باهظة، ما يقلص المعروض الفعلي في السوق العالمية.

وأكثر من 80% من عملاء قطر للطاقة يتركزون في آسيا، بما في ذلك الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية وباكستان، ومع توقف الإمدادات بدأت بالفعل شركات هندية خفض الغاز المخصص لبعض الصناعات تحسباً لأي نقص محتمل، وإذا لجأت الدول الآسيوية الكبرى إلى زيادة مشترياتها من السوق الفورية لتعويض النقص، فإن ذلك سيشعل منافسة حادة مع أوروبا، كما حدث في 2022 حسب تناولات بقش، ما يدفع الأسعار إلى مستويات قياسية جديدة.

أما أوروبا، التي دخلت الشتاء الماضي بمخزونات مريحة نسبياً، فقد تجد نفسها مضطرة للسحب المكثف من احتياطياتها الاستراتيجية، ما يقلص هامش الأمان مع اقتراب مواسم الذروة المقبلة.

ولا يقتصر التوقف على الغاز المسال فحسب، بل شمل أيضاً منتجات كيماوية وبتروكيماوية قَطَرية، مثل اليوريا والبوليمرات والميثانول والألمنيوم. ويهدد ذلك سلاسل إمداد الأسمدة والصناعات التحويلية عالمياً، ما قد ينعكس على أسعار الغذاء والسلع الصناعية، في موجة تضخمية جديدة تتجاوز قطاع الطاقة.

يمكن أن تتفاقم أزمة الغاز العالمية عبر عدة مسارات مترابطة، منها إطالة أمد توقف الإنتاج القطري بما يحرم السوق من خُمس الإمدادات لفترة طويلة، وتعطل الملاحة في مضيق هرمز بما يمنع حتى الإمدادات البديلة من الوصول بسهولة، وتحول المشترين إلى السوق الفورية بما يشعل سباقاً عالمياً على الشحنات المتاحة.

وربما لا تتعلق المسألة الآن بسعر الغاز بقدر ارتباطها بأمن الطاقة العالمي ككل، ففقدان مورد بحجم قطر في لحظة توتر إقليمي حاد يعيد إلى الأذهان هشاشة منظومة الإمدادات العالمية، ويبرز مدى ارتباط استقرار الاقتصاد عالمياً بضرورة الاستقرار الجيوسياسي في الخليج. وفي حال استمرار الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران واتساع تداعياتها، فسينتقل اضطراب السوق الحالي إلى أزمة طاقة شاملة تفرض واقعاً جديداً من الأسعار المرتفعة والتقلبات الحادة، مع تداعيات مباشرة على النمو الاقتصادي والتضخم والاستقرار المالي في مختلف أنحاء العالم.

زر الذهاب إلى الأعلى