الاقتصاد العالمي
أخر الأخبار

الفضة في قلب العاصفة المالية العالمية: لماذا انفجر سعر المعدن الأبيض بهذه الحدة؟

الاقتصاد العالمي | بقش

تشهد أسعار الفضة تحولات كبيرة بعد أن ظل المعدن الأبيض لسنوات طويلة في ظل الذهب، حيث قفز فجأة إلى واجهة المشهد المالي العالمي، مسجلاً واحداً من أعنف الارتفاعات السعرية في تاريخه الحديث، في تطور يعكس تداخل عوامل استثمارية وجيوسياسية ونقدية معقدة.

فمنذ مطلع العام الجاري، ارتفعت أسعار الفضة بنحو 50%، بعد أن كانت قد تضاعفت تقريباً خلال العام الماضي، لتتجاوز في ذروة تداولاتها مستوى 117 دولاراً للأونصة، قبل أن تتراجع بشكل طفيف إلى حدود 111 دولاراً وفق تتبُّع مرصد “بقش”. وتمثل هذه القفزة أكبر صعود يومي للفضة منذ الأزمة المالية العالمية في 2008، وتضع السوق أمام أسئلة كبرى حول استدامة هذا الاتجاه وحدوده المستقبلية.

سوق ضيقة ومضاربات ضخمة

على خلاف الذهب، تتميز سوق الفضة بسيولة أقل وحجم تداول يومي أدنى بكثير، وهو ما يجعلها أكثر حساسية للصدمات والاندفاعات المفاجئة. وتشير بيانات بورصة لندن التي يتابعها بقش إلى أن القيمة اليومية لتداولات الذهب تعادل نحو خمسة أضعاف نظيرتها في الفضة، وهو فارق حاسم يفسر حدة التقلبات الأخيرة.

هذا النقص النسبي في السيولة خلق بيئة مثالية لتضخيم التحركات السعرية، حيث تكفي موجات شراء محدودة نسبياً لإحداث قفزات حادة، خصوصاً عندما تترافق مع نشاط مكثف للمضاربين قصيري الأجل، الذين باتوا لاعباً مركزياً في السوق خلال الأشهر الأخيرة.

وفقاً لبلومبيرغ، يؤكد جيمس إيمِت، الرئيس التنفيذي لشركة “إم كيه إس بامب” MKS PAMP، إحدى أكبر مصافي وتجار المعادن النفيسة عالمياً، أن ما يحدث في سوق الفضة غير مألوف تاريخياً، قائلاً إن الطلب الحالي “يفوق أي شيء شهدته السوق من قبل”، مشيراً إلى أن تحركات الأسعار باتت تقودها أطراف تبحث عن الربح السريع أكثر من استثمارات طويلة الأمد.

ويأتي الارتفاع الحاد في أسعار الفضة في السياق الاقتصادي العالمي الأوسع، فالعالم يعيش حالة اضطراب مالي ونقدي عميق، مع تصاعد المخاوف من التضخم، وتآكل قيمة العملات، وتراجع جاذبية السندات السيادية، خصوصاً في الاقتصادات المتقدمة.

في هذا المناخ، عاد المستثمرون بقوة إلى ما يُعرف بـ”تجارة تدهور القيمة”، أي التحول من الأصول الورقية إلى الأصول الملموسة، وعلى رأسها المعادن النفيسة. غير أن اللافت هو أن الفضة تفوقت على الذهب من حيث سرعة الارتفاع وحدته، ما يعكس مزيجاً من العوامل الاستثمارية والنفسية في آن واحد.

وهناك كثير من المستثمرين الذين شعروا بأنهم “فوتوا” موجة صعود الذهب، وجدوا في الفضة فرصة بديلة لتعويض ذلك، سواء كملاذ آمن أو كأداة للمراهنة على التحولات الاقتصادية والجيوسياسية الكبرى.

أحد أهم محركات هذه الموجة هو العامل النفسي المعروف في الأسواق باسم “الخوف من تفويت الفرصة”، فمع كل قفزة سعرية جديدة، يتدفق مزيد من المستثمرين إلى السوق بدافع اللحاق بالاتجاه الصاعد، ما يعزز الارتفاعات ويغذي حلقة مضاربة ذاتية.

ويشير خبراء إلى أن هذا السلوك كان واضحاً بشكل خاص في سوق الفضة، التي لم تعتد تاريخياً على هذا المستوى من الزخم المضاربي، ما جعل التحركات داخل الجلسة الواحدة أكثر تطرفاً وتقلباً من المعتاد.

الطلب الفعلي: الهند في الواجهة

رغم الدور الكبير للمضاربات، فإن الطلب الفعلي يظل عاملاً مركزياً في تفسير هذه القفزة. فوفقاً لبيانات مصافي وتجار عالميين، ما تزال طلبات التجزئة والجملة تتجاوز المعروض المتاح، في وقت تشهد فيه السوق اختناقات حادة.

حسب اطلاع بقش على تقرير لبلومبيرغ، تبرز الهند كأحد أهم محركات هذا الطلب، حيث شهدت وارداتها من الفضة ارتفاعاً قياسياً، مدفوعة بعوامل ثقافية واقتصادية وموسمية. فقد لعب اقتراب مهرجان ديوالي دوراً محورياً في اندفاع المشترين الهنود إلى سوق لندن خلال العام الماضي، ما فاقم الضغط على المعروض العالمي.

هذا الطلب الهندي الكثيف ساهم أيضاً في خلق ضغط تاريخي على مراكز البيع على المكشوف، خاصة في وقت كانت فيه كميات كبيرة من الفضة محجوزة داخل مستودعات “كومكس” في الولايات المتحدة، نتيجة مخاوف مرتبطة بالرسوم الجمركية والتغيرات التنظيمية.

أمام هذا الاختلال بين العرض والطلب، دخلت سوق الفضة مرحلة غير مسبوقة من التوتر اللوجستي. فكما حدث سابقاً في سوق الذهب، اضطرت الشركات إلى نقل شحنات من الفضة جواً بدلاً من الاعتماد على الشحن البحري التقليدي، في محاولة لتقليص زمن التسليم وتلبية الطلب المتسارع.

ويصف جيمس إيمِت هذا الوضع بقوله: “لم يعد هناك متسع للانتظار. ترك الحاويات على متن السفن لم يعد خياراً ممكناً”، في إشارة إلى شدة الضغط الذي تعيشه السوق حالياً.

فقاعة أم تحول هيكلي؟

السؤال الذي يفرض نفسه الآن هو ما إذا كانت هذه القفزة تمثل فقاعة مضاربية مرشحة للانفجار، أم أنها تعبير عن تحول هيكلي أعمق في دور الفضة داخل النظام المالي العالمي.

تشير بعض التحليلات التي طالعها بقش إلى أن الجمع بين الطلب الصناعي المتنامي على الفضة، خصوصاً في مجالات الطاقة المتجددة والتكنولوجيا، وبين تراجع الثقة بالأصول الورقية، قد يمنح هذا المعدن دعماً طويل الأمد. في المقابل، يحذر آخرون من أن سرعة الارتفاع وحدته تجعلان السوق عرضة لتصحيحات قاسية في أي لحظة.

ما يحدث في سوق الفضة اليوم هو نتاج تداخل معقد بين شح السيولة، وتصاعد الطلب الفعلي، وهروب المستثمرين من المخاطر النقدية، واندفاع مضاربي تغذيه العوامل النفسية.

وبينما تلمع الفضة في “عصرها الذهبي” الجديد، تبقى الأسئلة مفتوحة حول ما إذا كان هذا البريق سيستمر خلال 2026، أم أن السوق تقف على أعتاب تصحيح مؤلم يعيد رسم المشهد من جديد.

زر الذهاب إلى الأعلى