الاقتصاد العالمي
أخر الأخبار

المحكمة العليا تلغي رسوم ترامب الجمركية.. زلزال قضائي يهز البيت الأبيض وترامب يتوعد بالرد

الاقتصاد العالمي | بقش

في حكمٍ وُصف بأنه الأهم في المواجهة الدستورية بين البيت الأبيض والقضاء منذ عودة ترامب إلى السلطة، أصدرت المحكمة العليا الأمريكية يوم أمس قراراً اعتُبر تاريخياً يقضي بإلغاء معظم الرسوم الجمركية الطارئة الشاملة التي فرضها الرئيس على معظم شركاء الولايات المتحدة التجاريين، معتبرةً أن ترامب تجاوز صلاحياته بموجب القانون الاتحادي. وصدر القرار بأغلبية ستة قضاة مقابل ثلاثة، وضمّ قضاةً محافظين وليبراليين.

ومنذ عودته إلى البيت الأبيض، تمكّن ترامب من تحقيق سجل لافت من الانتصارات أمام المحكمة العليا ذات الأغلبية المحافظة، حيث انحازت إليه في أكثر من 20 قضية خلال عام 2025 وفق متابعات مرصد “بقش”، ما أتاح له توسيع سلطته وتسريع تنفيذ سياسات مثيرة للجدل تتعلق بالهجرة، والخدمة العسكرية، والتوظيف الاتحادي، والسيطرة على وكالات مستقلة.

فعلى صعيد القضايا الطارئة وحدها، نظرت المحكمة في 28 طلباً عاجلاً تقدمت به الإدارة لرفع أوامر محاكم أدنى درجة كانت تعرقل سياساته، وانحازت إليه في 24 قضية، بينما أُعلنت قضية واحدة غير قابلة للنظر. وسمحت هذه القرارات للرئيس بفصل موظفين اتحاديين، وبسط نفوذ أوسع على وكالات مستقلة، وحظر وجود المتحولين جنسياً في الجيش، وترحيل مهاجرين إلى دول لا تربطهم بها أي صلات مباشرة، إلى جانب إجراءات أخرى وُصفت بأنها توسعية.

غير أن قضية الرسوم الجمركية شكّلت نقطة انعطاف، فالحكم الأخير – الذي تأخر لفترة – يُعد أول رفض رسمي واضح لنهج الإدارة في ما اعتبرته المحكمة توسعاً غير مبرر في تفسير السلطات الممنوحة للرئيس.

حيثيات الحكم: لا صلاحية لفرض رسوم شاملة تحت غطاء الطوارئ

الحكم الذي صاغه رئيس المحكمة العليا، القاضي المحافظ جون روبرتس، جاء في 21 صفحة، ورفض بشكل قاطع حجة الإدارة بأن قانون السلطات الاقتصادية في حالات الطوارئ الدولية لعام 1977 يمنح الرئيس صلاحية فرض رسوم جمركية شاملة.

وأكد روبرتس أن مهمة المحكمة تقتصر على تحديد ما إذا كانت سلطات “تنظيم الاستيراد” الممنوحة للرئيس بموجب ذلك القانون تشمل فرض رسوم جمركية، وجاء الجواب واضحاً: “لا”. وأضاف أن الإدارة حاولت تسويق “توسيع جذري” لسلطة الرئيس على سياسة التعريفات الجمركية لتبرير فرض تعريفات عالمية امتدت آثارها إلى الاقتصاد ككل.

وأيدت المحكمة بذلك حكماً صادراً عن درجة أدنى، مشددة على أن أي سلطة لفرض رسوم شاملة بهذا الحجم يجب أن تكون صادرة عن الكونغرس، لا مستنبطة من نصوص عامة في قوانين الطوارئ.

ورأى أكاديميون أن القرار يُظهر جدية المحكمة في مراقبة نطاق السلطة المفوضة من الكونغرس، وأن المحكمة لا توفر “غطاءً قانونياً” لكل بند من بنود برنامج ترامب.

وأثار القرار تساؤلات واسعة حول ما إذا كانت المحكمة بصدد إعادة ضبط العلاقة بين السلطتين التنفيذية والقضائية، بعد عام من الانتقادات التي شككت في استقلاليتها، خاصة عقب حكم تاريخي في 2024 صاغه روبرتس نفسه، منح ترامب حصانة واسعة من الملاحقة الجنائية عن بعض أفعاله في الأيام الأخيرة من ولايته الأولى، على خلفية اتهامات بمحاولة تخريب انتخابات 2020.

ذلك الحكم أثار استياءً بين الليبراليين في المحكمة، حتى أن القاضية كيتانجي براون جاكسون علّقت في أحد آرائها بأن “هذه الإدارة تفوز دائماً”. لكن قضية الرسوم بدت مختلفة، فهي لم تتطلب من المحكمة تقييم دوافع الرئيس أو حكمته السياسية، بل اقتصرت على تفسير قانوني بحت.

ومع ذلك، لا يزال من المبكر الجزم بأن الحكم يمثل تحولاً شاملاً، فهناك قضايا أخرى معلقة، من بينها مساعي ترامب لإنهاء حق المواطنة بالولادة، وهي قضية ستنظر المحكمة في مرافعاتها مطلع أبريل، إضافة إلى معارك قانونية حول إقالة أعضاء في هيئات مستقلة مثل مجلس الاحتياطي الفيدرالي.

رد ترامب: تصعيد تجاري

رد ترامب جاء سريعاً وعنيفاً، ففي مؤتمر صحفي حاد هاجم القضاة ووجّه انتقادات شخصية لعدد منهم، بمن فيهم من عيّنهم بنفسه، واصفاً إياهم بأنهم “حمقى” وأدوات بيد الديمقراطيين، وقال إنهم غير وطنيين وغير مخلصين للدستور، وذهب إلى حد القول إن المحكمة تأثرت بمصالح أجنبية.

لكن الأهم من الخطاب كان الفعل، فقد أعلن ترامب عن رفع الرسوم الجمركية المؤقتة على الواردات من جميع الدول تقريباً من 10% إلى 15% حسب اطلاع بقش، وهي النسبة القصوى المسموح بها قانوناً بموجب المادة 122 من قانون منفصل، تتيح فرض رسوم لمدة 150 يوماً قبل الحاجة إلى موافقة الكونغرس لتمديدها.

وفي منشور على منصة تروث سوشال، أكد أنه قرر رفع الرسوم إلى الحد الأقصى “المسموح به بالكامل والمجرب قانونياً”، معتبراً أن كثيراً من الدول كانت “تنهب” الولايات المتحدة دون عقاب حتى وصوله إلى الحكم، وأشار إلى أنه سيستغل مهلة الـ150 يوماً للعمل على إصدار رسوم جديدة “مسموح بها قانوناً”، معتمداً أيضاً على قوانين أخرى تسمح بفرض ضرائب استيراد على منتجات أو دول محددة استناداً إلى تحقيقات تتعلق بالأمن القومي أو الممارسات التجارية غير العادلة.

بهذا التحرك أوضح ترامب أنه لا ينوي التراجع عن حربه التجارية العالمية، ويسعى إلى إعادة صياغتها ضمن أطر قانونية بديلة.

أبعاد اقتصادية وانتخابية

قرار المحكمة يحمل تداعيات مباشرة على الاقتصاد والعلاقات التجارية الخارجية، لكنه يحمل كذلك أبعاداً سياسية داخلية حساسة، فقد واجه ترامب انتقادات من بعض الجمهوريين بسبب استخدامه غير المسبوق للرسوم الجمركية، والآن قد يحتاج إلى دعم الكونغرس لتمديد الرسوم الجديدة أو سن تشريعات بديلة.

وهو ما يضع المشرعين الجمهوريين أمام اختبار صعب في عام انتخابي، إذ سيُطلب منهم التصويت لصالح فرض رسوم استيراد قد يراها الناخبون عبئاً اقتصادياً، وقد أظهر استطلاع رأي أجرته NPR/PBS News/Marist واطلع بقش على نتائجه أنّ 87% من الديمقراطيين و63% من المستقلين يعتبرون الرسوم الجمركية ضارة بالاقتصاد.

ودعا السيناتور الجمهوري تشاك غراسلي من ولاية أيوا، الإدارة إلى مواصلة المفاوضات التجارية والعمل مع الكونغرس لضمان تدابير إنفاذ طويلة الأجل، بما يوفر فرصاً سوقية موسعة وطمأنينة لمزارعي أيوا وشركاتها العائلية.

ومن المرجح أن يضطر ترامب إلى تعديل خطابه السياسي بشأن الرسوم، خاصة بعدما أغلقت المحكمة العليا الباب أمام استخدام قانون الطوارئ الاقتصادية لهذا الغرض، وستكون أول فرصة حقيقية لذلك خلال خطابه السنوي عن حالة الاتحاد، حيث سيُتوقع منه توضيح استراتيجيته الجديدة للتعامل مع القيود القضائية، وتبرير تصعيده الجمركي أمام الرأي العام.

إلى ذلك، لا يقتصر الحكم على إلغاء رسوم جمركية، بل يؤسس لمرحلة جديدة في الصراع بين تفسير واسع للسلطة التنفيذية والرقابة القضائية، وبينما يحاول ترامب الالتفاف قانونياً للحفاظ على حربه التجارية، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يشكل هذا القرار بداية لتوازن جديد، أم مجرد محطة عابرة في معركة دستورية مستمرة؟

زر الذهاب إلى الأعلى