الاقتصاد العالمي
أخر الأخبار

انتحار اقتصادي.. ترامب يوقف الهجرة من دول “العالم الثالث”

الاقتصاد العالمي | بقش

أعلنت إدارة ترامب عزمها وقف الهجرة بشكل دائم من دول العالم الثالث وتعليق كافة طلبات اللجوء، ليُفتح واحد من أكثر الملفات حساسية في السياسة الأمريكية، في ظل اقتصاد تبلغ قيمته نحو 28 تريليون دولار ويعتمد بصورة حيوية على المهاجرين لسد فجوات العمالة، وضمان استمرار النمو، ومواجهة شيخوخة السكان.

القرار الذي جاء عقب حادثة إطلاق نار تورط فيها مهاجر أفغاني، اعتُبر تحولاً في توجه إدارة ترامب الثانية نحو إعادة هيكلة العمّالة والاقتصاد والتجارة والهجرة في الولايات المتحدة.

ورغم أن مصطلح “دول العالم الثالث” ليس مصطلحاً رسمياً في السياسة الأمريكية، إلا أن الخطاب الذي يستخدمه ترامب يشير إلى الغالبية الساحقة من البلدان النامية في أمريكا اللاتينية وآسيا وأفريقيا والشرق الأوسط، وهي نفسها المناطق التي يأتي منها 88% من مهاجري الولايات المتحدة وفق اطلاع بقش على تقرير لوكالة بلومبيرغ.

وبهذا يصبح القرار عملياً موجهاً ضد الكتلة السكانية التي تشكل العمود الفقري للعمالة الأمريكية في قطاعات حيوية تمتد من الزراعة إلى الهندسة والطب والتصنيع والتكنولوجيا.

دوافع ترامب

تورَّط مهاجر أفغاني في حادثة إطلاق نار في واشنطن، واستثمر ترامب الحادثة في تعزيز خطابه الأمني التقليدي، القائم على الربط بين الهجرة والجريمة والهجمات الداخلية، رغم أن البيانات الفيدرالية تُظهر أن معدلات الجريمة بين المهاجرين أقل مما هي بين المواطنين الأمريكيين.

لكن القرار بالنسبة لترامب يتجاوز الجانب الأمني، ويمتد ليشمل رسائل انتخابية وسياسية موجهة إلى قاعدته الريفية والمحافظة التي ترى في الهجرة تهديداً للهوية والدخل والوظائف.

وتتبنّى إدارة ترامب فلسفة “الاكتفاء الداخلي”، القائمة على إعادة توطين الصناعات داخل الولايات المتحدة، ورفع الرسوم الجمركية على الواردات، وخفض الاعتماد على العمالة الأجنبية.

لكن هذه الرؤية تتناقض جذرياً مع الواقع الأمريكي، حيث يعمل 33 مليون مهاجر في سوق العمل، ويشكّلون 19% من القوة العاملة، فيما تشهد قطاعات كاملة نقصاً حاداً في العمالة حتى مع وجود 500 ألف وظيفة شاغرة في التصنيع وحده، ورغم ذلك يعتقد ترامب أن الضغط على سوق العمل عبر وقف الهجرة سيدفع المزيد من الأمريكيين إلى الوظائف الشاقة، وهي مقاربة اقتصادية مثيرة للجدل تاريخياً.

ويستثمر ترامب في خطاب “استعادة أمريكا” عبر تقليل الاعتماد على الثقافات والعمالة الوافدة. لكنه يصطدم بحقيقة أن 52% من المهاجرين من أمريكا اللاتينية، و27% من آسيا، و5% من أفريقيا جنوب الصحراء، و4% من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا حسب بيانات جمعها بقش، أي إن إنهاء الهجرة من “العالم الثالث” يعني عملياً إغلاق الباب أمام الغالبية الساحقة من المهاجرين.

المهاجرون.. ركيزة اقتصاد أمريكا

يمثل المهاجرون إلى أمريكا قوة ديموغرافية واقتصادية يصعب الاستغناء عنها، إذ بلغ عدد المهاجرين 51.9 مليون شخص عام 2025، يمثلون 15.4% من سكان الولايات المتحدة، مما يجعلهم أحد أهم ركائز سوق العمل والنمو السكاني.

ومع خروج جيل “طفرة المواليد” من سوق العمل، يصبح المهاجرون جزءاً أساسياً من التوازن الديموغرافي، إذ يُبطئون شيخوخة السكان ويُخففون الضغط عن الخدمات الصحية والاجتماعية.

يعمل المهاجرون في قطاعات لا تجد القوى العاملة المحلية بديلاً جاهزاً لها، وخصوصاً في الزراعة، والبناء، والنقل والتخزين، والرعاية الصحية، والخدمات المنزلية، والمطاعم والفنادق، والصناعات التحويلية، وحسب التحليلات فإن غياب هؤلاء يعني أن الولايات المتحدة تدخل في أزمة عمالية مباشرة.

كما يعتمد “الابتكار الأمريكي” على المهاجرين، ورغم أنهم لا يمثلون سوى 16% من المخترعين، إلا أنهم يقفون خلف أكثر من ثلث براءات الاختراع المسجلة خلال الثلاثين عاماً الماضية.

ويُعد هذا العامل مركزياً في الريادة الأمريكية في التقنيات الحيوية والذكاء الاصطناعي والدواء والكيمياء.

وتبلغ دخول الأسر المهاجرة 2.1 تريليون دولار، وتشكل قوتهم الشرائية 1.6 تريليون دولار بعد الضرائب، وهذا الرقم وحده يجعل وقف الهجرة تهديداً مباشراً للاستهلاك المحلي، المحرك الأول للنمو الأمريكي.

ويدعم الطلاب القادمون من الدول النامية الاقتصاد الأمريكي بما لا يقل عن 33.3 مليار دولار سنوياً، وأكثر من 335 ألف وظيفة. كما أن وقف الهجرة سيؤثر أيضاً على الجامعات التي تعتمد على الرسوم الدولية لتمويل أبحاثها.

ما بعد وقف الهجرة

تشير البيانات إلى خروج 1.2 مليون مهاجر من قوة العمل خلال الأشهر الأولى من 2025 بسبب سياسات ترامب السابقة، وهو ما تسبب بالفعل في ترك محاصيل زراعية بلا حصاد، وتوقف أو تباطؤ مشاريع البناء، ونقص خطير في الرعاية الصحية المنزلية ودور المسنين، وضغوط على قطاع النقل والخدمات اللوجستية.

وسيضاعف وقف الهجرة نهائياً هذه الأزمة، وقد يؤدي إلى “شلل في قطاعات كاملة”، وفق توصيف اقتصاديي بلومبيرغ، إضافةً إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج والضغوط التضخمية. ومع غياب العمالة الرخيصة والماهرة سترتفع كلفة الزراعة وأسعار العقارات وتكاليف النقل وأسعار السلع الاستهلاكية، وهو ما يضغط على التضخم وفق قراءة بقش ويجبر مجلس الاحتياطي الفيدرالي على خيارات أكثر تشدداً.

وثمة تهديد مباشر لخطط إعادة التصنيع التي يتبناها ترامب نفسه، فرغم أن ترامب يريد إعادة المصانع إلى الداخل، إلا أن نقص العمالة سيجعل هذه الخطط صعبة التنفيذ، ويحتاج قطاع التصنيع وحده إلى 500 ألف عامل لسد الشواغر الحالية، دون أي توسع جديد.

كما يؤثر القرار على الموازنة الفيدرالية والعجز، فوفقاً لاطلاع بقش على بيانات مكتب الميزانية في الكونغرس، فإن الهجرة تساهم في تقليص العجز الفيدرالي في 2025 بنحو 46 مليار دولار، منها 30 مليار دولار زيادة في الإيرادات الضريبية مقابل كلفة الخدمات، و 16 مليار دولار ناجمة عن تأثيرات غير مباشرة للهجرة على الإنتاجية والنمو.

ويعني وقف الهجرة فقدان هذه المكاسب، وارتفاعاً إضافياً في العجز الذي يتجاوز 1.7 تريليون دولار.

وعلى الرغم من أن الولايات والبلديات تتحمل تكاليف التعليم والصحة للمهاجرين، إلا أن الفوائد الاقتصادية الفيدرالية والمحلية مجتمعة تظل أكبر من التكاليف.

وبدون مهاجرين، ستتسارع شيخوخة السكان، وهو ما يهدد نظام الضمان الاجتماعي والتغطية الصحية للمسنين والإنتاجية العامة وحجم سوق العمل.

كما يُفقد القدرة التنافسية، فالبحث العلمي والابتكار والذكاء الاصطناعي والطب الأمريكي كله يعتمد بشكل كبير على العقول المهاجرة، ما يعني خسارة ميزة أمريكا أمام دول منافسة كالصين والهند وأوروبا.

بالنتيجة، يمثل قرار ترامب وقف الهجرة من دول العالم خطراً كبيراً على قلب الاقتصاد الأمريكي، المبني تاريخياً على العمالة الوافدة والابتكار والتنوع الديموغرافي، ففي اقتصاد تبلغ قيمته 28 تريليون دولار، وتعتمد قطاعات كاملة فيه على المهاجرين، لن يحقق وقف الهجرة أهداف ترامب بل سيخلق سلسلة واسعة من الأزمات تمتد من نقص العمالة والتضخم، إلى تراجع الإبداع العلمي وزيادة العجز الفيدرالي.

زر الذهاب إلى الأعلى