انفجار فقاعة الذهب في الصين: حين تحوّلت الملاذات الآمنة إلى ساحة مقامرة

الاقتصاد العالمي | بقش
تكشف الخسائر الحادّة التي مُني بها مستثمرون صينيون في سوق الذهب خلال الأيام الأخيرة عن لحظة فاصلة في مسار صعود استمر سنوات، وتحديداً عن هشاشة الارتفاعات التي بُنيت على المضاربة والتمويل بالاستدانة أكثر مما استندت إلى أسس اقتصادية متينة.
وكثيراً ما ارتبط الذهب في الوعي الاستثماري بوصفه مخزناً للقيمة ودرعاً في مواجهة الاضطرابات النقدية والجيوسياسية، لكن المشهد الصيني الأخير يُظهر كيف يمكن لهذا المعدن أن يتحوّل، في ظل المضاربة المفرطة، إلى أداة عالية الخطورة لا تختلف كثيراً عن رهانات الكازينوهات.
دخول شرائح واسعة من المستثمرين الأفراد، بمن فيهم ربات بيوت ومبتدئون بلا خبرة في المشتقات المالية، إلى سوق العقود المستقبلية بالرافعة المالية، خلق كتلة هشّة من المراكز الاستثمارية المعرّضة للانهيار مع أي صدمة، وفق اطلاع “بقش” على أحدث تقارير بلومبيرغ.
ووصلت الخسائر في بعض الحالات إلى أكثر من 80%، كحصيلة لنموذج استثماري قائم على “الطمع السريع”، والتعويل على استمرار الصعود بلا نهاية، في سوق كانت إشارات الإنذار فيها تتكاثر منذ أشهر.
الشرارة: السياسة النقدية والدولار
جاء ترشيح “كيفن وارش” لرئاسة بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي كعامل محفّز لانعكاس حاد، إذ عزّز التوقعات بتشديد السياسة النقدية، ورفع الدولار الأمريكي، وهو ما شكّل ضغطاً مباشراً على أسعار الذهب والفضة.
لكن هذا الحدث، في جوهره، لم يكن سوى الشرارة الأخيرة، فالسوق كانت مشبعة أصلاً بتوقعات غير واقعية، وأسعار تجاوزت بكثير مستوياتها التوازنية طويلة الأجل.
الهبوط السريع والمفاجئ لم يترك مجالاً واسعاً أمام النماذج الكمية وصناديق تتبع الاتجاه للتكيّف، ما سرّع من عمليات التصفية القسرية، خاصة لدى المستثمرين الممولين بالديون، وعمّق موجة الخسائر في زمن قياسي.
اللافت في هذه الموجة أن الصين لم تكن مجرد متلقٍ لحركة عالمية في أسعار المعادن، بل كانت لاعباً فاعلاً في تضخيمها، فاندفاع المستثمرين الأفراد، إلى جانب دخول صناديق استثمارية كبرى إلى سوق السلع، أضاف زخماً غير متناسب مع الأساسيات الاقتصادية.
هذا الزخم تحوّل، عند أول انعكاس، إلى عبء ثقيل على السوق بأكمله، كاشفاً عن طبيعة السيولة “العصبية” التي تتحرك بسرعة إلى الداخل، وبسرعة أكبر إلى الخارج.
ومع تزامن الهبوط في الذهب مع تراجعات في معادن أخرى وقطاع الطاقة، اتسعت دائرة الضغوط لتشمل محافظ متعددة الأصول، ما زاد من حساسية السوق لأي تطور خارجي.
واستجابةً لتصاعد المخاطر، سارعت البنوك الصينية إلى تشديد الضوابط على منتجات الذهب، سواء عبر رفع متطلبات الإيداع أو فرض قيود على الحصص، وعكست هذه الإجراءات إدراكاً متأخراً لحجم المخاطر التي تراكمت، لكنها في الوقت نفسه تشير إلى محاولة لاحتواء التداعيات، لا إلى منعها بالكامل، فالتدخل جاء بعد أن وقعت الخسائر بالفعل، وبعد أن تضرّرت ثقة شريحة واسعة من المستثمرين الأفراد.
في مقابل حالة الذعر لدى المبتدئين، يظهر سلوك أكثر براغماتية لدى بعض المستثمرين الكبار ومديري الصناديق وفق قراءة بقش، فخروج صناديق تحوط بارزة من مراكز الذهب قبل الانهيار، واستبدال الرهان المباشر على السعر بالاستثمار في صناديق متداولة أو شركات تعدين، يعكس تحوّلاً من المضاربة قصيرة الأجل إلى مقاربة أكثر تحفظاً تقوم على تقييم الربحية الفعلية، لا مطاردة الذروة.
ويسلط هذا التحوّل الضوء على فجوة معرفية وسلوكية بين المستثمرين المحترفين والجمهور الواسع، وهي فجوة غالباً ما تتّسع في مراحل الفقاعات، وتُدفع كلفتها في لحظة الانفجار.
الشك في الدولار والواقع السعري
ارتبط صعود الذهب خلال السنوات الماضية بتآكل الثقة بالدولار الأمريكي، والمخاوف من استقلالية السياسة النقدية الأمريكية، إلى جانب الاضطرابات الجيوسياسية العالمية، لكن هذه العوامل رغم أهميتها لا تبرّر أي سعر بلا سقف، فحين تتجاوز الأسعار حدود المنطق الاقتصادي، يصبح الذهب نفسه ضحية لسرديته كملاذ آمن.
التصريحات التي ترى أن مستويات تفوق 4800 دولار للأونصة “غير منطقية” تعبّر عن عودة تدريجية إلى التفكير العقلاني حسب بلومبيرغ، بعد مرحلة هيمنت فيها العواطف والخوف من فوات الفرصة.
ويمكن قول إن ما شهدته الصين ليس نهاية دور الذهب في النظام المالي العالمي، بل نهاية وهم الارتفاع الدائم والسهل، فالذهب سيظل أداة تحوّط مهمة في عالم مضطرب، لكنه لم يعد يحتمل أن يُعامل كرهان سريع بلا مخاطر.
وتخلص قراءة بقش إلى أن الفكرة الأبرز من هذه التجربة هي أن الأسواق، مهما طال جنونها، تعود في النهاية إلى الأساسيات، وأن أكثر ما يُكلف المستثمرين ليس الهبوط نفسه، بل الدخول المتأخر بثقة عمياء في ذروة الفقاعة.


