الاقتصاد العالمي
أخر الأخبار

انقلاب في “الحديقة الخلفية”: كندا تكسر الطوق الأمريكي وتبايع التنين الصيني اقتصادياً

الاقتصاد العالمي | بقش

في خطوة جيوسياسية يمكن وصفها بزلزال يضرب أسس التحالفات التقليدية في أمريكا الشمالية، دشنت أوتاوا وبكين حقبة جديدة من العلاقات الاستراتيجية التي تتجاوز مجرد التبادل التجاري لتصل إلى حد إعادة تعريف الاصطفافات الدولية. الاتفاق الأخير الذي أبرمه رئيس الوزراء الكندي مارك كارني مع الرئيس الصيني شي جين بينغ في بكين، لا يمثل فقط خرقاً للجدار الجمركي الذي شيدته واشنطن حول الأسواق الغربية، بل يُعد إعلاناً كندياً صريحاً بالتمرد على السياسات الحمائية التي يفرضها الرئيس دونالد ترامب. إن قرار خفض الحواجز التجارية بشكل متبادل يأتي في توقيت بالغ الحساسية، حيث يسعى البلدان لفك الارتهان بالاقتصاد الأمريكي الذي بات يُنظر إليه كمصدر للتقلبات لا للاستقرار.

تتجاوز تفاصيل الصفقة لغة الأرقام لتدخل في صلب السيادة الاقتصادية؛ فقد اتفقت الصين وكندا على مقايضة استراتيجية تضمن تدفق بذور “الكانولا” الكندية إلى الأسواق الصينية المتعطشة، مقابل فتح أبواب كندا أمام طوفان السيارات الكهربائية الصينية المتطورة.

هذا الاتفاق وفق اطلاع بقش يأتي بعد سنوات من الجمود الدبلوماسي والعداء المبطن الذي ميز حقبة رئيس الوزراء السابق جاستن ترودو، ليؤكد أن “كارني” -المصرفي المركزي السابق الذي يفهم لغة المصالح جيداً- قد اختار البراغماتية الاقتصادية على حساب التحالفات الأيديولوجية الجامدة، معيداً توجيه بوصلة بلاده نحو الشرق في وقت تنغلق فيه أمريكا على نفسها وتشن حروباً تجارية على الجميع.

ما يثير الدهشة في الأوساط الدبلوماسية ليس الاتفاق بحد ذاته، بل الجرأة الكندية في تحدي الإملاءات الأمريكية المتعلقة بقطاع التكنولوجيا والسيارات. فبينما كانت إدارة بايدن السابقة ومن بعدها إدارة ترامب الحالية تضغطان لفرض رسوم تعجيزية تصل إلى 100% على المركبات الصينية، قررت أوتاوا السير في اتجاه معاكس تماماً، مخفضة الرسوم إلى مستويات رمزية، مما يفتح “ثغرة” واسعة في الجدار الشمالي للقلعة الأمريكية.

هذا التحول يعكس قراءة كندية جديدة للمشهد العالمي، ترى أن النظام الدولي المتعدد الأطراف الذي قادته واشنطن لعقود قد بدأ بالتداعي، وأن البحث عن شركاء جدد لم يعد خياراً بل ضرورة وجودية للبقاء.

الزيارة التي قام بها كارني، وهي الأولى لزعيم كندي منذ ثماني سنوات، حملت في طياتها رسائل سياسية لا تقل أهمية عن الملفات الاقتصادية. الحديث عن “نظام عالمي جديد” والتكيف معه، والتصريحات التي تصف المحادثات مع بكين بأنها “أكثر استقراراً” من تلك التي تجري مع الجارة الجنوبية، تشير إلى عمق الفجوة التي أحدثتها سياسات ترامب “العدائية” تجاه الحلفاء. كندا، التي لطالما كانت الحليف الأقرب والتابع المخلص للسياسة الخارجية الأمريكية، تعلن اليوم بوضوح أنها لن تكون ضحية للصراعات التجارية الأمريكية، وأنها مستعدة للرقص مع التنين إذا كان ذلك يضمن مصالحها الوطنية، حتى لو أثار ذلك غضب الصقر القابع في البيت الأبيض.

“الكانولا” مقابل السيارات: تفاصيل الهروب من الهيمنة

في قلب هذا الاتفاق المثير للجدل، تبرز تفاصيل فنية دقيقة تعكس رغبة الطرفين في تحقيق مكاسب سريعة وملموسة. الصين، التي كانت تستخدم ورقة الرسوم الجمركية كسلاح عقابي، وافقت على خفض الرسوم على بذور اللفت (الكانولا) الكندية بشكل دراماتيكي من 85% إلى 15% فقط بحلول الأول من مارس المقبل حسب قراءة بقش.

هذا التنازل الصيني الكبير لا يحيي فقط آمال المزارعين في غرب كندا الذين عانوا لسنوات من انغلاق السوق الصينية، بل يعيد الحياة لشريان حيوي في الاقتصاد الكندي، وهو ما انعكس فوراً على أسواق المال حيث قفزت العقود الآجلة للكانولا في نيويورك، مستبشرة بعودة الطلب من ثاني أكبر اقتصاد في العالم.

في المقابل، قدمت كندا تنازلاً وصفه المراقبون بالأجرأ، بالسماح بدخول حصة ضخمة تبلغ 49 ألف سيارة كهربائية صينية إلى أسواقها برسوم جمركية زهيدة تبلغ 6%، متخليّة بذلك عن السياسة السابقة التي كانت تتماشى مع الرسوم العقابية الأمريكية البالغة 100%. هذا القرار لا يعني فقط تدفق التكنولوجيا الصينية الخضراء بأسعار تنافسية للمستهلك الكندي، بل يمثل اعترافاً كندياً بتفوق الصناعة الصينية ورفضاً لمحاولات واشنطن خنق هذا القطاع. إنه تحول من سياسة “الحماية العمياء” للصناعة الأمريكية، إلى سياسة “الاستفادة الذكية” من التطور الصيني لتسريع التحول الطاقي في كندا.

لم تقتصر المكاسب الكندية على بذور اللفت، بل امتدت لتشمل تعليق بكين لرسوم “مكافحة التمييز” على سلع زراعية أخرى حساسة مثل الكركند وكسب الكانولا، مع وعود بإعفاء المواطنين الكنديين من تأشيرات الدخول، مما يسهل حركة التجارة والسياحة حسب اطلاع بقش. هذه الحزمة من التسهيلات تشير إلى رغبة بكين الملحة في كسر العزلة التي تحاول واشنطن فرضها عليها، عبر استمالة حلفاء أمريكا التقليديين وتقديم “جزرات” اقتصادية يصعب رفضها، خاصة في ظل التباطؤ الاقتصادي العالمي. الاتفاق مصمم بدقة ليكون “مربحاً للطرفين” بشكل فوري، مما يصعب على أي إدارة كندية مستقبلية التراجع عنه دون تكبد خسائر فادحة.

اللافت في الأمر هو الجدول الزمني السريع للتنفيذ، حيث يتوقع كارني سريان التعديلات الجمركية في غضون أسابيع قليلة، وتحديداً مع بداية شهر مارس، ويمتد التعليق حتى نهاية عام 2026 على الأقل. هذه السرعة تعكس إلحاحاً سياسياً لدى الطرفين لتثبيت دعائم الشراكة الجديدة قبل أن تتمكن واشنطن من حشد رد فعل مضاد. كارني يراهن هنا على أن الفوائد الاقتصادية الملموسة ستكون كفيلة بإسكات الأصوات المعارضة في الداخل الكندي، وستمنحه ورقة قوة في مواجهة الضغوط المتوقعة من إدارة ترامب التي لن تقف مكتوفة الأيدي أمام هذا التقارب.

الانعطافة الكبرى

يمثل هذا التقارب قطيعة تامة مع إرث العقد الماضي المظلم في العلاقات الكندية الصينية، وتحديداً حقبة رئيس الوزراء السابق جاستن ترودو. تلك الفترة التي شابتها أزمة “مينغ وانتشو” المديرة المالية لشركة هواوي، واحتجاز الصين للمواطنين الكنديين (مايكلفور ومايكل كوفريغ)، أو ما عرف بـ “دبلوماسية الرهائن”، قد طويت صفحتها تماماً. اليوم، يستبدل مارك كارني لغة الإدانات الحقوقية والمواجهات الدبلوماسية، بلغة المصالح والشراكات الاستراتيجية، في نهج يذكرنا بالسياسة الواقعية الكلاسيكية، حيث الاقتصاد هو المحرك والمصالح هي البوصلة، بعيداً عن الشعارات الليبرالية التي كلفت أوتاوا الكثير.

تصريحات كارني حول “النظام العالمي الجديد” وتراجع النظام المتعدد الأطراف لم تكن زلة لسان، بل هي تشخيص دقيق للحالة الدولية الراهنة. عندما يتحدث رئيس وزراء دولة من مجموعة السبع بهذه الصراحة عن تداعي النظام الذي بنته أمريكا، فهذا يعني أن الثقة في القيادة الأمريكية للغرب قد تآكلت بشكل خطير.

كارني يرى أن واشنطن لم تعد الضامن للأمن والازدهار، بل أصبحت مصدراً للاضطراب، وبالتالي فإن تنويع التحالفات بات مسألة أمن قومي لكندا، وليس مجرد خيار تجاري. إنه يعيد تعريف “التهديد الأمني” ليكون شاملاً للمخاطر الاقتصادية الناجمة عن السياسات الأمريكية المتقلبة، وليس محصوراً في التنافس العسكري مع الصين.

في هذا السياق، جاءت تصريحات وزيرة الصناعة الكندية ميلاني جولي التي تتبَّعها بقش لتصب الزيت على نار الخلاف مع واشنطن، حين وصفت المحادثات مع الصينيين بأنها “أكثر قابلية للتنبؤ” من التعامل مع الجار الأمريكي. هذا التصريح الصادم من وزيرة كانت تصف الصين سابقاً بأنها “قوة تزعزع الاستقرار”، يكشف حجم الإحباط الكندي من إدارة ترامب.

هذا التحول الكندي لا يغرد منفرداً خارج السرب الغربي، بل يتناغم مع تحركات مماثلة لقادة أوروبيين مثل المستشار الألماني فريدريش ميرتس ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، الذين حجوا أيضاً إلى بكين. يبدو أن هناك تياراً “واقعياً” جديداً يتشكل داخل المعسكر الغربي، يرفض الانجرار الأعمى خلف حرب باردة جديدة تريدها واشنطن، ويفضل انتهاج سياسة “الفصل الانتقائي”، حيث يتم التعاون في التجارة والاقتصاد، بينما يتم الإبقاء على الحذر في ملفات الأمن والذكاء الاصطناعي. كارني يقود هذا التيار في أمريكا الشمالية، محاولاً صياغة نموذج جديد للعلاقة مع بكين يجمع بين الحذر الأمني والانفتاح الاقتصادي.

الرهان الخطير بين المكسيك وغرينلاند

لا يمكن قراءة هذا التقارب الكندي الصيني بمعزل عن شخصية دونالد ترامب وسياساته التي دفعت الحلفاء نحو الحافة. التهديدات الترامبية المستمرة، بدءاً من التلويح بضم جزيرة غرينلاند بالقوة -وهو ما يعتبر تهديداً مباشراً للسيادة في القطب الشمالي الذي تعتبره كندا فناءها الحيوي- وصولاً إلى التدخلات العسكرية والسياسية الفجة في فنزويلا، خلقت حالة من الذعر الاستراتيجي في أوتاوا. الإدارة الكندية باتت تنظر إلى واشنطن ليس كشقيق أكبر، بل كجار متهور يصعب التنبؤ بتصرفاته، مما جعل البحث عن “بوليصة تأمين” صينية خياراً مغرياً رغم محاذيره.

المخاطرة الكبرى تكمن في توقيت هذا التقارب الذي يسبق مفاوضات تجديد اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية (USMCA). المسؤولون الأمريكيون كانوا يضغطون بشراسة على كندا والمكسيك لتشكيل جبهة موحدة ضد الصين، وبناء “حصن أمريكا الشمالية”. خطوة كارني بفتح الأبواب للسيارات الكهربائية الصينية تنسف هذه الاستراتيجية الأمريكية من أساسها، وتضع كندا في مسار تصادمي مباشر مع ترامب. يرى بعض المحللين أن كارني يستخدم “الورقة الصينية” كأداة ضغط تفاوضية ليقول لترامب: “لدينا بدائل”، لكنها لعبة محفوفة بالمخاطر قد تدفع ترامب لفرض عقوبات انتقامية قاسية على الاقتصاد الكندي المتشابك عضوياً مع الاقتصاد الأمريكي.

يرى الخبراء، ومنهم البروفيسور جوزيف ماهوني، أن كندا تحاول خلق توازن دقيق ومستحيل. فبينما تهدد أمريكا بابتلاع غرينلاند وتضغط على الحلفاء، يحاول كارني القول إن “التهديدات تغيرت”. لكن إغضاب ترامب الذي يعتبر الرسوم الجمركية “أجمل كلمة في القاموس” قد يكون له ثمن باهظ. هل تعتبر هذه الخطوة انتحاراً سياسياً أم عبقرية دبلوماسية؟ الجواب يعتمد على مدى قدرة الاقتصاد الكندي على تحمل غضب واشنطن، ومدى جدية الصين في تعويض كندا عن أي خسائر قد تتكبدها في السوق الأمريكية. إنها مقامرة كبرى بمستقبل العلاقات الشمالية.

في النهاية، يبدو أن كارني يسير على حبل مشدود فوق وادٍ سحيق. فهو من جهة يحاول حماية بلاده من “شظايا” قنابل ترامب التجارية، ومن جهة أخرى يفتح بلاده لنفوذ قوة عظمى منافسة لا تقل شراسة. تحذيرات الأكاديميين من أن هذا التقارب سيعتبر في واشنطن “خيانة” وليست مجرد سياسة تجارية، تشير إلى أن الأشهر القادمة ستشهد توتراً غير مسبوق في العلاقات الكندية الأمريكية.

كارني يراهن على أن العالم قد تغير، وأن أمريكا لم تعد اللاعب الوحيد في المدينة، لكنه يغامر باختبار صبر أقوى رجل في العالم وأكثرهم انفعالاً، في وقت أصبحت فيه الحدود بين التجارة والأمن القومي شبه معدومة.

والدرس الأهم من هذا الحدث هو أن الفراغ الذي تتركه الولايات المتحدة بانسحابها نحو الانعزالية وعدائيتها تجاه الحلفاء، يتم ملؤه بسرعة وكفاءة من قبل الصين. بكين أثبتت مرة أخرى قدرتها على استغلال التناقضات الغربية ببراعة، مقدمة نفسها كشريك “موثوق” وداعم للتجارة الحرة في مواجهة الحمائية الأمريكية.

نجاح الصين في اختراق السوق الكندية بقطاع حساس كالسيارات الكهربائية، وعبر بوابة حكومة محافظة (حكومة كارني)، يعد نصراً دبلوماسياً واقتصادياً لشي جين بينغ، ويضعف موقف واشنطن التفاوضي في أي صراع تجاري مستقبلي، حيث لم يعد بإمكانها الاعتماد على وحدة الصف في أمريكا الشمالية.

زر الذهاب إلى الأعلى