تقارير
أخر الأخبار

انهيار قطاع الترميم: إسرائيل في قلب كارثة الدمار ونقص العمالة

تقارير | بقش

رغم مرور وقت غير قصير على انتهاء حرب الأيام الاثني عشر مع إيران، لا تزال آلاف المباني المتضررة في الشمال والجنوب بالأراضي المحتلة تنتظر الترميم، فيما تتسع الفجوة بين تعهدات الحكومة بإعادة الإعمار والواقع الميداني.

وحسب اطلاع “بقش” على تقرير لصحيفة معاريف الإسرائيلية، فإن قطاع التجديد، الذي يُفترض أن يكون في طليعة جهود التعافي، يمر بأزمة مركبة تهدد بانهياره، في ظل نقص حاد في الأيدي العاملة، وتعقيدات بيروقراطية، وارتفاع غير مسبوق في التكاليف.

تشير التقديرات إلى تضرر نحو 6000 مبنى جراء الحرب الأخيرة، بواقع 4000 مبنى في الشمال و2000 في الجنوب، ما أدى إلى إجلاء آلاف العائلات من منازلها. وبينما أعلن الاحتلال خطة بعنوان “المرممون في وحدة” لتسريع أعمال الإصلاح عبر مقاولين معتمدين، تؤكد شهادات من داخل القطاع أن الخطة تعثرت عملياً، وأن المقاولين يواجهون عراقيل إدارية ومالية تعرقل التنفيذ.

إران سيب، رئيس جمعية مقاولي التجديد، يؤكد أن الفجوة بين الخطاب الرسمي والتنفيذ على الأرض تتسع يوماً بعد آخر، محذراً من أن القطاع لم يعد يتحمل مزيداً من الضغوط. ويقول إن ما كان يُنظر إليه سابقاً كقطاع هامشي تحول اليوم إلى “جبهة مدنية” حقيقية، تقف في مواجهة تبعات الحرب وتداعياتها الاجتماعية.

قطاع بمليارات الشواكل دون دعم

يُقدَّر حجم قطاع التجديد في إسرائيل بين 30 و40 مليار شيكل (12.9 مليار دولار) سنوياً، ويضم نحو 60 ألف مقاول مسجل وغير مسجل، إضافة إلى مئات آلاف العاملين بصورة مباشرة وغير مباشرة. ومع ذلك، يعمل هذا القطاع، وفق القائمين عليه، دون دعم حكومي يُذكر، ما يجعله هشاً في أوقات الطوارئ.

ويشير سيب إلى أن المشكلة ليست اقتصادية فحسب، بل بنيوية أيضاً، إذ لطالما ارتبطت مهنة الترميم بسمعة سلبية بسبب غياب التنظيم والرقابة في العقود الماضية، ويعود تأسيس الجمعية إلى عام 2002، في محاولة لفرض التسجيل الإلزامي، وإجراء اختبارات اعتماد، ووضع معايير مهنية واضحة. ورغم تحقيق تقدم نسبي في هذا المسار، إلا أن التطبيق الكامل لا يزال متعثراً.

إحدى أبرز الإشكاليات تكمن في تعامل الجهات الرسمية، وخصوصاً مصلحة الضرائب العقارية، مع عروض المقاولين. ووفق بيانات الجمعية التي طالعها بقش، أفاد 39% من المقاولين بأن عروضهم رُفضت بدعوى ارتفاع التكلفة، فيما اضطر 75% منهم إلى تقديم ما يصل إلى خمسة عروض مختلفة للعقار ذاته، ويؤكد سيب أن هذا النهج يبدد الوقت والموارد، ويترك العائلات دون مأوى لفترات طويلة.

ويضيف أن كثيراً من المقاولين باتوا يعزفون عن المشاركة في مشاريع إعادة الإعمار بسبب غياب اليقين حول موعد صرف المستحقات، ما أدى إلى تراجع الاستجابة لطلبات الأسر المتضررة.

أزمة العمالة: الحلقة الأضعف

غير أن العامل الأكثر تأثيراً في الأزمة هو النقص الحاد في الأيدي العاملة، فقبل الحرب كان القطاع هذا يعتمد على نحو 15 ألف عامل فلسطيني، لكن إغلاق المعابر وحظر الدخول أديا إلى اختفاء هذه القوة العاملة تقريباً، ورغم تعهد الدولة باستقدام عمال أجانب، لم يصل سوى بضع مئات حتى الآن، وفق ما تؤكده الجمعية.

وبحسب سيب، اضطرت الجمعية إلى إرسال بعثات تفتيش إلى سريلانكا والهند بحثاً عن عمال، في خطوة تعكس حجم الفجوة بين الحاجة الفعلية والقدرة الرسمية على الاستجابة، ويشير إلى أن نقص العمالة لا يبطئ وتيرة العمل فحسب، بل يرفع الأسعار ويضاعف مدة التنفيذ.

وخلال العام الماضي، ارتفعت أسعار أعمال التجديد بأكثر من 30%، فيما زادت ساعات العمل بنحو 50%، وارتفع سعر تجديد الحمام من 28 ألف شيكل إلى 40 ألفاً (12,941 دولاراً)، وتجديد المطبخ من 100 ألف إلى 140 ألف شيكل (45,296 دولاراً)، وأرضيات الشقة من 65 ألفاً إلى 90 ألفاً (29,119 دولاراً)، بينما قفزت تكلفة تجديد شقة من ثلاث غرف من 180 ألفاً إلى 235 ألف شيكل (76,033 دولاراً) حسب اطلاع بقش على البيانات.

ويؤكد سيب أن العامل البشري يمثل المكوّن الأكبر في التكلفة، وأن أي تراجع في توفر العمال ينعكس مباشرة على الأسعار. كما أن تقلبات سعر الدولار لم تُحدث فارقاً يُذكر، في ظل ارتفاع أسعار الألومنيوم والزجاج والخشب بسبب نقص الإمدادات.

تداعيات اقتصادية وأمنية

الأزمة لا تتوقف عند حدود قطاع الترميم، بل تمتد إلى سلاسل التوريد وموردي المواد والكهرباء والسيراميك، ما يخلق أثراً متسلسلاً يطال الاقتصاد بأكمله، ويحذّر سيب من أن استمرار هذا الوضع قد يؤثر حتى على التصنيف الائتماني للدولة، في ظل تعثر جهود إعادة الإعمار.

كما يلفت إلى أن دخول نحو 52 ألف فلسطيني مقيم بشكل غير قانوني يومياً، وفق بيانات الجمعية، يعكس فشلاً في إدارة ملف العمالة، ويخلق منافسة غير عادلة ومخاطر أمنية في آن واحد.

يرى مسؤولو القطاع أن الحلول ممكنة، وتشمل تسريع استقدام العمال الأجانب، وتعديل آليات اعتماد العروض، وإشراك المقاولين في صنع القرار، إضافة إلى تطبيق فعلي لنظام التسجيل والرقابة. لكنهم يؤكدون أن الأمر يتطلب إرادة سياسية واضحة.

يختتم سيب بتحذيره: “الدولة التي تعجز عن إعادة بناء المنازل لن تنجح في إعادة بناء المجتمعات”. فالأزمة ليست مطلباً قطاعياً للحصول على امتيازات، بل اختبار لقدرة الدولة على الصمود المدني وإدارة مرحلة ما بعد الحرب، وإذا لم يُعالج الخلل البنيوي سريعاً فإن مشهد المباني المتصدعة قد يتحول إلى عنوان دائم لفشل إعادة الإعمار في أي أزمة مقبلة.

زر الذهاب إلى الأعلى