بلومبيرغ تكشف تفاصيل تحول مضيق هرمز إلى بوابة عبور مدفوعة باليوان الصيني والعملات المشفرة وتشرح آلية التسعير

أخبار الشحن | بقش
في تصعيد جيوسياسي غير مسبوق قد يغير شكل التجارة الدولية والشحن البحري في العالم، تحول مضيق هرمز من ممر مائي دولي مفتوح إلى ما يشبه “بوابة رسوم” عسكرية تسيطر عليها طهران بالكامل. السفن التجارية وناقلات النفط العالقة في مياه الخليج العربي وجدت نفسها أمام خيار وحيد ومرير: إما البقاء تحت رحمة الصواريخ والطائرات المسيرة، أو الخضوع لشروط إيرانية قاسية لضمان عبور آمن إلى المحيط المفتوح.
التقارير والبيانات التي اطلع عليها “بقش” وجمعتها “بلومبيرغ” أشارت إلى أن الحرس الثوري الإيراني أعاد رسم قواعد اللعبة البحرية، فارضاً نظاماً دقيقاً ومعقداً يجبر مشغلي السفن على الخضوع لعمليات تدقيق سياسية ودفع رسوم باهظة قبل السماح لهم بعبور هذا الشريان الحيوي الذي يغذي العالم بالطاقة.
أدى هذا التكتيك إلى شلل شبه كامل في حركة الملاحة، حيث انخفضت حركة المرور عبر المضيق بنسبة تتجاوز 90% مقارنة بمستويات ما قبل اندلاع الحرب على إيران، مما ترك آلاف السفن تنتظر بقلق في طوابير بحرية طويلة.
وفي محاولة يائسة لتفادي الاستهداف، لجأت بعض الشركات الكبرى إلى حيل استثنائية، مثل محاولة تغيير تسجيل سفنها لرفع أعلام دول تعتبرها طهران “صديقة”، كباكستان، وقد سعت إسلام آباد بالفعل للتوسط لصالح بعض أكبر تجار السلع في العالم، في محاولة لتأمين مرور مؤقت للناقلات العملاقة، مما يعكس حالة الذعر التي تجتاح سلاسل الإمداد العالمية وحاجة الأسواق الماسة لضمان استمرار تدفق النفط بأي ثمن.
لم تقتصر التحركات الإيرانية على الابتزاز الميداني، بل امتدت لتأخذ طابعاً تشريعياً رسمياً يهدف إلى شرعنة هذه الممارسات. فقد أقرت لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني مؤخراً مشروع قانون لفرض وإدارة رسوم عبور مضيق هرمز، في خطوة تهدف إلى تكريس السيادة الإيرانية المطلقة على الممر المائي.
هذا التشريع لا يسعى فقط لجمع إيرادات ضخمة لتمويل آلة الحرب، بل يتضمن حظراً صريحاً ونهائياً على مرور أي سفن تابعة للولايات المتحدة أو إسرائيل، أو حتى تلك التي تحمل أعلام دول شاركت في فرض عقوبات أحادية على طهران، مما يضع التجارة العالمية أمام مأزق تاريخي.
الآلية السرية للتسعير وتصنيف الدول
عملية العبور لا تتم بعشوائية، إذ تخضع لآلية بيروقراطية وأمنية معقدة تبدأ بتواصل مشغلي السفن مع شركات وساطة غامضة تعمل كواجهة للحرس الثوري الإيراني. يُطلب من هذه الشركات تقديم ملفات شاملة تتضمن بيانات الملكية، وجنسية العلم، وقوائم الطاقم، وتفاصيل الحمولة، بالإضافة إلى بيانات نظام التعرف الآلي (AIS).
وتُحال هذه الملفات لاحقاً إلى قيادة الحرس الثوري في محافظة هرمزغان، حيث تخضع لعمليات فحص وتدقيق أمني صارم لضمان خلو السفينة من أي ارتباطات خفية بدول تعتبرها طهران معادية.
بمجرد اجتياز السفينة للاختبار الأمني، تبدأ مرحلة التفاوض المالي التي تعتمد على نظام تصنيف إيراني مبتكر يقسم دول العالم إلى خمس فئات أساسية. الدول التي تُصنف كـ”حليفة” أو “صديقة” تحظى بشروط تفاوضية أفضل، بينما تواجه الدول الأخرى شروطاً مجحفة.
بالنسبة لناقلات النفط، يبدأ السعر الافتتاحي للتفاوض عادة من دولار واحد عن كل برميل محمل. وهذا يعني أن ناقلة نفط عملاقة (VLCC) تبلغ سعتها مليوني برميل قد تجد نفسها مضطرة لدفع رسوم عبور تصل إلى مليوني دولار أمريكي للرحلة الواحدة.
ولتجاوز مقصلة العقوبات المالية الغربية، تشترط طهران ألا تتم عمليات الدفع باستخدام الدولار الأمريكي. وبدلاً من ذلك، يُجبر المالكون على تسوية هذه الرسوم باستخدام العملة الصينية (اليوان) أو عبر العملات المشفرة المستقرة، بينما يطالب التشريع البرلماني الجديد بدمج الريال الإيراني في النظام المالي للرسوم.
وبعد إتمام الدفع، تتلقى السفينة رمزاً سرياً وتعليمات ملاحية دقيقة، تُجبرها غالباً على التخلي عن الممرات الملاحية الدولية المعتادة وسلوك طرق شمالية محاذية للسواحل الإيرانية وبالقرب من جزيرة لارك، حيث تتسلمها زوارق الحرس الثوري لمرافقتها حتى الخروج بسلام.
التداعيات ومخاطر التأمين البحري
من منظور القانون البحري، تعتبر هذه الخطوات انتهاكاً صارخاً للأعراف الدولية، وفق قراءة بقش تحليلات بلومبيرغ، فبموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، تتمتع السفن التجارية بحق “المرور البريء” عبر المضائق الاستراتيجية والمياه الإقليمية دون التعرض لأي إعاقة أو فرض رسوم عبور.
ومع ذلك، تعتبر طهران بأن إجراءاتها تندرج تحت حق “الدفاع الشرعي عن النفس” في ظل حالة الحرب، معتبرة أن تفتيش السفن وفرض الرسوم هما ضمانة لأمنها القومي، وهو تبرير يرفضه خبراء القانون الدولي جملة وتفصيلاً.
يضع هذا الواقع ملاك السفن والشركات المشغلة في كابوس قانوني لا مخرج منه. فمن جهة، يعتبر دفع الرسوم للحرس الثوري الإيراني -وهو كيان مدرج على لوائح الإرهاب والعقوبات في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وبريطانيا- مخاطرة قانونية هائلة. هذا الخضوع يعرض الشركات لتهم انتهاك العقوبات الدولية وقوانين مكافحة غسل الأموال، مما قد يؤدي إلى تجميد أصولها وعزلها عن النظام المالي العالمي، ناهيك عن التداعيات الأخلاقية للرضوخ لابتزاز مسلح.
تبعات هذه المخاطر انعكست فوراً على قطاع التأمين البحري، حيث قفزت بوالص التأمين على السفن الراغبة في عبور المنطقة إلى مستويات تعجيزية. الخطر المادي ليس نظرياً؛ فقد تعرضت سفن عدة لهجمات فعلية، كان أبرزها إصابة ناقلة كويتية بطائرة مسيرة بالقرب من دبي.
ورغم التعهدات الأمريكية بتشكيل تحالفات بحرية لتأمين حماية السفن، إلا أن هذه الوعود لم تترجم إلى أمان ملموس على أرض الواقع، مما جعل الكثير من شركات الشحن تفضل إبقاء سفنها راسية بعيداً عن الخطر بدلاً من المقامرة بأرواح طواقمها وأصولها.
التأثيرات على أسواق الطاقة
ولا يمكن فصل هذه التطورات عن السياق الجيوسياسي المشتعل، حيث تحول الخليج العربي إلى ساحة تصفية حسابات مفتوحة. في ظل تبادل الضربات الصاروخية بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى، بات المضيق ورقة الضغط الأقوى بيد طهران. ورغم تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وتلويحه بحسم الحرب خلال أسابيع، واشتراطه إعادة فتح المضيق كبند أساسي لأي وقف لإطلاق النار، تستمر طهران في فرض سيطرتها، مستغلة حاجة العالم الماسة للطاقة لكسر إرادة خصومها.
الأثر الاقتصادي لهذا الخنق الاستراتيجي كان فورياً ومدمراً على أسواق الطاقة العالمية. فمع تعثر مرور نحو خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم، شهدت الأسعار قفزات جنونية، حيث تجاوز خام برنت حاجز الـ114 دولاراً للبرميل حسب متابعات بقش، وسط مخاوف حقيقية من ملامسته عتبة الـ200 دولار إذا استمر الإغلاق. هذا الوضع خلق أزمات نقص حادة في الإمدادات، خاصة بالنسبة للاقتصادات الآسيوية التي تعتمد بشكل شبه كلي على النفط الخليجي، مما يهدد بإشعال موجة تضخم عالمية جديدة تعصف بالاقتصاد الدولي.
فرض رسوم بملايين الدولارات وبعملات بديلة ليس سوى محاولة لكسر طوق العقوبات الغربية وفرض أمر واقع جديد، حيث تُدفع تكلفة الأمن الإقليمي من جيوب مستهلكي الطاقة حول العالم، مما يعيد تعريف مفاهيم السيادة والملاحة الدولية.
أمام هذا الواقع المعقد، يقف المجتمع الدولي أمام معضلة لا حلول سهلة لها. فالخيارات العسكرية قد تشعل حرباً إقليمية أوسع تدمر البنية التحتية للطاقة بالكامل، بينما الرضوخ الدبلوماسي يعني مكافأة طهران على سياسة حافة الهاوية وتكريس نموذج الضغط البحري. وحتى يتم التوصل إلى تسوية شاملة تضمن حرية الملاحة بشكل حقيقي وفعال، سيبقى مضيق هرمز بؤرة للتوتر العالمي، وستظل شرايين الاقتصاد الدولي رهينة لتوازنات القوى العسكرية في واحدة من أكثر مناطق العالم اشتعالاً.


