الاقتصاد العالمي
أخر الأخبار

بيانات التضخم تكذّب ترامب.. الأمريكيون يعانون من ارتفاع الأسعار

الاقتصاد العالمي | بقش

تشير بيانات العام الماضي إلى أن معدل التضخم في الولايات المتحدة اقترب من مستوى 3%، قبل أن يتراجع إلى نحو 2.7% في نهاية 2025، لكن هذا التراجع لا يعني، وفقاً لخبراء الاقتصاد، انخفاضاً في الأسعار، فهو مجرد تباطؤ في وتيرة ارتفاعها.

وهذه الحقيقة الاقتصادية الأساسية غالباً ما تغيب عن خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أو يجري تجاوزها لصالح عبارات مبسطة توحي بتحسن ملموس في معيشة المواطنين.

فعلى أرض الواقع، ارتفعت أسعار سلع أساسية تشكل العمود الفقري لسلة الغذاء الأمريكية بشكل لافت منذ تولي ترامب منصبه في يناير 2025، إذ زاد سعر اللحم المفروم بنحو 18%، والبن المطحون بنسبة تقارب 29% وفق اطلاع “بقش” على وكالة رويترز، ومع أن بعض السلع شهدت تراجعات محدودة، مثل انخفاض أسعار البيض بنحو 21% والغاز بنسبة 4%، إلا أن هذه الانخفاضات لم تكن كافية لتعويض الزيادات الواسعة في أسعار القهوة واللحوم والفواكه، ما أبقى فاتورة البقالة الإجمالية في مسار تصاعدي مستمر.

فجوة بين الأجور وتكاليف المعيشة

لذا فإن الواقع هو أن ترامب يحاول تقديم نفسه بوصفه المنقذ الاقتصادي القادر على كبح جماح الأسعار والتخفيف من أعباء المعيشة، إلا أن مراجعة البيانات الاقتصادية كشفت الفجوة الواسعة بين المزاعم والواقع، وبين اللغة الدعائية والتجربة اليومية للأمريكيين.

وتتعمق الأزمة حين تُقارن حركة الأسعار بنمو الأجور، فخلال الاثني عشر شهراً المنتهية في ديسمبر 2025، ارتفعت تكاليف الغذاء بأكثر من 3%، في حين لم تتجاوز زيادة الأجور 1.1% فقط.

وتعني هذه الفجوة تآكلاً مباشراً في القدرة الشرائية للأسر، خصوصاً للطبقات المتوسطة ومحدودة الدخل، التي تعتمد بشكل أكبر على الدخل الثابت ولا تمتلك هوامش مالية واسعة للمناورة.

وإلى جانب ذلك، ارتفع معدل البطالة إلى 4.4%، ما أضاف عنصراً جديداً من عدم اليقين الاقتصادي، وأضعف شعور الأمان الوظيفي لدى قطاعات واسعة من الأمريكيين. وفي هذا السياق، تبدو تصريحات ترامب حول “الاقتصاد الأقوى” منفصلة عن المزاج العام، الذي بات أكثر تشاؤماً وحذراً.

وخلص تحليل اطلع عليه بقش، أجرته رويترز لخطابات ترامب، إلى أنه كرر إعلان “التغلب على التضخم” نحو 20 مرة، وأكد قرابة 30 مرة أن الأسعار تنخفض. لكن هذا الخطاب لم يكن متماسكاً، إذ أظهر التحليل أن الرئيس الأمريكي يخصص جزءاً كبيراً من كلماته لقضايا لا ترتبط مباشرة بالاقتصاد، وعلى رأسها الهجرة غير النظامية وملفات سياسية ودولية أخرى.

كما اتسم أسلوبه بالانتقال المفاجئ بين الموضوعات، وأحياناً بشكل عشوائي، حتى في خضم الحديث عن القضايا المعيشية. وفي أربعة خطابات على الأقل، لوحظ أن ترامب غيّر مسار حديثه أكثر من مرة، ما اعتبره بعض الاستراتيجيين الجمهوريين عاملاً مضعفاً لرسالته الاقتصادية، التي يفترض أن تكون محور حملته الانتخابية.

تحذيرات من داخل المعسكر الجمهوري

اللافت أن الانتقادات لم تأتِ من خصوم ترامب الديمقراطيين فقط، بل من داخل الحزب الجمهوري نفسه، إذ حذّر خبراء استراتيجيون جمهوريون من أن الاستمرار في إطلاق ادعاءات تتناقض مع البيانات الاقتصادية قد يلحق ضرراً بالغاً بمصداقية الرئيس والحزب، خصوصاً مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر، حيث ستكون السيطرة على الكونغرس على المحك.

وقال الخبير الجمهوري روب غودفري إن ترامب “لا يمكنه الاستمرار في إطلاق ادعاءات ثبت زيفها”، داعياً إلى قدر أكبر من الانضباط والتركيز على رسالة اقتصادية واقعية.

وفي المقابل، رأى مصدر مقرب من البيت الأبيض أن الرئيس بحاجة إلى تكثيف حضوره الميداني في الدوائر الانتخابية الحاسمة، ومحاولة التواصل المباشر مع الناخبين المتضررين من غلاء المعيشة.

وفي محاولة لاحتواء الغضب الشعبي، يطرح ترامب حزمة من الوعود الاقتصادية، تشمل تخفيضات ضريبية، وإلغاء ضرائب على الإكراميات والعمل الإضافي ومدفوعات الضمان الاجتماعي، إضافة إلى خطط لخفض تكاليف الرهن العقاري وأسعار الأدوية. ورغم أن بعض هذه المقترحات قد يوفر دعماً محدوداً للأسر، إلا أن اقتصاديين يستبعدون أن يكون لها أثر ملموس وسريع على تكلفة المعيشة قبل انتخابات نوفمبر.

بل إن بعض الخبراء يحذرون من آثار عكسية محتملة، خاصة إذا أدت التخفيضات الضريبية إلى زيادة العجز المالي أو إلى ضغوط تضخمية جديدة، ما قد يعيد الأزمة إلى نقطة الصفر، ولكن بكلفة أعلى.

التجربة الاقتصادية خلال فترة ترامب كشفت عن واقع صعب تحمّل الأمريكيون تبعاته بشكل مباشر، فسياسات الرئيس، سواء عبر خطابها المتفائل المفرط أو عبر مقترحاتها الاقتصادية غير المحسومة النتائج، لم تنجح في تخفيف العبء المعيشي عن غالبية الأسر، كما أن التناقض بين التصريحات والواقع ساهم في تعميق شعور الإحباط وفقدان الثقة في ترامب وما تبقّى من فترة ولايته.

زر الذهاب إلى الأعلى