تحرير الدولار الجمركي بلا ضبط للإيرادات.. وصفة جاهزة لانفجار الأسعار في وجه المواطن

الاقتصاد اليمني | بقش
بعد أن كانت حكومة عدن تنفي -في وقت سابق من هذا العام- التفكير في اللجوء إلى رفع سعر الدولار الجمركي، أقر المجلس الرئاسي تحرير الدولار الجمركي رسمياً خلال مدة أقصاها أسبوعين، ضمن ما أُعلن عنه بـ”خطة الإصلاحات الاقتصادية الشاملة”، في خطوةٍ أشعلت الشارع اليمني.
فارتفاع الأسعار يبدو أنه بات قدراً محتوماً ينتظر اليمن، كنتيجة لرفع سعر الدولار الجمركي المخطط له، ويأتي القرار بالتزامن مع غليان شعبي واسع جراء الأوضاع المعيشية الصعبة وارتفاع الأسعار التي ستزداد أكثر برفع الدولار الجمركي، ما يعني مزيداً من الأعباء على المواطنين نتيجة ارتفاع كلفة السلع المستوردة.
وأصدر المجلس الرئاسي قراراً رقم (11) لعام 2025 يشمل “معالجة الاختلالات القائمة في عملية تحصيل وتوريد الموارد العامة من المحافظات: عدن، مأرب، حضرموت، المهرة، تعز، وذلك من خلال توريد كافة الإيرادات المركزية إلى حساب الحكومة طرف بنك عدن المركزي، وإلزام محافظي المحافظات بعدم التدخل بأعمال المنافذ الجمركية، وإلغاء الرسوم غير القانونية المفروضة من قِبل محافظي المحافظات أو الوزارات أو تحصيل أي رسوم بسندات غير قانونية” وفق اطلاع “بقش” على بنود القرار.
وتتضمن الخطة إجراءات لتوحيد الحسابات الحكومية، وإلغاء الحسابات الموازية في البنوك التجارية، وتعزيز الرقابة على الموارد العامة، إلى جانب وضع آليات جديدة لتحسين التحصيل المالي وضمان الشفافية في إدارة الأموال العامة.
تطبيق بند “الدولار الجمركي” فقط
لكن ناشطين وصحفيين وخبراء اقتصاد، رأوا أن البند الوحيد الذي سيتم تطبيقه هو بند تحرير سعر الدولار الجمركي فحسب، دوناً عن كافة البنود المذكورة المتعلقة بضرورة توحيد الإيرادات وتوريدها من كافة المحافظات إلى حساب الحكومة العام طرف بنك عدن المركزي.
الصحفي فتحي بن لزرق، رئيس تحرير صحيفة عدن الغد، قال إن “البند الوحيد الذي سيُنفذ من قرارات المجلس الرئاسي هو رفع الدولار الجمركي، لأنه البند الذي سيَدفع المواطن ثمنه مباشرة”.
ودعا الإعلاميين والناشطين إلى رفض ما وصفه بـ”المسرحية الهزلية”، وأكد أن “هذا القرار سيدمر ما تحقق من استقرار اقتصادي هش، ويعيد البلاد إلى نقطة اللاعودة”.
ونبّه إلى أن المشكلة ليست في قلة الموارد، بل في تسربها خارج خزينة الدولة، إذ إن 80% من الإيرادات لا تصل إلى بنك عدن المركزي، وهو ما يجعل قرار رفع الدولار الجمركي عبئاً إضافياً على المواطن، لا على الفاسدين، على حد تعبيره.
كما أن بنود القرار ركّزت فقط على ضبط الموارد المحلية وتنميتها من خلال رفع سعر الدولار الجمركي، في حين تجاهلت الحكومة قضايا جوهرية مثل استئناف تصدير النفط والغاز وإقرار الموازنة العامة وترشيد النفقات، وهو ما يعكس الميل نحو الحلول الأسهل والأسرع على حساب المواطن.
ورغم أن هناك سلعاً أساسية مثل الأرز والقمح يتم الحديث عن أنها شبه معفاة من الرسوم الجمركية والضرائب، إلا أن أسعارها ترتفع بانتظام بسبب ارتباطها ببقية السلع والخدمات حسب تتبُّع مرصد بقش، فرفع الدولار الجمركي سيؤدي إلى تضاعف الرسوم على المشتقات النفطية والضرائب عليها، ما سيؤثر بدوره على تكاليف النقل لجميع السلع المستوردة والمحلية، بل وحتى على تعرفة نقل الركاب.
بناءً على المعطيات الحالية، يبدو أن ارتفاع الأسعار أصبح المصير القادم، خاصةً في ظل غياب سياسات اقتصادية متكاملة توازن بين الإيرادات والنفقات، وتعالج جذور الأزمة المالية المتمثلة في تسرب الموارد، وضعف الرقابة على المنافذ، وتعدد الجبايات غير القانونية.
ويرى الاقتصاديون أن الحكومة لجأت إلى خيار رفع الدولار الجمركي كحل إسعافي قصير المدى، لكنه سيؤدي إلى نتائج عكسية على المدى البعيد، تتمثل في زيادة الفقر، وتآكل الطبقة الوسطى، وتراجع الثقة بالسلطات المالية.
ومن جهته يقول الدكتور مساعد القطيبي، أستاذ الاقتصاد في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة عدن، إن قرار المجلس الرئاسي لن يُجدي نفعاً ما لم يُنفذ بجميع بنوده بدون استثناء ودون تأجيل، خاصة في ظل تدهور الأجور والخدمات الأساسية، مؤكداً أن أي تردد أو تسويف في تنفيذ كافة البنود دون استثناء سيضاعف معاناة المواطنين ويزيد من العجز في الخدمات.
ويتم الحديث حالياً عن رفع سعر الدولار الجمركي في عدن من مستواه الحالي البالغ 750 ريالاً إلى مستوى 1500 ريال للدولار الجمركي الواحد. وفي أكتوبر الماضي، انتشرت معلومات تقول إن رئيس وزراء حكومة عدن، سالم بن بريك، يرفض تحريك سعر الدولار الجمركي، بينما تدفع أطراف أخرى نحو هذا الخيار كحل للفشل الحكومي في تغطية الالتزامات، وسط استمرار عجز الحكومة عن فرض توريد الإيرادات إلى البنك المركزي.
كارثة سعرية.. ماذا بعد رفع الدولار الجمركي؟
رفع سعر الدولار الجمركي، أي السعر الذي تُحتسب به الرسوم الجمركية، سيؤدي إلى موجة تضخم مستوردة تضرب أسعار السلع، وتضغط على تكاليف النقل والطاقة، وتقلّص القدرة الشرائية للطبقات الفقيرة والمتوسطة.
وباستناد “بقش” إلى التجارب السابقة، فإنه إذا لم تُصحَب هذه الخطوة بإجراءات شفافية في تحصيل الإيرادات وضبط المنافذ وإجراءات تهدف إلى استئناف النشاط التصديري وإدارة النفقات، فالمحصلة المتوقعة هي تفاقم الفقر، وزيادة الاحتقان الاجتماعي، وفشل في تحقيق أهداف الإيرادات على المدى المتوسط.
وبطبيعة الحال، فإن تغير سعر الصرف أو سعر الحساب الجمركي ينتقل جزئياً أو كلياً إلى أسعار التجزئة، خاصة في الاقتصادات المستوردة للسلع الأساسية أو ذات قدرات تنافسية محلية محدودة. ومعدل تمرير التكاليف يختلف حسب القطاع لكنه غالباً مرتفع عند السلع الغذائية والوقود والخدمات اللوجستية.
كما أن رفع الدولار الجمركي يضرب الإصلاحات الاقتصادية الحكومية التي أدت إلى انخفاض سعر الصرف إلى مستوى 1600 ريال للدولار، ويعزز التأكيد على فشل الحكومة في تلافي ظروفها المالية.
الخبير الاقتصادي أحمد الحمادي، في حديث لـ”بقش”، علّق بأن استمرار الحكومة في تبنّي رفع الدولار الجمركي كحل أمام الأزمات، يثبت عدم فاعلية سياسات الحكومة وقدرتها على تجاوز الصدمات الاقتصادية، مشيراً إلى أن الأحرى إلزام كافة المؤسسات والجهات الإيرادية التي يتجاوز عددها 200 مؤسسة وجهة لا تقوم بتوريد الإيرادات، بأن تبدأ بعملية التوريد دون تسويف، وأن تتبنى الحكومة تحفيز قطاع التصدير لا أن ترهقه بمزيد من الرسوم.
ووصف الحمادي اللجوء الرسمي إلى رفع الدولار الجمركي بأنه “طرح عبثي”، وأن على الدولة انتزاع مواردها بالقانون بدلاً من زيادة الأعباء على المواطنين، مضيفاً أن توريد الإيرادات إلى البنك المركزي بعدن بات يُعد أمراً صعباً نظراً لتقاسم مناطق النفوذ، بين المجلس الانتقالي بعدن، وحزب الإصلاح بمأرب وتعز، وقوات عضو المجلس الرئاسي طارق صالح بالمخا، وكل طرف يستحوذ على منافذ وإيرادات، ومن المستبعد أن يتم إقناع كل طرف بتنفيذ القرار، وفقاً للحمادي.
ورأى أن اللجوء إلى تحريك الدولار الجمركي يؤكد الانهيار الشامل للدولة وعجزها عن استعادة مواردها، وأن هذا الرفع سيأتي في الوقت الذي يعيش فيه المواطن بانتظار الرواتب المقطوعة.
ويعيش المواطنون على رواتب متدنية ومنقطعة بالأساس، وفي حال صرفها فإنها تبقى تلك الرواتب المتدنية التي لا تقوى على مواكبة الارتفاع الحاد الذي سيطرأ على الأسعار.
هذا ويمثّل اللجوء إلى رفع سعر الدولار الجمركي “هروباً” حكومياً يكشف عن أزمة عميقة في إدارة الموارد وعجز عن فرض القوانين والقرارات، لتبدو الأزمة ليس كما لو كانت أزمة اقتصادية بحتة، بل سياسية بنيوية، حيث تتشابك مصالح النخب مع الفوضى المالية وتُترك تبعاتها على المواطن وحده.


