تحسّن الريال بلا نتائج في عدن.. الفجوة تتسع بين سعر الصرف والواقع المعيشي

الاقتصاد اليمني | بقش
في الوقت الذي تبدي فيه المؤشرات النقدية تحسّناً نسبياً في سعر صرف الريال اليمني بعدن، يقف المواطنون أمام مفارقة صادمة، وهي تحسن العملة مقابل عدم انخفاض الأسعار، بينما تستمر المعيشة في الانحدار نحو مستويات أشد قسوة وتعقيداً.
هذا الواقع الذي يتناقض تماماً مع القواعد الاقتصادية المعروفة، يكشف عن خلل عميق في بنية السوق وإدارة الملف المالي، وعن حضور هشّ لسلطات الدولة يفقد المواطنين الثقة بأي تحسن مُعلن.
وفق اطلاع مرصد “بقش” على منشور رسمي جديد لمكتب وزارة الإعلام في عدن، فإن التحسن الملحوظ في سعر الصرف لم يترافق مع أي انعكاس فعلي على الأسواق، بل ظلّ مجرد رقم يتداوله الصرافون وشاشات التطبيقات، بينما بقيت أسعار السلع الغذائية والدوائية والاستهلاكية عند مستويات مرتفعة، في حالةٍ تشير إلى أن الاقتصاد منفصل عن حركة العملة.
ويشير اقتصاديون إلى أن هذه الظاهرة لم تعد استثناءً مؤقتاً، بل أصبحت نمطاً متكرّراً يكشف عن تعطّل آليات السوق وضعف أدوات الدولة الرقابية. وفي هذا السياق عبّر الناشط والمحلل الاقتصادي محمد المسبحي عن قلقه مما وصفه بـ”الاستثناء غير المنطقي”، مؤكّداً أن ما يجري اليوم لا يمت بصلة لاقتصاد طبيعي أو لسوق منضبط.
في منشور نشره على منصة فيسبوك -وأشار إليه مكتب الإعلام بعدن- قال المسبحي: “عادةً ما يؤدي تحسن العملة إلى انخفاض الأسعار، لكن ما يحدث اليوم يمثل استثناءً غير منطقي، ويعكس خللاً عميقاً في إدارة السوق”.
وأوضح أن غياب أدوات الدولة الرقابية وعدم وجود سياسات تربط الأسعار بسعر الصرف الحقيقي، ساهم في خلق فجوة بين الواقع الاقتصادي وسعر العملة، ما جعل المواطن عرضة لتقلبات السوق دون حماية تُذكر. وأضاف حسب قراءة بقش أن غياب السياسة المالية الواضحة أدى إلى انفصال الاقتصاد عن الواقع المعيشي، مشدداً على أن “الدولة التي تدّعي الشرعية عاجزة عن ربط سعر قطمة رز أو علبة دواء بسعر الدولار، فكيف لها أن تدير البلاد؟”، في إشارة إلى هشاشة الإدارة الاقتصادية وغياب الاستقرار المالي في مناطق الحكومة.
ووفقاً لمكتب الإعلام بعدن، تعكس هذه التصريحات حالة الإحباط الشعبي من الأداء الاقتصادي، وتُسلط الضوء على الحاجة الملحة لإصلاحات جذرية تضمن استقرار السوق وربط الأسعار بالمتغيرات النقدية، بما يخفف من الأعباء المعيشية على المواطنين.
وفي تعليق لـ”بقش”، يرى الخبير الاقتصادي أحمد الحمادي، أن الفجوة تتسع بين سعر العملة الحقيقي وبين ما يدفعه المواطن في البقالات والصيدليات والمطاعم ومحلات البيع بالجملة والتجزئة وكافة المحلات والمنشآت التجارية.
ومع غياب أدوات الرقابة الحكومية والجهات الضابطة للسوق، وغياب سياسات تربط الأسعار بسعر الصرف، فُتح الباب على مصراعيه أمام التجار لتحديد الأسعار بناء على أهوائهم، دون سقف أو مرجعية، وفقاً للحمادي.
وتشير الحالة الراهنة إلى ضعف الدولة أمام نفوذ السوق العشوائي، ويوضح الحمادي: “حين تعجز السلطات عن التحكم بأسعار السلع الأساسية، مثل الأرز والقمح والأدوية، يصبح التحسن في سعر الصرف بلا قيمة جوهرية، بل مجرّد حركة رقمية لا يتجاوز أثرها محال الصرافة”.
من جهته يرى المصرفي بعدن، سليم مبارك، في حديث لـ”بقش” أن الفجوة بين سعر الصرف والواقع المعيشي تضر مباشرة بثقة الناس بأي إصلاحات حكومية، وتطرح أسئلة جدية حول قدرة مؤسسات الدولة الاقتصادية على ضبط السوق.
فرغم تحسن الريال المُعلن، بنسبة لا تقل عن 43%، لا يزال المواطن في عدن يدفع أسعار مواد غذائية مرتفعة وكأن الدولار عند أعلى مستوياته، إضافةً إلى تكاليف دوائية لا تخضع لأي معايير سعرية، ومصاريف معيشية تزيد أسبوعاً بعد آخر، ما يعني أن تحسن الريال يفقد قيمته عملياً، وهو ما يضاعف من الضغوط على الأسر الفقيرة والمتوسطة التي كانت تنتظر أن ينعكس التحسن النقدي على أسعار السلع، وفقاً لمبارك.
ضربة للإصلاحات الاقتصادية الحكومية
ما يحدث يضرب جوهر الإصلاحات الاقتصادية التي تتحدث عنها الحكومة منذ أشهر. وفقاً للحمادي، فإن عدم انعكاس تحسن العملة على السوق يعني فشل السياسات الاقتصادية في الوصول إلى هدفها الأساسي، وضعف قدرة الحكومة على بناء مصداقية اقتصادية أمام المانحين والداعمين الدوليين.
كما أن غياب الرقابة يجعل أي تحسن نقدي عرضة للانهيار من جديد، لأن السوق لا يعتمد على قواعد واضحة، بينما يواصل التجار تسعير بضائعهم وفق أسوأ سعر صرف ممكن، حتى لو تحسنت العملة عشرات النقاط.
وكل ذلك يجعل الإصلاحات الاقتصادية أقرب إلى الحركة الدائرية، أي إن الجهود الحكومية تُعلن على الورق، والمؤشرات النقدية تتحسن، لكن دون أي أثر ملموس في حياة الناس.
لماذا لا تنخفض الأسعار رغم تحسن الريال؟
ثمة مجموعة من العوامل التي تقف وراء عدم انخفاض الأسعار، منها غياب الرقابة الحكومية الفاعلة، إذ لا توجد جهة تقوم بإلزام التجار بربط أسعار السلع بسعر الصرف الفعلي. إضافةً إلى الرساميل التجارية الكبيرة تتحكم بالسوق، وبعض الشركات والمستوردين يحتكرون سلعاً أساسية ويحددون أسعارها دون أي تدخل.
وتغيب القوانين الموحدة والرقابة، ما يجعل كثيراً من التجار يحددون أسعاراً حسب الرغبات والأولويات الربحية.
ومع غياب الشفافية في عملية التسعير، لا يعرف المواطن ما إن كانت السلع الجديدة مسعّرة على أساس السعر الجديد أم مخزونة بالسعر القديم.
كما لا توجد استراتيجية حكومية لاستقرار الأسعار، فحتى الآن تغيب السياسات الواضحة للربط بين سعر الصرف وأسعار السلع.
ورغم أن تحسن العملة عادة ما يعني تخفيفاً للأعباء المعيشية في الدول ذات الأنظمة الاقتصادية المستقرة، إلا أن الوضع في اليمن يسير بعكس الاتجاه، ما جعل التحسن الحالي مجرد تحسن شكلي لا أثر له في حياة المواطنين.
وهكذا، بدلاً من أن يتحول هذا التحسن إلى فرصة للتعافي الاقتصادي، أدّى غياب السياسات والرقابة إلى تعزيز الفجوة بين الدولة والمواطن، وزاد من تعقيد الواقع المعيشي، وضرب ثقة الناس بالإصلاحات، وعمّق الشعور بأن الاقتصاد يسير بلا قيادة حقيقية.


