تقارير
أخر الأخبار

تحليل: العالم يقف على حافة الانهيار الزراعي وسط استنزاف الموارد وحروب التجارة

تقارير | بقش

رغم أن البشرية اليوم تنعم بوفرة غذائية غير مسبوقة مقارنة بأي حقبة تاريخية مضت، إلا أن هذا الرخاء الظاهري يخفي تحته تصدعات هيكلية عميقة تهدد بتحويل نعمة الوفرة إلى نقمة المجاعة في العقود القادمة. فبعد عقود من النمو السكاني الذي تضاعف خمس مرات منذ عام 1900، استند العالم في إشباع أفواهه الجائعة إلى ثلاث ركائز أساسية: طفرة الإنتاجية الزراعية، وترشيد إدارة المياه، وعولمة التجارة الغذائية. لكن اليوم، يبدو أن هذه الأعمدة الثلاثة تتآكل بشكل متسارع تحت وطأة التغير المناخي، والاستنزاف الجائر للموارد الطبيعية، وصعود النزعات القومية الحمائية، مما يضع العالم أمام سيناريو كارثي قد يعيد شبح الجوع ليطارد ملايين البشر.

ويشير التحليل الدقيق للبيانات الزراعية العالمية إلى أن “قانون الوفرة” الذي ضمن زيادة مستمرة في المحاصيل لعقود طويلة بدأ يفقد زخمه. فبينما اعتاد العالم على نمو سنوي في الإنتاج الزراعي يتجاوز 2%، شهدت السنوات الخمس الأخيرة تباطؤاً مقلقاً ليصل المعدل إلى 1.63% فقط منذ عام 2020.

الأخطر من ذلك هو تراجع معدل “إنتاجية العوامل الكلية”، وهو المقياس الحقيقي لكفاءة النظام الغذائي بعيداً عن مجرد التوسع في الأراضي واستخدام الأسمدة، حيث انحدر هذا المؤشر إلى 0.76% فقط خلال العقد الماضي، وهو رقم لا يغطي سوى ثلث الاحتياجات المتوقعة لإطعام 10 مليارات نسمة بحلول منتصف القرن حسب بيانات جمعها “بقش”. هذا التباطؤ ليس مجرد رقم إحصائي، بل هو إنذار مبكر بأن التكنولوجيا الزراعية قد وصلت إلى حدودها القصوى في ظل الظروف المناخية المتدهورة.

ولا يقتصر الخطر على الأرقام الإجمالية، بل يمتد ليشمل المحاصيل الاستراتيجية التي تشكل عصب الحياة للمجتمعات الفقيرة. فالمحاصيل “الثلاثة الكبار” (القمح، الأرز، الذرة) تشهد ركوداً شبه كامل في نمو الغلة منذ خمس سنوات، وهو نمط ينسحب أيضاً على المحاصيل المدارية مثل الكسافا والموز، التي يعتمد عليها مئات الملايين في أفريقيا وأمريكا اللاتينية. في عام 2000، كانت 95% من المحاصيل العالمية تأتي من أصناف تشهد تحسناً مستمراً في الإنتاجية، أما اليوم، فإن ربع الإنتاج العالمي يأتي من محاصيل تعاني من الجمود أو التراجع، مما يعني أننا نستهلك رصيدنا البيئي والوراثي بسرعة تفوق قدرتنا على تجديده.

حرب المياه الصامتة.. استنزاف الإرث الجيولوجي

لعل التهديد الأكثر وجودية الذي يواجه الزراعة العالمية هو استنزاف خزانات المياه الجوفية، تلك الثروة غير المتجددة التي تجمعت عبر آلاف السنين. تقارير الأمم المتحدة الحديثة تجاوزت مصطلح “أزمة المياه” لتتحدث بصراحة عن “نضوب المياه”، حيث تسجل 70% من طبقات المياه الجوفية الرئيسية في العالم انخفاضاً مستمراً.

هذا الاستنزاف لا يهدد فقط مياه الشرب، بل يضرب في الصميم قدرة العالم على الري، حيث تعتمد 40% من الأراضي المروية على هذه المصادر حسب اطلاع بقش. التجربة السعودية في التسعينيات تقدم درساً قاسياً، حيث تحولت المملكة من سادس أكبر مصدر للقمح عالمياً إلى مستورد رئيسي بعد نضوب طبقاتها الجوفية، في تحول دراماتيكي يعكس هشاشة الأمن الغذائي المعتمد على “التعدين المائي”.

هذا السيناريو القاتم يتكرر اليوم بصورة أكثر خطورة في مناطق ذات كثافة سكانية هائلة. ففي الهند، التي تعتبر سلة غذاء آسيا، يضطر المزارعون في إقليم البنجاب لحفر آبار بعمق ناطحات السحاب للوصول إلى المياه، بعد انخفاض المنسوب الجوفي بنسب مرعبة. وفي إيران، تحول العطش إلى محرك للاضطرابات الاجتماعية والسياسية، حيث أدى جفاف الآبار وتملح التربة إلى طرح أفكار راديكالية مثل نقل العاصمة طهران، في اعتراف ضمني بفشل نموذج التنمية القائم على استنزاف الموارد المائية لتأمين الغذاء لـ 93 مليون نسمة.

الاعتماد المفرط على المياه الجوفية “الأحفورية” يشبه العيش على بطاقة ائتمان بلا رصيد؛ فهو يوفر حلولاً مؤقتة ومريحة، لكنه يراكم ديوناً بيئية مستحيلة السداد. ومع تسارع التغير المناخي واضطراب أنماط هطول الأمطار، يصبح تجدد هذه الخزانات ضرباً من الخيال، مما يضع الدول التي تعتمد عليها أمام خيارين أحلاهما مر: إما تقليص الزراعة والاعتماد على الاستيراد المكلف، أو مواجهة انهيار بيئي شامل يؤدي إلى تصحر الأراضي وهجرة السكان.

سلاح التجارة.. حين يتحول الغذاء إلى أداة ابتزاز

لطالما كانت التجارة الدولية هي صمام الأمان الذي يمنع المجاعات المحلية من التحول إلى كوارث عالمية، حيث تقوم دول الفائض في الأمريكتين، وعلى رأسها الولايات المتحدة، بتصدير “المياه الافتراضية” والسعرات الحرارية إلى دول العجز المائي والغذائي. فالصادرات الزراعية الأمريكية وحدها توفر طاقة غذائية تكفي لإطعام قارة بأكملها وفق المعلومات التي طالعها بقش، وتسمح لدول صحراوية أو مكتظة مثل الكويت واليابان بالحفاظ على أمنها الغذائي دون استنزاف مواردها الشحيحة. لكن هذا النظام العالمي القائم على الاعتماد المتبادل يواجه اليوم خطراً داهماً مع تحول الغذاء من سلعة تجارية إلى سلاح جيوسياسي.

ومع صعود السياسات الحمائية وعودة التنافس بين القوى العظمى، لم تعد حرية التجارة أمراً مسلماً به. الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، رغم حرصه على دعم المزارعين الأمريكيين، رسخ نهجاً يربط التجارة بالمصالح القومية الضيقة، مما يفتح الباب أمام استخدام الغذاء كأداة ضغط سياسي في المستقبل. وما فعلته روسيا من حصار لموانئ الحبوب الأوكرانية، وما يشهده العالم من استخدام التجويع كسلاح في نزاعات من غزة إلى السودان، يؤكد أن المحرمات الدولية قد سقطت، وأن الغذاء بات جزءاً من الترسانة الحربية للدول.

في عالم يتسم بالفوضى المناخية والسياسية، يصبح الاعتماد الكامل على الأسواق العالمية مغامرة محفوفة بالمخاطر. الدول المستوردة للغذاء تجد نفسها اليوم رهينة لتقلبات المزاج السياسي في عواصم التصدير، حيث يمكن لقرار إداري بمنع التصدير أو فرض رسوم جمركية أن يشعل ثورات الخبز في الجانب الآخر من العالم. إن انهيار الثقة في النظام التجاري العالمي، بالتزامن مع تراجع الإنتاجية وشح المياه، يشكل “عاصفة كاملة” قد تعصف باستقرار الدول الهشة وتعيد رسم الخرائط السياسية للعالم عبر بوابة الجوع.

في المحصلة، يواجه العالم اليوم لحظة حقيقة قاسية؛ فالنموذج الزراعي الصناعي الذي ضمن لنا الأمن الغذائي لنصف قرن قد استنفد أغراضه وبدأ يلتهم نفسه. إن التباطؤ في نمو الإنتاجية ليس مجرد عثرة مؤقتة، بل هو مؤشر على أننا وصلنا إلى الحدود البيئية لكوكبنا. الحلول التقليدية القائمة على ضخ المزيد من المياه والأسمدة لم تعد تجدي نفعاً، بل تفاقم المشكلة. نحن بحاجة إلى ثورة زراعية جديدة تركز على الاستدامة والمرونة المناخية بدلاً من الإنتاجية القصوى بأي ثمن.

الأمن الغذائي في القرن الحادي والعشرين لم يعد مسألة زراعية فحسب، بل هو قضية أمن قومي من الدرجة الأولى. الدول التي تفشل في حماية مواردها المائية وتنويع مصادر غذائها ستجد نفسها مكشوفة أمام الابتزاز السياسي والاضطرابات الاجتماعية. إن “مثلث الرعب” المتمثل في المناخ والمياه والسياسة يضيق الخناق على البشرية، وما لم يتحرك المجتمع الدولي بشكل جماعي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، فإن حروب المستقبل لن تكون على النفط أو الأرض، بل على رغيف الخبز وقطرة الماء.

زر الذهاب إلى الأعلى