
تقارير | بقش
شهدت الأسواق العالمية للسلع الزراعية تحولات سريعة خلال الساعات الماضية، بعدما تراجعت أسعار عدد من المحاصيل الأساسية بالتزامن مع هبوط أسعار النفط، في مؤشر واضح على حساسية أسواق الغذاء للتطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط. وجاء هذا التحول عقب تصريحات للرئيس الأمريكي ترامب ألمح فيها إلى إمكانية التوصل إلى تسوية قريبة للحرب على إيران، الأمر الذي خفف جزئياً من المخاوف المرتبطة بحرب طويلة قد تعطل سلاسل الإمداد العالمية.
وتعكس هذه التطورات الترابط العميق بين أسواق الطاقة والسلع الزراعية، إذ أدى التصعيد العسكري خلال الأيام الماضية إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز، ما رفع بدوره تكاليف الإنتاج الزراعي حول العالم. فالمزارعون يعتمدون بشكل كبير على الوقود والأسمدة والمواد الكيميائية المرتبطة بالطاقة، ما يجعل أي صدمة في سوق النفط تنتقل سريعاً إلى أسعار الغذاء العالمية.
غير أن الأسواق المالية أظهرت استجابة فورية لأي إشارات سياسية قد توحي بانحسار التوترات. فمجرد التلميح بإمكانية إنهاء الحرب أدى إلى تراجع ما يعرف بـ”علاوة المخاطر الجيوسياسية” في الأسواق، وهو ما دفع المتعاملين إلى إعادة تقييم توقعاتهم للأسعار، خاصة في ظل تقديرات تشير إلى أن الإمدادات العالمية من بعض الحبوب ما تزال عند مستويات مريحة نسبياً.
صدمة الطاقة وتأثيرها على الأسواق الزراعية
شهدت بورصة شيكاغو للحبوب تراجعاً ملحوظاً في أسعار القمح مع بداية التداولات، حيث انخفضت العقود الآجلة بنحو 3% قبل أن تقلص جزءاً من خسائرها لاحقاً وفق متابعة “بقش”. ويأتي هذا التراجع بعد موجة ارتفاعات حادة سجلتها الأسعار في الجلسة السابقة عندما قفزت العقود بما يقارب 4% نتيجة المخاوف من اتساع رقعة الحرب في الشرق الأوسط وتعطل الإمدادات.
كما تراجعت أسعار زيت فول الصويا بنسبة تقارب 2.6%، وهو من السلع الزراعية التي تتأثر بشدة بتقلبات سوق الطاقة نظراً لاستخدامه كمادة أساسية في إنتاج الوقود الحيوي. ومع هبوط أسعار النفط، فقدت هذه السلعة جزءاً من الزخم الذي اكتسبته خلال فترة التصعيد العسكري، الأمر الذي انعكس مباشرة على حركة التداولات في الأسواق العالمية.
ويشير محللون في مؤسسات مالية دولية، من بينها تقارير اطلع عليها بقش من بلومبيرغ ومراكز أبحاث السلع الزراعية، إلى أن العلاقة بين النفط والزراعة أصبحت أكثر وضوحاً خلال العقد الأخير. فارتفاع أسعار الطاقة لا يرفع فقط تكلفة النقل والتخزين، بل يزيد أيضاً من أسعار الأسمدة النيتروجينية التي يعتمد إنتاجها على الغاز الطبيعي، ما يضغط على تكاليف الإنتاج الزراعي عالمياً.
رغم التراجع المؤقت في المخاوف، لا تزال الأسواق تراقب عن كثب الوضع في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم لنقل النفط والسلع. وتشير تقارير إلى أن المضيق يشهد قيوداً شبه كاملة على حركة الشحن نتيجة التوتر العسكري، وهو ما يهدد بإحداث اضطرابات كبيرة في تدفقات الطاقة والمواد الخام.
ويمر عبر هذا الممر البحري نحو خُمس تجارة النفط العالمية يومياً، إضافة إلى كميات ضخمة من الغاز الطبيعي والبتروكيماويات. ولذلك فإن أي إغلاق أو اضطراب طويل الأمد قد ينعكس فوراً على تكاليف النقل وأسعار الطاقة، وبالتالي على أسعار الغذاء في الأسواق العالمية.
وفي آسيا، انعكست هذه التطورات أيضاً على أسواق السلع الزراعية، حيث سجلت العقود الآجلة لفول الصويا ومنتجاته في بورصة داليان للسلع الصينية تراجعاً ملحوظاً بعد موجة صعود قوية في بداية الأسبوع. فقد انخفضت عقود وجبة فول الصويا الأكثر تداولاً بنسبة وصلت إلى 2.8% حسب قراءة بقش، مع اتجاه المتعاملين إلى تقليص مراكزهم في ظل التقلبات الحادة التي تهيمن على الأسواق.
ويُجمع خبراء السلع العالمية على أن الفترة المقبلة ستظل شديدة الحساسية لأي تطورات عسكرية أو سياسية في الخليج. فأسواق الغذاء والطاقة أصبحت مترابطة أكثر من أي وقت مضى، ما يعني أن مسار الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران قد يحدد اتجاه الأسعار العالمية ليس فقط للنفط، بل أيضاً للقمح والزيوت النباتية وسلسلة واسعة من السلع الغذائية الأساسية.


