ترامب يطلق “مجلس السلام”: تعهدات بـ17 مليار دولار و غزة على أعتاب مرحلة دولية جديدة

الاقتصاد العالمي | بقش
أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تخصيص 10 مليارات دولار لقطاع غزة، خلال الاجتماع الافتتاحي الأول لـ”مجلس السلام” الذي انعقد اليوم الخميس في مقر المعهد الأمريكي للسلام بالعاصمة الأمريكية واشنطن، بمشاركة قادة وممثلين عن نحو 40 دولة، في خطوة وصفها بأنها “من أهم المبادرات” التي أطلقتها إدارته هذا العام.
وكان ترامب قد أعلن تأسيس “مجلس السلام” في 15 يناير الماضي، قبل أن يُعتمد الإطار الناظم له بموجب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803 الصادر في نوفمبر 2025، ثم جرى إطلاقه رسمياً وفق متابعات بقش خلال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس الشهر الماضي.
المجلس يُعد جزءاً من خطة أوسع قال ترامب إنها لإدارة المرحلة الانتقالية في غزة بعد اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في 10 أكتوبر 2025، رغم استمرار خرقه.
وحسب الخطة الأمريكية، يتألف الهيكل الإداري الجديد من أربعة مكونات رئيسية: “مجلس السلام”، و”اللجنة الوطنية لإدارة غزة”، و”مجلس غزة التنفيذي”، إلى جانب “قوة الاستقرار الدولية” حسب قراءة بقش، وكان الهدف الأولي للمجلس الإشراف على إعادة الإعمار وإدارة القطاع مؤقتاً، قبل أن يُوسَّع نطاقه ليشمل ملفات نزاعات عالمية أخرى.
تعهدات مالية تتجاوز 17 مليار دولار
في كلمته الافتتاحية، شدد ترامب على أن “السلام كلمة سهلة، لكن تحقيقه صعب”، معتبراً أن اجتماع اليوم هو “الأهم”، ومؤكداً التزام بلاده بـ”ضمان أفضل مستقبل لغزة”. وأعلن أن الولايات المتحدة ستمنح 10 مليارات دولار عبر مجلس السلام، دون تحديد أوجه الصرف التفصيلية، مضيفاً أن تسع دول أعضاء تعهدت بتقديم أكثر من 7 مليارات دولار ضمن حزمة إنقاذ، ليصل إجمالي التعهدات المعلنة إلى ما يزيد على 17 مليار دولار.
وخلال الاجتماع، أعلنت عدة دول مساهماتها المالية، من بينها قطر: مليار دولار، السعودية: مليار دولار خلال السنوات المقبلة، الإمارات: 1.2 مليار دولار، ودول أخرى ضمن المجلس رفعت إجمالي التعهدات إلى أكثر من 7 مليارات دولار.
ترامب وصف كل دولار يُنفق في غزة بأنه “استثمار في الأمل”، معتبراً أن الحرب “انتهت”، ومشيراً إلى أن حركة حماس “ستسلم سلاحها، وإلا ستُواجه بقساوة”، على حد تعبيره، لافتاً إلى أن الحركة ساهمت في جهود البحث عن جثث الرهائن داخل القطاع.
وكان أحد أبرز محاور الاجتماع، الإعلان عن تشكيل “قوة الاستقرار الدولية” في غزة، وقال قائد القوة الجنرال الأمريكي جاسبر جيفيرز إن خمس دول ملتزمة بإرسال قوات، هي إندونيسيا، المغرب، كازاخستان، كوسوفو، وألبانيا، فيما تعهدت مصر والأردن بتدريب عناصر الشرطة.
كما أعلن الرئيس الإندونيسي استعداد بلاده للمساهمة بما يصل إلى 8 آلاف جندي أو أكثر، وتوليها منصب نائب قائد القوة، وأبدى رئيس كازاخستان قاسم جومارت توكاييف استعداد بلاده لإرسال وحدات عسكرية تشمل فرقاً طبية، وذكر وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أن تركيا مستعدة للإسهام في قوة الأمن، فيما أعلن وزير الخارجية المغربي استعداد بلاده لنشر ضباط شرطة في غزة.
في السياق ذاته، كشف منسق مجلس السلام نيكولاي ملادينوف عن فتح باب الانتساب لتشكيل قوة شرطة وطنية فلسطينية “بعيدة عن نفوذ حماس”، مشيراً إلى أن ألفي شخص تقدموا بطلبات انضمام خلال الساعات الأولى فقط.
بالتوازي، أفادت تقارير صحفية تابعها بقش بوجود خطة لدى إدارة ترامب لإنشاء قاعدة عسكرية في غزة تستوعب خمسة آلاف جندي على مساحة تتجاوز 350 فداناً، لتكون مقراً دائماً لقوة الاستقرار متعددة الجنسيات.
مواقف دولية متباينة وتشكيك أوروبي
رغم المشاركة الواسعة، أثار المجلس جدلاً دولياً، فقد أعلنت دول مجلس التعاون الخليجي، ومصر، والأردن، والمغرب، وتركيا، وباكستان، وإندونيسيا، وغيرها مشاركتها في الاجتماع، فيما أعلنت المفوضية الأوروبية إرسال ممثلة عنها لكن دون انضمام رسمي للاتحاد الأوروبي، ما أثار اعتراض باريس.
وقال المتحدث باسم الخارجية الفرنسية إن بلاده فوجئت بمشاركة المفوضية، مؤكداً أن الأخيرة لا تملك تفويضاً لتمثيل الدول الأعضاء، وأن فرنسا لن تنضم إلى المجلس قبل إزالة ما وصفه بـ”الغموض” المحيط به، داعية إلى إعادة تركيز الجهود بما يتماشى مع قرار مجلس الأمن.
أما روسيا فأعلنت أن الدعوة للانضمام إلى المجلس “قيد الدراسة”.
ويرى منتقدون أن المجلس قد يقوض دور الأمم المتحدة ويكرّس مقاربة أحادية في إدارة الأزمات الدولية، فيما دافع وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو عن المبادرة، معتبراً أن المؤسسات الدولية القائمة لم تتمكن من حل أزمة غزة، وأن الحل المقترح قد يشكل نموذجاً لمعالجة أزمات أخرى حول العالم. كما أشاد بجهود المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف والدول المشاركة.
حرص ترامب على إطلاق المجلس من مقر يحمل اسماً قريباً من “مجلس السلام”، في خطوة رآها مراقبون محاولة لإضفاء شرعية ورمزية على المشروع وربطه بإرثه السياسي. كما أعلن عزمه التحدث قريباً مع الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس، دون الكشف عن تفاصيل إضافية.
ومع أن الاجتماع قُدم بوصفه انطلاقة لمرحلة إعادة إعمار واستقرار في غزة، فإن استمرار التوترات الميدانية، والانقسام الدولي حول شرعية المجلس وصلاحياته، يطرحان تساؤلات حول قدرة هذه المبادرة على فرض معادلة جديدة في القطاع، أو تحولها إلى إطار سياسي موازٍ للنظام الدولي القائم.
وبين تعهدات مالية ضخمة، وترتيبات أمنية غير مسبوقة، ومواقف دولية متحفظة، يدخل “مجلس السلام” مرحلته الأولى وسط رهانات كبيرة على نجاحه، مقابل شكوك لا تقل حجماً حول جدواه وفاعليته على المدى البعيد.


