تغطية كاملة: مضيق هرمز على حافة انفجار عالمي.. الحرب على إيران تشعل النفط والغاز وتهزّ شرايين الطاقة العالمية

أخبار الشحن | بقش
تطوُّر دراماتيكي يعيد إلى الأذهان صدمات الطاقة الكبرى في العقود الأخيرة. أسواق النفط والغاز والشحن العالمية دخلت مرحلة اضطراب غير مسبوقة يتتبَّع “بقش” تصاعُدها بشكل متسارع ويومي منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران يوم السبت 28 فبراير، مع توقف حركة الملاحة عبر مضيق “هرمز” الاستراتيجي، الذي يمر عبره 20% من النفط والغاز الطبيعي المسال المستهلَك عالمياً.
التصعيد العسكري اتسع يوم أمس الإثنين مع تنفيذ إسرائيل هجمات على لبنان، ورد إيران بضربات استهدفت بنية تحتية للطاقة في دول الخليج وناقلات نفط داخل مضيق هرمز، بعضها مرتبط بالولايات المتحدة وفق التصريحات الإيرانية، في وقت أفادت فيه وسائل إعلام إيرانية بأن مسؤولاً رفيعاً في الحرس الثوري أعلن إغلاق المضيق فعلياً، محذراً من استهداف أي سفينة تحاول العبور، وقال: “سنحرق أي سفينة تحاول العبور”.
بالتوازي، ألغت شركات تأمين تغطية السفن العابرة من مضيق هرمز، ما دفع ناقلات النفط وسفن الحاويات إلى تجنب الممر المائي، وأدى إلى ارتفاع حاد في أسعار الشحن العالمية للنفط والغاز.
ودفع التهديد المباشر للممر المائي إلى تحذيرات عالمية من أن الخطر لا يقتصر على تعطّل المرور، إذ يمتد إلى احتمال استهداف منشآت طاقة إضافية في المنطقة، بما يفتح الباب أمام انقطاعات أطول أمداً.
غليان النفط والغاز
انعكس هذا التصعيد فوراً على الأسعار، فقد ارتفعت عقود خام برنت بأكثر من 3 دولارات لتصل إلى مستوى 80.89 دولاراً للبرميل، بعد أن لامست خلال الجلسة 82.37 دولاراً، وهو أعلى مستوى منذ يناير 2025. وفي قراءة أكثر تشاؤماً اطلع عليها بقش، توقّع “كومرتس بنك” الألماني أن يتجاوز سعر النفط 100 دولار للبرميل بسبب إغلاق مضيق هرمز، وحذّر أيضاً من اختناقات محتملة في الألمنيوم وتداعيات أوسع على الأسعار العالمية في حال طال أمد الحرب.
أما مؤسسة بيرنشتاين، فرفعت تقديرها لمتوسط سعر برنت لعام 2026 إلى 80 دولاراً بدلاً من 65 دولاراً، لكنها أشارت إلى احتمال قفز الأسعار إلى ما بين 120 و150 دولاراً في سيناريو صراع مطول وشديد.
القلق لم يقتصر على الخام، إذ ارتفعت عقود المنتجات المكررة بقوة، كون الشرق الأوسط مورداً رئيسياً للوقود ومركزاً لمرافق المعالجة. وأُغلقت أكبر مصفاة نفط محلية في السعودية بعد ضربة بطائرة مسيّرة، ما زاد المخاوف من تعطل سلاسل الإمداد.
وفي الولايات المتحدة، قفزت عقود الديزل منخفض الكبريت بنسبة 8.3% على الأقل إلى 3.1404 دولار للغالون، بعد أن سجلت أعلى مستوى لها في عامين، بينما ارتفعت عقود البنزين 3.8% إلى 2.4620 دولار للجالون. وقفزت أسعار الغاز الطبيعي في الولايات المتحدة بأكثر من 6%، إلى 3.147 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، وهو أعلى مستوى لها منذ ثمانية أشهر، مع توقف الإنتاج القطري.
وفي أوروبا، صعدت العقود الآجلة لنفط الغاز 9.2% إلى 967.75 دولاراً للطن المتري، بعدما كانت قد قفزت 18% في الجلسة السابقة حسب تعقُّب بقش لبيانات السوق.
وضع حرج للإمدادات.. والسعودية تبحث عن بدائل لهرمز
على مستوى الإمدادات الفعلية، خفض العراق إنتاجه بنحو 1.5 مليون برميل يومياً، مع احتمال وصول الخفض إلى ثلاثة ملايين برميل يومياً خلال أيام، إذا استمرت ناقلات النفط في العجز عن الإبحار بحرية عبر مضيق هرمز. ويأتي ذلك بعدما بلغت مخزونات النفط في الموانئ الجنوبية مستويات حرجة نتيجة تباطؤ التصدير.
وتم خفض 700 ألف برميل يومياً من حقل الرميلة، و460 ألفاً من غرب القرنة 2، و325 ألفاً من ميسان، الذي كان ينتج 650 ألف برميل يومياً قبل التخفيض، علماً بأن إنتاج العراق بلغ نحو أربعة ملايين برميل يومياً في يناير الماضي.
من جانب آخر، وفي مواجهة المخاطر، تدرس شركة أرامكو السعودية طرقاً بديلة لتصدير الخام لتجنب مضيق هرمز، بما في ذلك استخدام خط الأنابيب الممتد من الشرق إلى الغرب لنقل النفط عبر ساحل البحر الأحمر حسب اطلاع بقش على معلومات رويترز. وقالت الوكالة إن أرامكو أبلغت بعض مشتري خامها العربي الخفيف بتحميل الشحنات من ينبع على البحر الأحمر.
وفي هذا السياق، أعلن وزير البترول المصري كريم بدوي أن مصر يمكنها تسهيل نقل النفط السعودي من ينبع عبر خط أنابيب سوميد إلى البحر المتوسط، ما يعزز دور القاهرة كممر بديل في حال استمرار تعطل هرمز.
وفي مسعى لطمأنة الأسواق، أبلغت وكالة الطاقة الدولية أعضاءها باستعدادها للمساهمة في استقرار السوق، مشيرة إلى أن الدول الأعضاء تمتلك مخزونات طوارئ تزيد عن مليار برميل، ودعت إلى اجتماع في باريس لمناقشة تطورات الشرق الأوسط.
آسيا تستنفر
الأثر امتد سريعاً إلى أسواق الغاز، خصوصاً في آسيا التي استنفرت تجاه الوضع كونها تستحوذ على أكثر من 80% من شحنات الغاز الطبيعي المسال القطري، وفق بيانات شركة كيبلر، ومع توقف الإنتاج القطري بسبب الحرب وقيود الشحن، بدأت دول آسيوية تفعيل خطط الطوارئ واللجوء إلى السوق الفورية.
في الهند، خفضت شركات الغاز إمداداتها للشركات تحسباً لشح الإمدادات، وبدأت نيودلهي ترشيد استخدام الغاز فعلياً. أما تايوان، التي تولد أكثر من 40% من كهربائها من الغاز المسال وتستورد ثلث احتياجاتها من قطر، فأعلنت نيتها شراء المزيد من الولايات المتحدة وربما التنسيق مع كوريا الجنوبية واليابان إذا استمر حظر الشحن.
اليابان، ثاني أكبر مستورد للغاز المسال عالمياً وتستورد 4% من احتياجاتها من قطر، أشارت إلى احتمال اللجوء للسوق الفورية أو تبادل الشحنات بين شركات المرافق. وفي باكستان، التي تستورد كامل احتياجاتها من الغاز المسال من قطر، يجري التخطيط لزيادة الإنتاج المحلي وتقليل معدلات إعادة التغويز، فيما شبّه مسؤولون الوضع بأزمة 2022 عقب غزو روسيا لأوكرانيا، التي شهدت انقطاعات كهرباء واسعة.
وحسب متابعات بقش، قفزت الأسعار الآسيوية القياسية للغاز المسال بنحو 40%.
وتضاعفت أجور شحن ناقلات الغاز الطبيعي المسال في حوض الأطلسي لتتجاوز 200 ألف دولار يومياً، مسجلةً قفزة قياسية بأكثر من ثلاثة أضعاف مستوياتها السابقة في غضون أقل من 24 ساعة، بسبب ارتفاع الطلب على السفن عقب إعلان قطر إغلاق إنتاج الغاز من “رأس لفان”.
في سياق متصل، تباطأت عمليات التزويد في ميناء الفجيرة الإماراتي، وهو أحد أبرز مراكز تموين السفن في المنطقة، بعد تعطل الشحنات وارتفاع الأسعار. وارتفعت العلاوات على الوقود منخفض الكبريت إلى أكثر من 30 دولاراً للطن فوق أسعار سنغافورة، مقارنة بعلاوات بين 10 و15 دولاراً الأسبوع الماضي، فيما تحولت أسعار الوقود عالي الكبريت من خصم إلى علاوة.
ويتوقع متعاملون تحول الطلب إلى موانئ بديلة في آسيا وروتردام والبحر المتوسط وكولومبو والهند، إذا استمرت الناقلات في تجنب الشرق الأوسط أو بقيت السفن عالقة في الخليج.
هذا ولم تتوقف التداعيات عند الطاقة، فقد أفاد محللون ومتداولون بأن بعض مصدري “الصلب” الصينيين أوقفوا تقديم عروض جديدة للعملاء في الشرق الأوسط، بسبب نقص السفن المتاحة للتحميل جراء اضطراب الشحن عبر مضيق هرمز. وأشار متعامل من شرق الصين إلى أن شركات الشحن لا تخصص سفناً للأسواق القريبة من الخليج حالياً، ما يعوق تسعير الشحنات وتقديم عروض جديدة.
مشهد مفتوح على كل الاحتمالات
إجمالاً، يتشكل مشهد شديد التعقيد، يتمثل في اضطراب في شريان الطاقة العالمي، وقفزات في أسعار النفط والغاز والوقود المكرر، وتخفيضات إنتاج قسرية في العراق، وبحث سعودي عن مسارات بديلة، واستعداد دولي للسحب من المخزونات الاستراتيجية، واستنفار آسيوي لتأمين الغاز قبل تكرار سيناريو 2022.
وتسعّر الأسواق حالياً مخاطر التصعيد أكثر مما تسعّر نقصاً فعلياً في الإمدادات، لكن كل يوم إضافي من إغلاق هرمز أو استهداف منشآت طاقة يرفع احتمالات الانتقال من مخاطر محتملة إلى صدمة إمداد حقيقية تغيّر وجه التجارة العالمية وخصوصاً تجارة الطاقة، وتدفع الاقتصاد العالمي إلى مرحلة جديدة من الضغوط التضخمية وعدم اليقين.


