الاقتصاد اليمني
أخر الأخبار

تفاصيل خطيرة حول المتسببين في أزمة السيولة الكبرى في عدن.. أين تبخرت المليارات التي تم ضخها مؤخراً؟

الاقتصاد اليمني | بقش

تشهد مدينة عدن والمحافظات الجنوبية والشرقية تطورات اقتصادية ومالية غير مسبوقة، عنوانها الأبرز “أزمة سيولة محلية” تضرب القطاع المصرفي وسوق الصرافة معاً، وتكشف عن اختلالات عميقة في بنية السياسة النقدية وإدارة المعروض النقدي، رغم عمليات ضخ ضخمة للعملة المحلية خلال الأيام الماضية.

مصادر مالية وخبراء اقتصاد أكدوا أن القطاع المصرفي في عدن يمر بحالة شلل تكاد تكون كاملة، في تطور وُصف بالخطير.

وحسب متابعة “بقش”، فإن المواطنين في عدن عجزوا، لأول مرة، عن صرف ما لديهم من عملات أجنبية لدى شركات الصرافة، حيث رفضت العديد من البنوك وشركات الصرافة شراء الريال السعودي أو الدولار من المواطنين، رغم تراجع أسعار الصرف من 425 ريالاً يمنياً مقابل الريال السعودي إلى 410 ريالات، ورغم ضخ المليارات المطبوعة الأخيرة من الحاويات التي كانت مخزنة في ميناء عدن.

وتزامن هذا المشهد مع حالة اضطراب في سوق الصرافة يوم السبت 14 فبراير، حيث سيطر الحديث عن تراجع سعر صرف الريال السعودي أمام الريال اليمني، خاصة بعد صرف رواتب الموظفين للشهر الماضي بالريال السعودي، ما أدى إلى وفرة في النقد السعودي تجاوزت حجم الطلب عليه مقارنة بالريال اليمني.

ووفق معلومات “بقش”، سعى صرافون إلى بيع ما بحوزتهم من دولارات وريالات سعودية، نتيجة القلق المتزايد من استمرار تحسن سعر صرف الريال اليمني وغياب السيولة المحلية.

ولم يقتصر القلق على الصرافين، بل امتد إلى البنوك التي بدت متحفظة في شراء العملات الأجنبية، ما دفع بنك عدن المركزي إلى عقد اجتماعات مع ممثلين عن جمعية البنوك اليمنية وشركات الصرافة لبحث تداعيات اضطراب السوق، وجاءت الاجتماعات في ظل وفرة النقد الأجنبي.

تعميم ملزم بشراء العملات

في محاولة لاحتواء الأزمة، أصدر بنك عدن المركزي تعميماً عبر جمعية الصرافين، مؤرخاً بتاريخ اليوم الأحد، نص على إتاحة شراء العملات الأجنبية من المواطنين بحسب الحاجة وبسعر 410 ريالات مقابل الريال السعودي.

كما ألزم التعميم الصرافين برفع بيانات المشتريات والتوجه إلى البنوك لإتمام عمليات الشراء بحد أقصى 2000 ريال سعودي لكل عملية، مع التأكيد على أن أي رفض من قبل البنوك لشراء العملات يجب رفعه إلى البنك المركزي، وأن البنوك المخالفة ستكون عرضة للعقوبات.

هذه الإجراءات هدفت، وفق ما جاء في التعميم، إلى تسهيل حصول المواطنين على العملة المحلية وتنظيم تداول النقد الأجنبي في الأسواق، في ظل اختلال واضح في العلاقة بين العرض والطلب.

لعبة مضاربات منظمة

الصحفي الاقتصادي “ماجد الداعري” قال في تصريحات لـ”بقش” إن الأزمة مفتعلة من قبل البنوك وكبار الصرافين، عبر إخفاء العملة المحلية من السوق بهدف إعادة تنشيط المضاربات وتحقيق مكاسب من فروقات الصرف التي خسروها بعد تحسن سعر الريال اليمني من 425 إلى 410 ريالات مقابل الريال السعودي.

ووفقاً لحديث “الداعري”، فإن هذا السلوك يهدف إلى وضع بنك عدن المركزي أمام خيار صعب، إذ يصبح مضطراً لتحريك سعر الصرف في حال عجز عن الإيفاء بالتزاماته الحكومية المرتبطة بالرواتب والخدمات.

وأكد أن التعميم الصادر يلزم البنوك بشراء العملات من الصرافين والمواطنين، وأن أي بنك يمتنع عن ذلك سيواجه إجراءات رادعة.

وكان الداعري تساءل عن مصير المليارات التي ضُخت في السوق، مشيراً إلى أن ما يحدث يبعث على القلق البالغ لكل المهتمين بالشأن الاقتصادي، خاصة في ظل غياب الشفافية بشأن حركة هذه الكتلة النقدية.

وأرجع اقتصاديون جذور الأزمة إلى تدخلات خارجية مباشرة، أبرزها ضخ ملايين الريالات السعودية في السوق المحلية بطرق غير منتظمة، لتمويل التزامات سياسية وعسكرية، من بينها صرف نحو 90 مليون ريال سعودي كمرتبات وهبات لمسؤولين، إضافة إلى تمويل تشكيلات مسلحة عبر ضخ مبالغ كبيرة بالريال السعودي.

وفي تعليق لـ”بقش”، قال المحلل الاقتصادي “أحمد الحمادي” إن هذا الضخ للعملة السعودية أدى إلى إغراق السوق بالنقد الأجنبي مقابل اختفاء شبه تام للسيولة المحلية، ما أحدث اضطراباً حاداً في موازين العرض والطلب، وأفقد السوق استقرارها الطبيعي.

ورأى أن اختلال إدارة المعروض النقدي يهدد بتحويل العملة المحلية إلى أوراق فاقدة لقيمتها الشرائية، ويدفع نحو موجة تضخم حادة قد تنعكس على أسعار السلع والخدمات.

كما أشار إلى أن الشارع اليمني في عدن لا يزال يطرح سؤالاً جوهرياً: لماذا لم تنخفض أسعار السلع والبضائع رغم تراجع سعر صرف الريال السعودي إلى مستوى 410 ريالات؟ مضيفاً أن وفرة النقد الأجنبي بأسعار منخفضة يفترض أن تسهّل على التجار عمليات الاستيراد، لكن الأسواق لا تزال تشهد أسعاراً مرتفعة، ما يعزز المخاوف من وجود تشوهات عميقة في آليات التسعير والرقابة.

نحو أي أفق؟

ما يحدث في عدن أكد حالة من الارتباك النقدي المركب، فثمة وفرة في النقد الأجنبي مقابل شح في السيولة المحلية، وضخ مليارات من العملة المطبوعة التي كانت مخزنة في ميناء عدن، مقابل عجز المواطنين عن السحب والتداول، وتحسن في سعر الصرف يقابله قلق في الأوساط المصرفية.

وأمام هذه المعادلة، يبدو أن الأزمة ليست مجرد خلل عابر في سوق الصرافة، بل نتيجة تراكمات في إدارة السياسة النقدية، وتداخل العوامل المالية والسياسية، وتعدد مراكز النفوذ المؤثرة في حركة السوق.

وتتطلب أي معالجة حقيقية إعادة تنظيم سوق الصرف، وضبط العلاقة بين البنوك والصرافين، وتعزيز الشفافية في إدارة الكتلة النقدية، وربط أي ضخ جديد بخطط واضحة تضمن استقرار الأسعار وحماية القوة الشرائية للمواطنين، حتى لا يتحول تحسن سعر الصرف إلى أزمة سيولة تخنق الاقتصاد وتربك معيشة الناس.

زر الذهاب إلى الأعلى