الاقتصاد العربي
أخر الأخبار

تقشف، إغلاقات، وزيادات أسعار: مصر تعيد ضبط اقتصادها تحت ضغط الحرب

الاقتصاد العربي | بقش

مع دخول الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران شهرها الثاني، لم تعد أصداء الانفجارات حبيسة مضيق هرمز ومياه الخليج، بل ترددت بقوة في أروقة الحكومة المصرية التي وجدت نفسها في سباق مع الزمن لتطويق أزمة اقتصادية زاحفة.

ففي تحرك عاجل يعكس حجم القلق الرسمي، أقرت القاهرة حزمة من التدابير الاستثنائية القاسية الرامية إلى تحصين اقتصادها المحلي المنهك أصلاً، والذي بات مكشوفاً أمام العواصف التضخمية وصدمات أسواق الطاقة العالمية التي أحدثتها هذه المواجهة العسكرية الإقليمية الطاحنة.

لم يكن التحرك المصري مجرد إجراء احترازي روتيني، بل جاء كاستجابة اضطرارية لقفزة مرعبة في الأرقام؛ حيث كشف رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، عن تضاعف فاتورة استيراد الطاقة من 1.2 مليار دولار في شهر يناير الماضي إلى 2.5 مليار دولار خلال شهر مارس الجاري وفق اطلاع “بقش”.

هذا النزيف المفاجئ في العملة الصعبة جاء كنتيجة مباشرة للإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، الذي تمر عبره خُمس إمدادات الطاقة العالمية، وما استتبعه من ارتفاعات قياسية في أسعار النفط والغاز، وتضاعف تكاليف الشحن البحري ورسوم التأمين على السفن التجارية، مما وضع الموازنة العامة للدولة تحت ضغط غير مسبوق.

وأمام هذه المعطيات المتسارعة، تبنت الحكومة استراتيجية ذات مسارين متوازيين: الأول يعتمد على “التقشف الإجباري” وتقليص الاستهلاك المحلي للمحروقات للحد من فاتورة الاستيراد، والثاني يرتكز على محاولة استيعاب الغضب الشعبي المحتمل من خلال إقرار حزم حماية اجتماعية وزيادات في الأجور.

تتزامن هذه التحركات مع تصاعد المخاوف من تسارع معدلات التضخم التي عاودت الارتفاع مسجلة 13.4% في فبراير مقارنة بـ11.9% في يناير حسب قراءة بقش، مما يعكس انتقال عدوى ارتفاع تكاليف الشحن والطاقة إلى أسعار السلع الأساسية في الأسواق المصرية.

تقشف إجباري وترشيد صارم للطاقة

لمواجهة هذا النزيف المالي، لجأت الحكومة المصرية إلى تفعيل أدوات إدارة الأزمات الكبرى، حيث دخل قرار الإغلاق الإجباري لكافة المحال التجارية على مستوى الجمهورية في تمام الساعة التاسعة مساءً حيز التنفيذ الفعلي.

يهدف هذا القرار الجذري إلى خفض الأحمال الكهربائية وتقليل استهلاك الغاز الطبيعي والمازوت في محطات التوليد. وجاءت لغة رئيس الوزراء حاسمة حين اعتبر أنه “لا سبيل أمام الحكومة سوى تطبيق هذا القرار”، مما يعكس انسداد الخيارات السهلة وتوجه الدولة نحو إدارة اقتصاديات الحرب رغم عدم انخراطها المباشر فيها.

وامتدت خطة الترشيد لتشمل شرايين العمل المؤسسي والمشروعات القومية، حيث صدرت توجيهات سيادية بإبطاء وتيرة العمل في المشروعات الكبرى بشكل كامل لمدة شهرين متتاليين، بهدف توفير كميات ضخمة من السولار والبنزين.

ولم تستثنِ الحكومة أجهزتها من هذا التقشف، إذ أُلزمت جميع الهيئات والمؤسسات الحكومية بتخفيض استهلاكها الفعلي من المواد البترولية بنسبة لا تقل عن 30%، في محاولة للحفاظ على المخزون الاستراتيجي للبلاد تحسباً لسيناريوهات إطالة أمد الحرب وانقطاع الإمدادات.

وفي خطوة تعيد للأذهان الإجراءات التي اتُخذت خلال ذروة أزمات سابقة، أعادت القاهرة إحياء نظام “العمل عن بُعد” ليُطبق يوم الأحد من كل أسبوع اعتباراً من الخامس من أبريل المقبل. ويشمل هذا القرار موظفي القطاعين الحكومي والخاص، مستثنياً فقط القطاعات الإنتاجية، والخدمية الحيوية، والمستشفيات. وتلويح الحكومة بإمكانية إضافة يوم ثانٍ للعمل من المنزل إذا استمرت عجلة الحرب في الدوران، يؤكد أن صانع القرار المصري يبني خططه على أسوأ السيناريوهات وأطولها زمناً.

سباق مع التضخم: حزم إنقاذ ودعم دولي مرتقب

على الجانب الآخر من الأزمة، يجد المواطن المصري نفسه في مواجهة مباشرة مع نيران الأسعار المشتعلة. فقد جاءت قرارات الترشيد مصحوبة بموجة من الزيادات الرسمية؛ حيث رُفعت أسعار الوقود والغاز بنسب تراوحت بين 14% و30% في العاشر من مارس الجاري حسب تتبع بقش، وهي الزيادة الثالثة من نوعها خلال عام واحد.

وسرعان ما تبعت هذه الخطوة زيادات مؤلمة في تعريفة النقل العام، طالت تذاكر قطارات السكك الحديدية ومترو الأنفاق بنسب وصلت إلى 25%، مما يهدد بتآكل الطبقة المتوسطة ودفع الفئات الهشة نحو مزيد من المعاناة.

لإحداث توازن في هذه المعادلة الحرجة وتجنب الهزات الاجتماعية، سارعت القيادة السياسية بالإعلان عن خطط إنقاذ مبكرة. فقد أكد مدبولي أن توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي تقضي بإقرار زيادات في أجور جميع العاملين بالدولة اعتباراً من العام المالي المقبل، مع ضمان أن تتجاوز هذه الزيادات معدلات التضخم الحالية. كما خُصصت توجيهات استثنائية لمنح زيادات أكبر للعاملين في قطاعي الصحة والتعليم، في محاولة لبناء شبكة حماية اجتماعية تمتص الصدمات الارتدادية لرفع الدعم التدريجي وتكلفة الطاقة.

وسط هذه الأجواء الملبدة بالغيوم، جاء طوق النجاة المالي من الخارج عبر مؤسسات التمويل الدولية. فقد أعلن صندوق النقد الدولي عن جدولة المراجعتين السابعة والثامنة لبرنامج “التسهيل الممدد”، بالإضافة إلى مراجعات برنامج “المرونة والاستدامة”، تمهيداً لضخ شريحة تمويلية ضخمة تبلغ 3.3 مليار دولار في شرايين البنك المركزي المصري.

هذا الضخ المرتقب، والذي تدعمه تأكيدات حكومية بعدم وجود أزمة حالية في تدبير الدولار بالبنوك، يوفر للقاهرة غطاءً نقدياً حيوياً لتلبية احتياجات الاستيراد الأساسية وتجاوز عنق الزجاجة المالي الذي فرضته الحرب.

وأشارت تناولات بقش إلى أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران برزت كاختبار قاسٍ لمرونة الاقتصاد المصري وقدرة مؤسساته على المناورة في حقول الألغام الإقليمية. فرغم أن المدافع تدوي على بعد آلاف الكيلومترات، إلا أن ارتداداتها تضرب بقوة في قلب العاصمة المصرية، محولةً أزمات الشحن العالمي وتقلبات أسعار النفط إلى تحديات يومية تمس رغيف الخبز، وتكلفة المواصلات، والموازنة العامة للدولة المنهكة بفعل تراكمات سابقة.

ومع ذلك، يظل نجاح روشتة “التقشف والإنقاذ” التي تبنتها القاهرة مرهوناً بعامل خارجي لا تملك مصر السيطرة عليه، وهو المدى الزمني لهذه الحرب. فإذا نجحت الجهود الدبلوماسية في نزع فتيل الأزمة قريباً، قد تمر هذه الإجراءات كغيمة صيف عابرة.

زر الذهاب إلى الأعلى