
تقارير | بقش
في سياق الصراع على الموارد والثروة، تمر محافظة حضرموت اليوم بمرحلة غير مسبوقة من التوترات السياسية والعسكرية والقبلية، تكشف ملامح صراع مركّب يتنامى يوماً بعد آخر، إذ اشتعلت في الوقت الراهن نيران مواجهة محتملة تتداخل فيها عناصر النفوذ العسكري، والادعاء الشرعي في تمثيل حضرموت، والتحركات القبلية، والتدخلات الخارجية، والانقسامات الداخلية، وصولاً إلى حالة استنفار معلنة بين مختلف الأطراف.
اليوم الخميس، أعلن حلف قبائل حضرموت عن تفويض كامل لقوات حماية حضرموت للتحرك ميدانياً ضد ما يسميه “القوات القادمة من خارج المحافظة”، ففي الاجتماع الاستثنائي في منطقة العليب، أعلن رئيس الحلف الشيخ عمرو بن حبريش أن أي تموضع لقوات “غير حضرمية” داخل المحافظة هو تجاوز يستوجب التعامل معه.
وجاء ذلك بعد أن هدد صالح بن الشيخ أبوبكر “أبو علي الحضرمي” قائد ما يسمى “قوات الدعم الأمني” التابعة للمجلس الانتقالي المدعوم من الإمارات، حيث هدد بن حبريش واتهم حلف قبائل حضرموت بقطع الطرقات وتجارة المخدرات، متوعداً بقطع طريق الإمدادات عن قوات الحلف، وأبدى استعداد قواته للهجوم على قوات الحلف، انطلاقاً من رؤيته أن حضرموت مرتبطة بما تسمى “دولة الجنوب العربي” التي يريد المجلس الانتقالي إنشاءها في جنوب وشرق اليمن.
نبرة تحدٍّ
رئيس حلف قبائل حضرموت، ووكيل المحافظة، عمرو بن حبريش، أكد أن حضرموت لن تكون ساحة لـ”تموضع أجنبي” أو لقوات تنتحل صفة “النخبة الحضرمية”. ووفق متابعة بقش بدا هذا التصريح كخطاب تعبئة يمنح التفويض الكامل لقوات حماية حضرموت للتحرك دون قيود.
والبيان الختامي للحلف وضع الجهات الإقليمية، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، أمام صورة واضحة للتهديدات، متهمًا القوات القادمة بأنها
“مدعومة خارجياً”، وداعياً الرياض للتدخل قبل انزلاق الوضع نحو مواجهة مفتوحة.
الحلف أعلن دخول مكوناته في حالة استنفار، مع انتشار وحداتها في مناطق الهضبة والحدود الشرقية، لمنع “تكرار سيناريوهات الاضطراب” التي شهدتها محافظات أخرى. واتهم الحلف حكومة عدن بدعم “القوات المهاجمة”، معتبراً ذلك تهديداً مباشراً لأمن واستقرار حضرموت.
وأُقر تشكيل غرفة عمليات مرتبطة بقوات حماية حضرموت، ما يرفع من احتمالات حدوث صدام مباشر مع الطرف الآخر المتمثل في القوات المدعومة من المجلس الانتقالي.
إعلان “مقاومة حضرمية”
وأعلن بن حبريش عن تشكيل “مقاومة حضرمية”، ما يعني الانتقال من وضعية الدفاع القبلي التقليدي إلى حرب أوسع، بغية استهداف “القوات من خارج حضرموت”.
ودعا بن حبريش عناصر النخبة الحضرمية إلى الالتحاق بهذه المقاومة وإخراج “القوات غير الحضرمية” من معسكراتها.
واتهم بن حبريش قوات من خارج حضرموت بأنها تتستر باسم “النخبة الحضرمية”، كما دعا قيادات النخبة لعدم التستر عليها معتبراً ذلك “غير أخلاقي وغير قانوني”. وهي دعوة تمثل شقاً صريحاً داخل البنية العسكرية للمحافظة، وتضع عناصر النخبة في موقف حساس بين التبعية الرسمية والولاء المحلي.
قرارات تعبئة شاملة
في منطقة العلِبب بهضبة حضرموت، عُقد اجتماع قبلي ضخم جمع المقادمة والمشايخ والمناصب والوجهاء. تمت في الاجتماع وفق اطلاع بقش مناقشة “التهديدات الأمنية الطارئة”، وخطر دخول “أعداد كبيرة من القوات القادمة من محافظات أخرى” وانتشارها في مواقع كانت سابقاً تحت إدارة النخبة الحضرمية.
وفي خطابه، أكد بن حبريش أن حضرموت مستهدفة “كأرض وثروة”، وأنها تواجه تهديداً يتجاوز الأشخاص والقيادات، داعياً لعدم التستر على “المغالطات”.
وأقر اللقاء التوجه نحو المقاومة بالطرق كافة للدفاع عن حضرموت وثرواتها، ودعوة أبناء حضرموت لتلبية “نداء الواجب الوطني”، إضافةً إلى دعوة قيادات النخبة للالتحاق بأهلهم وأن لا يكونوا “أداة لتسهيل مهام جهات طامعة”.
ومثلت هذه المفردات إعلان تعبئة عامة، وأسست لخارطة مواجهة على مستوى المجتمع والقبيلة.
انقسام داخل الحلف
لكن بقراءة أخرى، لم يعد الصراع فقط مع القوات القادمة من خارج المحافظة، بل وصل إلى انقسام داخل الحلف نفسه. إذ سبق وأعلنت اللجنة التحضيرية موقفاً جديداً ودعت إلى هيكلة الحلف، داعيةً إلى عزل الشيخ عمرو بن حبريش من رئاسة الحلف خلال لقاء سابق في منطقة العيون.
واتُّهم بن حبريش بارتكاب تجاوزات واستغلال الحلف لتحقيق مصالح شخصية، وذلك بالتزامن مع تكشف دعم السعودية لتحركاته في المحافظة.
وعُدَّ ذلك تطوراً خطيراً، إذ إن الحلف الذي أعلن الاستنفار والتعبئة يجد نفسه داخلاً في أزمة قيادة، ما يضيف طبقة جديدة من التعقيد للمشهد، حيث ثمة انقسام داخلي حول الشرعية القبلية، وصراع بين تيارين: تيار يساند بن حبريش، وآخر يتهمه باحتكار الحلف.
بيان لـ”الانتقالي” يؤلّب ضد الحلف
تابع بقش بياناً صادراً عن ما يسمى “ثوار شباب حضرموت” بالوادي والصحراء، تابع للمجلس الانتقالي، دعا إلى المشاركة في فعالية وصفها بـ”المليونية الكبرى” يوم الأحد 30 نوفمبر الجاري، بمدينة سيئون – شارع الستين، إحياءً للذكرى الـ58 لعيد الاستقلال الوطني المجيد. ودعا البيان كافة أبناء حضرموت إلى حضور الفعالية وقال إنها “تمثل أهمية كبيرة في مسار القضية الجنوبية والتعبير عن إرادة أبناء حضرموت الحرة واستجابةً لدعوة الرئيس القائد عيدروس الزبيدي رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي” وفقاً للبيان.
وطالب البيان بإخراج قوات المنطقة العسكرية الأولى من وادي وصحراء حضرموت وإحلال قوات النخبة الحضرمية، وذكر أن “ثوار شباب حضرموت” متمسكون بتمكين أبناء حضرموت الكامل من إدارة شؤون محافظتهم، مع رفض العبث بثروات حضرموت، ورفض أي تشكيلات أو قوات غير شرعية خارج المؤسسات العسكرية المعترف بها، في إشارةٍ إلى الحلف.
البحسني يدخل على الخط.. تحذير من “أخطر مرحلة في حضرموت منذ عقود”
اللواء فرج البحسني، عضو المجلس الرئاسي والمحافظ السابق لحضرموت، أصدر بياناً اطلع عليه بقش يدعو فيه إلى التهدئة ويحذر من الصراع الداخلي.
البحسني قال إن حضرموت تمرّ بمرحلة هي “الأخطر منذ عقود”، وإن المحافظة تُساق نحو صراع “يشتت الصف ويضرب الأمن”. واتهم من يدفع نحو التصعيد بأنه يشعل الفتن، ويجرّ الناس لمعركة بلا رابح، ويتعامل مع حضرموت كـ “غنيمة”، ويفتح الباب للفوضى التي “لن يسلم منها أحد”.
واعتبر البحسني أن استعراض القوة والتحشيد الإعلامي لن يقود إلا لمزيد من الانقسام والخسارة، ودعا إلى الحوار باعتباره الطريق الوحيد لحماية حضرموت، وقال إن المحافظة يجب أن تبقى بعيدة عن “صراع المحاور والولاءات الضيقة”.
وربط البحسني بين الصراع في حضرموت والصراع الوطني الأوسع، معتبراً أن الوضع الإقليمي الحساس يجعل أي انزلاق في حضرموت كارثياً. ورأى أن “حضرموت لن تُحمى إلا بأهلها، ومن يجرّها للفتنة لن ينجح”.
الوضع الراهن يخلص إلى أن في المشهد الحضرمي عدداً من الفاعلين المسلحين، أبرزهم حلف قبائل حضرموت، قوات حماية حضرموت، قوات النخبة الحضرمية، القوات القادمة من خارج حضرموت، مكونات قبلية مسلحة. وبالنظر إلى التحركات العسكرية والاستنفار وفتح غرف عمليات، فإن هناك احتمالية لاشتداد الصراع وإشعال فتيل ما لا تُحمد عقباه.
وتشير التقديرات إلى أن حضرموت باتت في قلب صراع متعدد الأطراف، وسط تحالفات داخلية مقابل اتهامات بالتدخل الخارجي، ومقاومة يُعلَن عنها، وقوات تُستدعى، واجتماعات قبلية متتابعة، وانقسامات كبيرة، وتضارب بيانات شرعية، وتحذيرات من فتنة داخلية.
استمرار هذا المسار دون تدخل عقلاني سيحوّل التوتر إلى مواجهة مفتوحة حسب المحللين، وقد تكون حضرموت حينها أمام فصل جديد من الصراع اليمني، لكن في سياق شديد التعقيد، وهو ما يطرح الآن تساؤلاً حول هل تتدحرج الأمور نحو الأسوأ أكثر؟


