تقارير
أخر الأخبار

رهان السيادة الصعب: كيف أصبحت غرينلاند اختباراً لتماسك الناتو أمام ضغوط واشنطن؟

تقارير | بقش

في ظل المشهد الجيوسياسي المتوتر الذي يفتتح به عام 2026 فصوله، لم تعد القمم الجليدية في غرينلاند مجرد كتل باردة في الدائرة القطبية الشمالية، بل تحولت إلى ساحة ساخنة لصراع نفوذ غير مسبوق بين الحلفاء أنفسهم. ففي سابقة دبلوماسية نادرة، وجدت حكومة نوك (عاصمة غرينلاند) نفسها مضطرة للاحتماء بمظلة حلف شمال الأطلسي (الناتو) ليس لصد عدوان خارجي من الشرق، بل لتحصين سيادتها أمام الأطماع المتجددة لقائد التحالف نفسه، الولايات المتحدة، التي يبدو أنها تتعامل مع الجغرافيا السياسية بمنطق الصفقات العقارية.

التحركات الأخيرة التي كشف عنها مكتب رئيس وزراء غرينلاند في وقت متأخر من مساء الاثنين، تشير بوضوح إلى استشعار الخطر الوجودي في الجزيرة الأكبر في العالم. فالدعوة الصريحة لتدويل الدفاع عن الجزيرة ووضعه تحت الوصاية الجماعية للناتو تمثل محاولة ذكية لخلط الأوراق أمام إدارة الرئيس دونالد ترامب؛ حيث يسعى الائتلاف الحكومي في غرينلاند، بالتنسيق الوثيق مع الدنمارك، إلى تحويل أي تحرك أمريكي أحادي للاستحواذ على الجزيرة إلى أزمة تمس أمن الحلف بأسره، بدلاً من إبقائها مسألة ثنائية يمكن لواشنطن فيها الاستفراد بالطرف الأضعف.

وتأتي هذه المناورات الدبلوماسية الدقيقة كسابق إنذار قبل ساعات من الاجتماع المرتقب والحاسم في واشنطن، والذي سيجمع وزراء خارجية الدنمارك وغرينلاند مع نظيرهم الأمريكي ماركو روبيو. هذا الاجتماع، الذي تصفه الأوساط الأوروبية بأنه محاولة “لنزع فتيل القنبلة”، لا يبدو أنه سيكون نزهة دبلوماسية، إذ تشير التقارير التي تتبَّعها مرصد “بقش” من “بلومبيرغ” إلى أن الإدارة الأمريكية لم تتراجع قيد أنملة عن رغبتها في وضع اليد على الجزيرة، وهو ما يقابله رفض قاطع ومبدئي من السكان الأصليين وحكومتهم، الذين يرون في العرض الأمريكي إهانة لمبدأ تقرير المصير.

وحسب اطلاع بقش، فإن المفارقة الصارخة في هذا المشهد تكمن في أن الولايات المتحدة، التي نصبت نفسها لعقود حامية للنظام العالمي الليبرالي وسيادة الدول، تمارس اليوم نوعاً من الضغوط التي تذكرنا بحقبة الاستعمار الكلاسيكي، حيث كانت الأراضي والشعوب تباع وتشترى كسلع في أسواق النخاسة السياسية. ومع تزايد التفاؤل الأوروبي الحذر بإمكانية الوصول إلى “تسوية”، يبقى السؤال الجوهري معلقاً: كيف يمكن التوصل إلى حل وسط عندما يكون المطلب هو إلغاء وجود دولة، والعرض المقابل هو مجرد شيك مالي؟

درع “الناتو” في مواجهة “التاجر” الأمريكي

تسعى حكومة غرينلاند من خلال بيانها الأخير إلى إعادة تعريف علاقتها الأمنية مع العالم، فبدلاً من الاعتماد التقليدي على المظلة الأمريكية المباشرة أو الدنماركية المحدودة، تدفع نوك باتجاه استراتيجية “الدفاع الجماعي”. النص الذي خرج من مكتب رئيس الوزراء والذي يؤكد أن “جميع دول الناتو تتقاسم مصلحة مشتركة في الدفاع عن غرينلاند”، يحمل في طياته رسالة مبطنة لواشنطن مفادها أن الجزيرة ليست حديقة خلفية لأحد، وأن أي مساس بوضعها القانوني هو مساس باستقرار الجناح الشمالي للحلف بأكمله.

هذا التكتيك الدبلوماسي يعكس قلقاً عميقاً من أن تكون الضمانات الثنائية لم تعد كافية لكبح جماح الطموحات الأمريكية. ففي العرف الدبلوماسي السائد داخل أروقة الائتلاف الحكومي في الجزيرة، أصبح يُنظر إلى الوجود العسكري الأمريكي -الذي كان تاريخياً يعتبر ضمانة أمنية- على أنه قد يتحول إلى “رأس حربة” لمشروع الاستحواذ. لذا، فإن الإصرار على أن يجري الحوار وتطوير الدفاعات “ضمن إطار الناتو” هو محاولة لفرض رقابة أوروبية جماعية على السلوك الأمريكي في القطب الشمالي.

من جانبها، تجد الدنمارك نفسها في موقف لا تحسد عليه، محاصرة بين واجبها الدستوري في حماية وحدة أراضي المملكة، وبين ضرورة الحفاظ على علاقاتها مع الحليف الأمريكي الأقوى. تحذيرات رئيسة الوزراء الدنماركية ميتي فريدريكسن من أن محاولات الاستحواذ ستقوض التحالف، لم تكن مجرد تصريحات للاستهلاك الإعلامي، بل تعبيراً عن مخاوف حقيقية من تصدع الناتو إذا ما قررت واشنطن تغليب منطق “الصفقة” على مبادئ التحالف، مما قد يدفع دولاً أخرى للتشكيك في جدوى الحماية الأمريكية.

الجغرافيا كسلعة.. جذور الهوس الأمريكي بالجزيرة

لا يمكن قراءة الإصرار الأمريكي المتجدد على “شراء” غرينلاند بمعزل عن التحولات الاستراتيجية في القطب الشمالي، وعن العقلية التجارية التي تحكم البيت الأبيض حالياً. فبالنسبة لإدارة ترامب، لا تمثل غرينلاند مجرد أمة أو شعب، بل هي “أصل عقاري” استراتيجي غير مستغل. الثروات الهائلة من المعادن الأرضية النادرة، والموقع الحاكم الذي يطل على ممرات الشحن الجديدة التي يفتحها ذوبان الجليد، بالإضافة إلى قاعدة “ثول” الجوية الحيوية، كلها عناصر تجعل الجزيرة -في نظر واشنطن- جائزة لا تقدر بثمن في سياق التنافس المحموم مع الصين وروسيا.

لكن ما يغيب عن الحسابات الأمريكية هو أن الزمن قد تجاوز فكرة “شراء الدول” وفق قراءة بقش. النبرة الأمريكية التي تتحدث عن “خيارات قوية” و”رغبة مؤكدة” تعكس انفصالاً عن الواقع السياسي للقرن الحادي والعشرين، وتعيد إحياء نهج “عقيدة مونرو” بشكل متطرف ليشمل القطب الشمالي. المسؤولون في نوك كانوا حاسمين في ردودهم بأن بلادهم منفتحة على التجارة والاستثمار، لكنها “ليست للبيع”، وهو تمييز جوهري يبدو أن الإدارة الأمريكية تجد صعوبة في استيعابه وسط حماسها الاستثماري.

هذا “الهوس” بالسيطرة المباشرة بدلاً من الشراكة المتكافئة يكشف عن أزمة عميقة في النظرة الأمريكية لحلفائها الصغار. فالتعامل مع غرينلاند كملحق جغرافي يمكن نقله من سيادة الدنمارك إلى سيادة الولايات المتحدة بمجرد توقيع شيك، يضرب بعرض الحائط إرادة الشعب الغرينلاندي الذي صوت لصالح حكم ذاتي موسع ويمضي بخطى ثابتة نحو الاستقلال الكامل. إنها مواجهة بين طموحات إمبراطورية متجددة وبين حق تقرير المصير، وهي معركة لا يمكن حسمها بالدولار فقط.

حراك أوروبي لاحتواء “تسونامي” واشنطن

في محاولة لتدارك الموقف قبل خروجه عن السيطرة، تكثفت الاتصالات الأوروبية مع واشنطن، حيث برز الدور الألماني كوسيط محتمل لتقريب وجهات النظر. تصريحات وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول عقب لقائه بروبيو، والتي أعرب فيها عن تفاؤله بالوصول إلى “تسوية”، تشير حسب متابعة بقش إلى أن أوروبا تبحث عن حل يحفظ ماء وجه واشنطن دون التضحية بسيادة غرينلاند. وقد تتضمن هذه التسوية تعزيزاً للوجود الاقتصادي والعسكري الأمريكي في الجزيرة، ولكن تحت سقف السيادة الدنماركية-الغرينلاندية، وليس بديلاً عنها.

ومع ذلك، يظل الصمت الرسمي من جانب وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو مقلقاً، حيث لم يصدر أي تأكيد أمريكي للتراجع عن فكرة الاستحواذ الكامل. هذا الغموض يلقي بظلاله الثقيلة على الاجتماع الثلاثي المرتقب، ويجعل من “التسوية” الأوروبية المأمولة هدفاً صعب المنال إذا ما أصر الجانب الأمريكي على مطالبه القصوى. الخشية الأوروبية تكمن في أن فشل الدبلوماسية قد يدفع ترامب لتنفيذ تهديداته بمعاقبة أعضاء الناتو أو تقليص التزاماته الدفاعية، مما يجعل غرينلاند مجرد ورقة في مساومة أوسع.

التوتر الحالي يضع العلاقات عبر الأطلسي في اختبار صعب. فبينما تحاول العواصم الأوروبية استيعاب السياسات الأمريكية المتقلبة، فإن المساس بالحدود السيادية لدولة أوروبية (عبر الدنمارك) يمثل خطاً أحمر. تدرك أوروبا أن القبول بمبدأ “بيع الأقاليم” تحت الضغط السياسي سيفتح باباً للفوضى الدولية لا يمكن إغلاقه، ولذلك فإن دعم موقف غرينلاند والدنمارك ليس مجرد تضامن، بل هو دفاع عن القواعد الأساسية التي قام عليها النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية.

في التحليل النهائي، تكشف أزمة غرينلاند عن الوجه العاري للسياسة الواقعية في أقصى تجلياتها فظاظة، حيث تتصادم المصالح الاستراتيجية للقوى العظمى مع طموحات الشعوب الصغيرة. إن لجوء غرينلاند إلى الناتو لحمايتها من الولايات المتحدة هو سخرية القدر التي تلخص حالة التخبط في المعسكر الغربي؛ حيث أصبح مصدر التهديد هو نفسه مصدر الحماية المفترض، مما يضع مفهوم “الأمن الجماعي” أمام تحدٍ أخلاقي وعملي غير مسبوق قد يترك ندوباً دائمة في جسد الحلف.

وعلى الرغم من الحديث عن “تسويات”، فإن الجوهر الاستعماري للمطلب الأمريكي لا يمكن تجميله. إن الرغبة في شراء جزيرة مأهولة بشعب له ثقافته وتاريخه وحكومته، تعكس نظرة فوقية ترى في العالم مجرد موارد بانتظار الاستغلال. وحتى لو تم التوصل إلى اتفاق يهدئ العاصفة الحالية، فإن الشرخ الذي أحدثته هذه التهديدات في جدار الثقة بين واشنطن وحلفائها الشماليين سيكون من الصعب ترميمه، وقد يدفع غرينلاند لتسريع خطوات استقلالها التام للخروج من دائرة التجاذبات.

أخيراً، يبدو أن الدرس الأهم من هذه الأزمة هو أن الجغرافيا لا تزال هي سيدة الموقف، وأن القطب الشمالي سيكون ساحة الصراع الكبرى في العقود القادمة. ولكن، بخلاف الحقب الماضية، لم يعد من الممكن رسم الخرائط في الغرف المغلقة وتجاهل إرادة السكان المحليين. إن صمود الموقف الغرينلاندي-الدنماركي حتى الآن يثبت أن السيادة، حتى بالنسبة للدول الصغيرة، ليست سلعة قابلة للتداول في بورصة السياسة الأمريكية، مهما بلغ حجم الإغراءات أو التهديدات.

زر الذهاب إلى الأعلى