أخبار الشحن
أخر الأخبار

سابقة تاريخية في أسواق الطاقة: كيف تجاوز النفط الروسي خام برنت لأول مرة؟

أخبار الشحن | بقش

شهدت أسواق الطاقة العالمية تطوراً غير مسبوق تمثّل في بيع النفط الروسي من نوع الأورال بسعر أعلى من خام برنت عند التسليم إلى الموانئ الهندية، وهي سابقة تاريخية لم تحدث من قبل، ويأتي ذلك وسط الاضطرابات الجيوسياسية المتصاعدة بعد اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وإغلاق مضيق هرمز، ما أدى إلى إعادة ترتيب مفاجئة في خريطة الطلب العالمي على النفط، وخصوصاً في آسيا.

وحسب اطلاع “بقش” على البيانات، جرى بيع خام الأورال الروسي في السوق الهندية بسعر يزيد بنحو 4 إلى 5 دولارات للبرميل فوق خام برنت عند التسليم خلال مارس وبداية أبريل، ويعد هذا التحول استثنائياً، إذ اعتاد النفط الروسي منذ عام 2022 أن يباع بخصم كبير مقارنة ببرنت نتيجة العقوبات الغربية المفروضة على موسكو عقب الحرب الأوكرانية.

وخلال السنوات الماضية، أعادت روسيا توجيه جزء كبير من صادراتها النفطية إلى آسيا، خصوصاً الهند والصين، بعد أن حظر الاتحاد الأوروبي معظم وارداته من النفط الروسي، وبفضل الخصومات الكبيرة تحولت المصافي الهندية إلى واحد من أكبر المشترين للنفط الروسي.

الحرب على إيران تقلب معادلة السوق

لكن اندلاع الحرب الأخيرة في الشرق الأوسط وتوقف حركة الشحن عبر مضيق هرمز، أحد أهم شرايين تجارة الطاقة العالمية، أحدث صدمة في أسواق النفط، وأدى تعطل الإمدادات من الخليج إلى زيادة الطلب على مصادر بديلة يمكن نقلها بطرق أخرى، وفي مقدمتها النفط الروسي المتجه إلى آسيا.

وفي هذا السياق، قال الكرملين الروسي إن الحرب على إيران أدت إلى زيادة كبيرة في الطلب على النفط والغاز الروسي، في ظل سعي المستوردين الآسيويين لتأمين إمدادات مستقرة بعيداً عن منطقة الصراع.

وعكست الأرقام حجم التغيرات التي شهدتها السوق خلال أيام قليلة، فقد ارتفع سعر خام برنت فوق 90 دولاراً، بأكثر من 25% خلال أسبوع، بينما قفز سعر خام الأورال الروسي بوتيرة أسرع بكثير.

ووفق الحسابات التي جمعها بقش، ارتفع السعر الفعلي للأورال بنحو 50% ليصل إلى 68.6 دولاراً للبرميل مقارنة بنحو 45.7 دولاراً قبل الأزمة، على أساس الشحن من ميناء بريمورسك الروسي على بحر البلطيق. كما تقلص الخصم الذي كان يميز النفط الروسي مقارنة ببرنت بنحو 5 دولارات ليصل إلى نحو 20 دولاراً للبرميل على أساس التسليم على متن السفينة، وهو ما يعبر عن تحسن القدرة التفاوضية للمصدرين الروس.

هذا الارتفاع دفع سعر خام الأورال أيضاً إلى تجاوز سقف السعر الذي فرضته مجموعة السبع والبالغ 60 دولاراً للبرميل عند نقطة التحميل، للمرة الأولى منذ يوليو الماضي. كما تجاوز السعر السقف الذي حدده الاتحاد الأوروبي والبالغ 44.10 دولاراً للبرميل، ويعني تجاوز هذه الحدود أن بعض شحنات النفط الروسي قد لا تتمكن من استخدام خدمات الشحن والتأمين الغربية المرتبطة بآلية العقوبات، ما يعني اتساع الاعتماد على شبكات النقل والتأمين غير الغربية التي بنتها موسكو خلال السنوات الماضية.

دلالات اقتصادية مفاجئة

يحمل هذا التطور عدة دلالات مهمة في أسواق الطاقة العالمية، أبرزها الخلل المؤقت في نظام التسعير العالمي، فخام برنت يُعد المؤشر القياسي لتسعير معظم النفط في العالم، لذلك فإن بيع خام آخر بسعر أعلى منه يعد ظاهرة غير مألوفة تعكس اضطراباً في العرض والطلب بسبب الأزمات الجيوسياسية.

كما تشير التطورات إلى صعود أهمية آسيا في تجارة الطاقة، فالأسواق الآسيوية، وعلى رأسها الهند والصين، أصبحت مركز الثقل الجديد لتجارة النفط الروسي، ما يمنحها نفوذاً أكبر في تحديد الأسعار واتجاهات السوق.

ويبدو أن موقع روسيا يتعزز كمورد بديل، فإغلاق مضيق هرمز وتعطل صادرات الخليج يجعل النفط الروسي خياراً استراتيجياً لبعض الدول، خاصة إذا كان متاحاً عبر طرق نقل بعيدة عن مناطق الحرب.

ويشير ارتفاع أسعار النفط الروسي فوق السقوف المحددة (الأمريكية والأوروبية) إلى أن آلية تحديد الأسعار التي فرضتها الدول الغربية قد تصبح أقل تأثيراً في ظل تحولات السوق العالمية.

وبالتوازي مع تطورات سوق النفط، تدرس روسيا أيضاً إعادة توجيه صادرات الغاز الطبيعي المسال من أوروبا إلى آسيا، وسط خطط الاتحاد الأوروبي للتخلص تدريجياً من واردات الطاقة الروسية. وقال نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك في تصريحات تابعها بقش إن شركات الطاقة الروسية تبحث بالفعل إبرام عقود طويلة الأجل مع دول آسيوية مثل الهند والصين وتايلاند والفلبين.

هذا ويمثل تجاوز خام الأورال الروسي سعر برنت حدثاً نادراً في سوق النفط، ويترجم مدى حساسية تجارة الطاقة للتوترات الجيوسياسية، كما يكشف عن تغيرات أعمق في توازنات السوق، حيث تزداد أهمية آسيا كمركز للطلب، بينما تواصل روسيا إعادة توجيه صادراتها بعيداً عن أوروبا، وفي حال استمرار الحرب قد يصبح هذا التحول أكثر من مجرد ظاهرة مؤقتة، بل إشارة إلى مرحلة جديدة في نظام تسعير وتجارة النفط العالمية.

زر الذهاب إلى الأعلى