الاقتصاد العالمي
أخر الأخبار

شحّ الفضة يعيد رسم خريطة الملاذات الآمنة عالمياً

الاقتصاد العالمي | بقش

يبدو أن سوق الفضة العالمية تشهد واحدة من أكثر مراحلها اضطراباً في العقود الأخيرة، مع تداخل غير مسبوق بين اختناقات الإمداد، وتصاعد الطلب الاستثماري الفردي، وتنامي المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية التي دفعت المعدن الأبيض إلى واجهة المشهد بوصفه ملاذاً آمناً بديلاً، في عالم يتآكل فيه اليقين النقدي.

وخلافاً للدورات التقليدية التي كان فيها الطلب الصناعي أو المؤسسي هو المحرّك الرئيسي لأسعار الفضة، تشير التطورات الأخيرة التي يتتبَّعها مرصد “بقش” إلى أن المستثمرين الأفراد باتوا القوة الأكثر تأثيراً في السوق.

فمن الصين إلى تركيا، ومن الهند إلى كوريا الجنوبية وسنغافورة، تتكرر الظاهرة نفسها، وهي نفاد سريع للسبائك والعملات الصغيرة، واصطفاف طويل للمشترين، واستعداد لدفع علاوات سعرية مرتفعة تفوق الأسعار المرجعية العالمية.

هذا التحول يعكس تغيراً عميقاً في سلوك المستثمر الفردي، الذي لم يعد يرى الفضة مجرد أصل ثانوي، بل أداة تحوّط مباشرة ضد تقلبات العملات، وتآكل القوة الشرائية، واضطراب النظام المالي الدولي.

اختناقات الإمداد تضغط على المصافي والبنوك

الارتفاع الحاد في الطلب كشف هشاشة سلسلة الإمداد العالمية للفضة، لا سيما في فئة السبائك الصغيرة الأكثر طلباً، وفق اطلاع بقش على ما نشرته وكالة “بلومبيرغ”. فمعظم المصافي مصممة تاريخياً لإنتاج سبائك كبيرة مخصصة للتسوية في البورصات العالمية، وليس لتلبية شهية المستثمرين الأفراد.

وقد أدى شح الإمدادات الذي تفجّر في أكتوبر 2025 حسب تتبُّع بقش، إلى استنزاف المخزونات في مراكز رئيسية، من لندن إلى شنغهاي، تاركاً السوق دون “هامش أمان” فعلي. ورغم محاولات التعافي الجزئي في بعض المخزونات، سرعان ما تراجعت المستويات مجدداً مع استمرار وتيرة الشراء المرتفعة.

وتشير إفادات من داخل القطاع إلى أن بعض المصافي اضطرت إلى إعادة ضخ سبائك قديمة بدرجات نقاء متفاوتة في التداول، في مؤشر مقلق على عمق الفجوة بين العرض والطلب.

آسيا في قلب العاصفة السعرية

برزت الأسواق الآسيوية بوصفها بؤرة مركزية لهذا التحول، فقد قفزت أسعار الفضة في شنغهاي إلى مستويات تفوق الأسعار العالمية، حتى بعد احتساب ضريبة القيمة المضافة المرتفعة، ما يعكس شدة الطلب المحلي واستعداده لتحمل كلفة أعلى.

وفي كوريا الجنوبية، نفدت سبائك الكيلوغرام الواحد من دار سك العملة خلال أقل من ساعة، بينما شهدت سنغافورة طوابير امتدت لعشرات الدقائق، في مشهد يعيد إلى الأذهان أزمات السلع النادرة أكثر مما يشبه سلوك أسواق المعادن التقليدية.

وأحد أخطر ما يميز الوضع الحالي هو ما يسميه المحللون “صلابة الطلب”، فغالبية مشتريات الفضة من قبل الأفراد تُنفذ نقداً بالكامل، وليس عبر الرافعة المالية. وهذا يعني أن تراجع الأسعار إن حدث قد لا يؤدي إلى موجة بيع، بل على العكس، قد يتحول إلى فرصة شراء إضافية.

هذا السلوك يمنح السوق طابعاً مختلفاً عن الفقاعات السريعة، ويجعل التنبؤ بانعكاس الاتجاه أكثر تعقيداً، لأن المشترين غير مضطرين للتخارج تحت ضغط التمويل أو متطلبات الهامش.

ولم يكن العامل النفسي بعيداً عن المشهد، فقد أسهم الالتباس الذي رافق تحديث سياسة صينية تتعلق بتراخيص التصدير في أكتوبر الماضي في تعزيز تصورات شح المعروض، بعدما فُسرت القواعد –خطأً– على أنها حظر أو تقييد جديد.

هذا النوع من المعلومات المضللة، حين يتقاطع مع سوق تعاني أصلاً من نقص فعلي في الإمدادات، يتحول إلى وقود إضافي لموجات الشراء الاندفاعي، ويضاعف من حدة التقلبات السعرية.

الفضة في سياق انهيار اليقين النقدي

مع عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى خطاب تصعيدي يزعزع النظام الدولي القائم على القواعد، وتجدد الهجمات على المؤسسات النقدية، وتراجع الثقة في الدولار، تبدو المعادن النفيسة من بين الخيارات القليلة المتاحة للتحوط.

في هذا المناخ، لا تُشترى الفضة فقط بوصفها معدناً، بل كـ”موقف” من النظام المالي العالمي، ورسالة شكّ في استدامة الترتيبات النقدية القائمة حسب تحليل بلومبيرغ.

السؤال الجوهري لم يعد ما إذا كانت أسعار الفضة سترتفع، بل ما إذا كان زخم الشراء الفردي سيصمد مع استمرار الصعود. وحتى الآن، لا تظهر مؤشرات قوية على تراجع الشهية، في ظل غياب بدائل استثمارية مقنعة، وتزايد الشعور بأن الاحتفاظ بالسيولة النقدية يحمل مخاطر أكبر من الاحتفاظ بالمعدن.

ويرى خبراء في القطاع أن استمرار هذا الزخم قد يدفع السوق إلى إعادة تسعير هيكلية للفضة، لا تقوم فقط على أساسات العرض والطلب التقليدية، بل على دورها الجديد كملاذ نفسي واقتصادي في آن واحد.

بالنتيجة، يبدو أن ما يحدث في سوق الفضة ليس مجرد دورة صعود عابرة، بل تحوّل أعمق في نظرة المستثمرين الأفراد إلى المخاطر والملاذات. فشح الإمدادات، وصلابة الطلب، واضطراب المشهد السياسي العالمي، كلها عوامل تتضافر لتمنح المعدن الأبيض مكانة متقدمة في خريطة الاستثمار العالمي، وقد تجعل من عام 2026 محطة مفصلية في تاريخه الحديث.

زر الذهاب إلى الأعلى