الاقتصاد العربي
أخر الأخبار

شريان بديل في زمن الأزمات: كيف حافظت السعودية على تدفق النفط والتجارة تحت الضغط؟

الاقتصاد العربي | بقش

مع دوي الانفجارات الأولى للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، لم تكن الأسواق العالمية وحدها من يحبس أنفاسه، بل كانت العواصم الخليجية تراقب بقلق بالغ تعطل أحد أهم الشرايين المائية في العالم. لقد فرضت حالة الإغلاق شبه الكامل لمضيق هرمز واقعاً جيوسياسياً واقتصادياً معقداً، وضع دول الجوار أمام اختبار بقاء حقيقي لسلاسل إمدادها، وتدفقات طاقتها التي تعتمد عليها اقتصاداتها بشكل كلي، لتبرز أهمية البنى التحتية البديلة التي طالما نُظر إليها كاستثمارات مكلفة غير ضرورية في أوقات السلم.

في خضم هذه العاصفة، بدا أن المملكة العربية السعودية كانت تمتلك هوامش مناورة أوسع نسبياً مقارنة بجيرانها وفق متابعة “بقش”، ليس بفضل معجزة اقتصادية طارئة، بل نتيجة تفعيل عملي لشبكة لوجستية متعددة المسارات جرى تأسيس بعضها منذ حقبة الثمانينات، وتحديث البعض الآخر ضمن خطط التنوع الاقتصادي الأخيرة.

هذا التحصين المسبق، والذي تجلى في إعادة توجيه مسارات النفط والتجارة والغذاء نحو البحر الأحمر والمسارات البرية، شكل حائط صد أولي خفف من حدة الصدمة المباشرة للحرب على الأسواق المحلية والإقليمية.

ورغم محاولات الخطاب الرسمي السعودي، على لسان وزراء المالية والنقل ومسؤولي صندوق الاستثمارات العامة، طمأنة المستثمرين وتأكيد متانة الاقتصاد في مواجهة الأزمات، إلا أن القراءة الموضوعية للأحداث تشير إلى أن المملكة كانت تدير “أزمة بقاء اقتصادي” لا استعراضاً للقوة.

فالأرقام المجمعة والمؤشرات التي يتتبَّعها بقش، رغم إيجابيتها الظاهرية في الحفاظ على التصنيف الائتماني والنمو المتوقع من صندوق النقد الدولي، تعكس حالة من الاستنفار القصوى لتشغيل كل مسار بديل متاح، هرباً من الاختناق البحري الذي فرضته آلة الحرب في الخليج.

شريان النفط البديل والهروب من الجغرافيا المحاصرة

في الأزمات الكبرى، تسقط النظريات وتبقى الأنابيب على الأرض هي من يتحدث. شكل خط أنابيب “شرق-غرب” (بترولاين) طوق النجاة الأبرز للرياض في تجاوز تداعيات إغلاق مضيق هرمز الذي يمر عبره عادة نحو 20 مليون برميل يومياً.

هذا الخط، الذي تبلغ طاقته الاستيعابية 5 ملايين برميل يومياً مع إمكانية زيادتها تكتيكياً عبر تحويل خطوط الغاز، مكّن السعودية من ضخ نفطها الخام من الحقول الشرقية المحاصرة جغرافياً، وتوجيهها مباشرة إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، ومنه إلى الأسواق الغربية دون الحاجة للمرور في مرمى النيران.

هذا التحول الجذري في مسارات الطاقة رصدته شبكة بلومبيرغ، التي كشفت بياناتها التي اطلع عليها بقش عن قفزة هائلة في تدفقات النفط عبر هذا الخط خلال الأسابيع الأولى من الحرب في مارس، مسجلة نحو 3.8 مليون برميل يومياً، مقارنة بأقل من مليون برميل في الأشهر التي سبقت اندلاع النزاع.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل أظهرت منصات تتبع السفن التابعة لـ شبكة بلومبيرغ أيضاً تسارعاً في وتيرة التحميل من محطتي ينبع الشمالية والجنوبية لتصل إلى قرابة 4.4 مليون برميل يومياً، في سباق مع الزمن للوصول إلى الطاقة القصوى للخط البالغة 5 ملايين برميل.

بموازاة هذه التحركات، لعبت المخزونات الاحتياطية دوراً حاسماً في استقرار الإمدادات وتجنب الهلع في الأسواق. فقد استندت وكالة “إس آند بي” في تثبيتها للتصنيف الائتماني للسعودية عند “A+” إلى سعة تخزينية ضخمة تناهز 30 مليون برميل داخلياً، فضلاً عن مرونة إضافية توفرها مصافي ومرافق تخزين سعودية في الخارج، مثل “موتيفا” في أمريكا و”إس-أويل” في كوريا الجنوبية. هذه الأصول الخارجية شكلت خط دفاع ثانٍ سمح لصناع القرار النفطي بامتصاص الصدمة الأولى دون الاضطرار لخفض دراماتيكي في العقود الآجلة.

إعادة رسم خارطة التجارة والأمن الغذائي

لم يكن النفط الهاجس الوحيد، فالأمن الغذائي لدول الخليج التي تستورد 85% من احتياجاتها، كان مهدداً بشكل مباشر حسب قراءة بقش. استجابة لذلك، تحولت موانئ الساحل الغربي السعودي (جدة الإسلامي، الملك عبدالله، وينبع) من مجرد بوابات عبور تقليدية إلى منصات إقليمية لإعادة توزيع البضائع.

وسارعت هيئة الموانئ لربط هذه المنافذ بخمسة خطوط ملاحية عالمية جديدة بالتعاون مع عمالقة الشحن مثل “ميرسك” و”CMA CGM”، لاستيعاب التدفقات القادمة من أوروبا وآسيا عبر قناة السويس، بعيداً عن الخليج العربي الملتهب.

وبعد تفريغ الشحنات على البحر الأحمر، انطلقت أسطول من آلاف الشاحنات لإنقاذ سلاسل الإمداد الخليجية، محولة الأراضي السعودية إلى ممر بري رئيسي لإيصال السلع إلى الكويت والبحرين والإمارات وعُمان. هذا الاعتماد المتسارع على الشحن البري رافقه إطلاق ممرات لوجستية عاجلة، كممر “الشارقة – الدمام”، وتوسيع الاعتماد على السكك الحديدية التي تضاعفت أهميتها فجأة، حيث وفرت قطارات “سار” قدرة نقل عالية الكفاءة تجاوزت 400 حاوية للقطار الواحد، مما خفف العبء قليلاً عن الطرق البرية المكتظة.

ورغم أن هذه الحلول نجحت في إبقاء الأرفف ممتلئة والمصانع قيد التشغيل، إلا أن التكلفة كانت باهظة. فقد أشار تقرير لبلومبيرغ إلى أن طول المسافات البديلة وتكدس الحاويات أديا إلى ارتفاع حاد في تكاليف الشحن ورأس المال العامل للشركات.

وقد دفع هذا الواقع الجديد الشركات نحو سباق محموم لتأمين مساحات تخزين ومستودعات داخل السعودية، في تحول استراتيجي من سياسة “الاستيراد عند الحاجة” إلى بناء مخزونات آمنة بالقرب من الأسواق تحسباً لإطالة أمد الحرب.

الحلول الجوية وسؤال التنسيق المسبق

تجاوزت ارتدادات الحرب المسطحات المائية لتغلق مساحات واسعة من المجال الجوي الإقليمي، ما فرض قيوداً خانقة على حركة الطيران التجاري والشحن الجوي. في هذا السياق، لجأت شركات الطيران إلى حلول تشغيلية استثنائية تمثلت في اتخاذ مطارات سعودية داخلية كمحطات بديلة أو مناطق توقف آمنة.

مطارات في شمال المملكة، كـ”القيصومة”، وُضعت على خارطة الطيران الإقليمي فجأة لتفادي التحليق فوق مناطق الاشتباك النشطة، مما أتاح استمرارية لرحلات الركاب وشحن البضائع الحساسة التي لا تحتمل تأخير النقل البحري أو البري.

ورغم نجاح هذه الآليات اللوجستية، المتزامنة مع قوة اقتصادية مكنت البنك المركزي السعودي من الحفاظ على أصول أجنبية صافية تقارب 1.7 تريليون ريال، إلا أن هذا الأداء السلس في بيئة حرب مشتعلة أثار تساؤلات عميقة في الأوساط الصحفية والاستخباراتية.

فالسرعة الفائقة التي تم بها تحويل ملايين البراميل وتأمين مئات الخطوط البرية، والجاهزية التامة للموانئ الغربية، تبدو وكأنها خطوات كُتبت نصوصها قبل إطلاق الرصاصة الأولى.

هنا، تبرز تحليلات سياسية وأمنية متقاطعة – وإن كانت غير مؤكدة رسمياً – ترجح أن السعودية كانت على علم مسبق، أو في الأقل في حالة تنسيق أمني واستراتيجي وثيق مع الولايات المتحدة الأمريكية منذ اللحظات التي سبقت اتخاذ قرار الحرب على إيران.

هذا التنسيق المحتمل هو ما منح الرياض نافذة زمنية حاسمة لترتيب أوراقها اللوجستية والاقتصادية بشكل مسبق، لكنه يبقى في دائرة التكهنات والتحليلات الجيوسياسية التي تقرأ ما بين سطور الجاهزية المفرطة في منطقة تعتاد دائماً على التخبط عند أول أزمة.

في المحصلة، لا يمكن إنكار أن الاستثمارات التي وُصفت يوماً بأنها “بنية تحتية مكلفة” قد أنقذت الاقتصاد السعودي ومعه جزء كبير من سلاسل الإمداد الخليجية من انهيار محقق خلال الأسابيع الأولى لهذه الحرب الطاحنة.

لقد أثبتت منظومة الأنابيب، والموانئ الغربية، والشبكات البرية أنها خط الدفاع الأول الحقيقي، متجاوزة لغة الأرقام والتصنيفات الائتمانية لتصبح أدوات جيو-اقتصادية حادة لإدارة الأزمات والصمود في وجه الاختناق الملاحي.

زر الذهاب إلى الأعلى