الاقتصاد العربي
أخر الأخبار

شلل بحري واعتماد بري: اقتصادات الخليج رهينة الجغرافيا والنقل البري بعد إغلاق هرمز

الاقتصاد العربي | بقش

أسقطت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ورقة التوت الأخيرة عن اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي، كاشفة عن هشاشة هيكلية وعمق الانكشاف الجيوسياسي لهذه الدول بمجرد تعطل الملاحة في مضيق هرمز.

ففي غضون أسابيع قليلة من اندلاع شرارة الصراع، تبخرت صورة المراكز اللوجستية العالمية التي طالما روجت لها عواصم خليجية، ليحل محلها واقع جغرافي قاسٍ ومحاصر. ووفقاً لتقرير حديث اطلع عليه “بقش” لبلومبيرغ، فإن إغلاق هذا الشريان المائي الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية وحجم هائل من التجارة البينية، حوّل مياه الخليج إلى بحيرة مغلقة ومحفوفة بالمخاطر، مما وضع دولاً كالإمارات والكويت والبحرين أمام شبح الشلل الاقتصادي التام.

في ظل العجز الواضح للغطاء الأمني الأمريكي في عهد الرئيس دونالد ترامب عن تأمين ممرات بحرية آمنة للسفن التجارية وسط هذا التصعيد، وجدت دول الخليج نفسها حبيسة جغرافيتها الضيقة، وباتت خطوط الإمداد البرية عبر الأراضي السعودية هي الرئة الوحيدة التي تمنع اختناق أسواقها بالكامل.

تسجيل عبور 88,109 شاحنات عبر المنافذ الجمركية السعودية باتجاه دول مجلس التعاون خلال 25 يوماً فقط (من 01 إلى 25 مارس الجاري)، وفقاً لبيانات “هيئة الزكاة والضريبة والجمارك” السعودية، لا يُعد مؤشراً على ازدهار تجاري، إذ هو انعكاس صارخ لحالة الطوارئ القصوى والتبعية المطلقة للمنافذ البرية لتعويض الشلل البحري الذي ضرب موانئها.

فهذه الأرقام تكشف عن خلل استراتيجي عميق في بنية اقتصادات دول الجوار. رغم مئات المليارات التي أُنفقت على تشييد موانئ ومطارات عملاقة، أثبتت الأزمة أن هذه البنى التحتية تفقد قيمتها الفعلية بمجرد إغلاق مضيق واحد.

لقد أجبرت الأزمة هذه الدول على التخلي عن كبريائها اللوجستي والاعتماد بشكل مهين على الشاحنات البرية لتأمين أبسط الاحتياجات اليومية والسلع الاستراتيجية، مما يطرح تساؤلات وجودية حول قدرة هذه الدول على الاستمرار أو الصمود في وجه صراعات إقليمية ممتدة دون الارتهان الكامل للعمق الجغرافي السعودي.

لغة الأرقام: انكشاف كارثي وشلل في موانئ الترانزيت

تشير الإحصائيات الجمركية -التي تتبَّعها بقش- بشكل فاضح إلى حجم الكارثة التي تضرب دولة الإمارات، التي طالما اعتبرت موانئها، وتحديداً جبل علي، مراكز ترانزيت لا غنى عنها في خريطة التجارة العالمية. ومع تعطل الملاحة، تصدرت الإمارات قائمة الوجهات البرية بـ41,229 شاحنة دخلت أراضيها عبر منفذ البطحاء.

هذا الرقم الضخم يمثل اعترافاً ضمنياً بتوقف الشرايين البحرية لدبي وأبوظبي، واضطرارهما لاستيراد البضائع القادمة من موانئ البحر الأحمر وتمريرها براً لإنقاذ أسواقهما المحلية من الانهيار، مما ينسف سردية التفوق والاعتماد الذاتي اللوجستي.

الوضع في بقية الدول لا يقل قتامة؛ فدولة الكويت، التي يعتمد اقتصادها بشكل شبه كلي على موانئها الشمالية في الخليج، وجدت نفسها في عزلة خانقة دفعتها للاعتماد على 15,692 شاحنة محملة بالبضائع عبر منفذي الخفجي والرقعي.

وبالمثل، تحولت مملكة البحرين إلى جزيرة محاصرة بالكامل لولا جسر الملك فهد الذي عبرت منه 13,486 شاحنة. هذه الأرقام تؤكد أن موقع هذه الدول الجغرافي بات يمثل نقطة ضعفها القاتلة، وأنها تتحول تدريجياً إلى اقتصادات “مغلقة” لا تملك مفاتيح بقائها.

وحتى قطر التي استقبلت 11,227 شاحنة عبر منفذ سلوى، وسلطنة عمان بـ 6,475 شاحنة عبر منفذ الربع الخالي، انضمتا إلى طابور الدول التي تكافح لضمان استمرار سلاسل الإمداد. وقد تجلى حجم اليأس والارتباك الإقليمي في القرارات العاجلة والترقيعية التي اضطرت منظومة النقل لدول مجلس التعاون لاتخاذها، مثل رفع العمر التشغيلي المسموح به للشاحنات إلى 22 عاماً، والسماح بدخول الشاحنات المبردة فارغة لنقل البضائع. هذه الإجراءات ليست سوى محاولات بائسة لمنع انهيار منظومة النقل البري التي تئن تحت وطأة ضغط لا تستطيع تحمله على المدى الطويل.

الانهيار اللوجستي: من مراكز عالمية إلى مستودعات معزولة

على الصعيد البحري، كشفت الأزمة عن اضطرار دول الخليج لإعادة هيكلة خطوط إمدادها بشكل قسري نحو موانئ البحر الأحمر وميناء الدمام. هذا التحول لم يكن خياراً، بل ضرورة لتفادي مصيدة هرمز.

ولتدارك تكدس البضائع التي لم تعد قادرة على الوصول بحراً إلى وجهاتها الخليجية، تم تخصيص مناطق تخزين وإعادة توزيع داخل ميناء الملك عبدالعزيز بالدمام، مع منح إعفاءات من أجور التخزين تصل إلى 60 يوماً حسب اطلاع بقش. هذه الخطوة تعكس مدى تكدس البضائع وعجز الدول الوجهة عن استلامها، مما حوّل أراضيها إلى مجرد مستودعات معزولة عن العالم الخارجي.

ولم يقتصر الشلل على البحر، بل امتد ليفضح هشاشة قطاع الطيران والمطارات العملاقة في المنطقة. فمع تحول الأجواء إلى مناطق غير آمنة، اضطرت أكثر من 300 رحلة للناقلات الخليجية للاحتماء والتشغيل عبر المطارات السعودية.

والأكثر دلالة على الانهيار اللوجستي هو اللجوء إلى حلول بدائية لإجلاء أكثر من 25 ألف مسافر عبر 900 حافلة من المنافذ البرية. هذا المشهد يمثل ضربة قاصمة لسمعة قطاع الطيران الخليجي، الذي وجد نفسه عاجزاً عن تأمين حركة المسافرين في أول اختبار عسكري حقيقي.

وفي محاولة يائسة لترقيع هذه الفجوات العميقة، تم إطلاق 4 خطوط ملاحية جديدة في ميناءي جدة والملك عبدالله، وتدشين خط يربط الشارقة بالدمام وأم قصر بالبحرين، إلى جانب إعلان “الخطوط الحديدية السعودية” عن ممر لوجستي دولي يربط الموانئ الشرقية بمنفذ الحديثة.

هذه التحركات، المدعومة بأسطول بري يضم 500 ألف شاحنة سعودية، لم تُقرأ كإنجاز تكاملي، إنما كعمليات إنعاش قلبي رئوي لاقتصادات دول جارة فقدت السيطرة تماماً على ممراتها الدولية، وباتت مجرد محطات استهلاك تعتمد كلياً على شرايين الآخرين.

ما سيترتب على هذه الأزمة سيمتد لسنوات؛ فدول مثل الإمارات والكويت والبحرين باتت تدرك الآن أن أمنها الغذائي والتجاري معلق بخيط رفيع يتمثل في بوابات حدودية برية. هذا الواقع يفرض على دول الخليج مواجهة حقيقة قاسية: نموذجها الاقتصادي الحالي شديد الهشاشة، وأن أي حديث عن استقلال استراتيجي أو ريادة لوجستية هو مجرد سراب في ظل ارتهانها المطلق لجغرافيا الخنق والتبعية.

زر الذهاب إلى الأعلى