الاقتصاد اليمني
أخر الأخبار

عودة الحكومة إلى عدن.. بين التوجيهات الرئاسية والواقع الأمني المعقد

الاقتصاد اليمني | بقش

صدرت توجيهات جديدة عن رئيس المجلس الرئاسي رشاد العليمي، قضت بعودة الحكومة الجديدة برئاسة شائع الزنداني إلى عدن، وهو ما أعاد ملف “الحضور الحكومي في الداخل” إلى صدارة المشهد السياسي.

وقُدّم القرار -الذي لم يتم الإعلان عنه رسمياً حتى الآن- بوصفه خطوة نحو محاولة تعزيز الأداء المؤسسي ومتابعة الأوضاع الخدمية والاقتصادية عن قرب، بعد أن أثبت أداء الحكومات والمسؤولين في الخارج عدم جدواه وعدم تحقيقه تقدماً يُذكر في إطار الأوضاع الصعبة وفق تقارير مرصد “بقش”.

وفتح توقيت وطبيعة البيئة الأمنية والسياسية الباب أمام تساؤلات وشكوك، عبّر عنها مراقبون يرون أن العودة قد تكون شكلية أو محفوفة بالمخاطر، وسط واقع لا يزال بعيداً عن الاستقرار.

وحسب مصادر حكومية تحدثت لوسائل إعلام محلية، فقد شددت التوجيهات الرئاسية على ضرورة العودة العاجلة للحكومة إلى عدن، والعمل من الداخل لتكثيف الجهد الميداني وتسريع معالجة الملفات الخدمية والاقتصادية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه وتحسين الأوضاع المعيشية، وكذا أهمية تفعيل أداء الوزارات وتعزيز التنسيق بين المؤسسات.

وعكست هذه التوجهات، من حيث الشكل، إدراكاً لضرورة الوجود الحكومي داخل البلاد، بعد سنوات من العمل عن بُعد أو من الخارج، وهو مطلب طالما رفعه الشارع في عدن ومحافظات أخرى.

مهلة 100 يوم للحكومة

في السياق نفسه، قال نائب وزير الخارجية مصطفى نعمان إن الحكومة الجديدة -التي تم تشكيلها بدعم من السعودية- ستباشر عملها من عدن بكامل طاقمها، باستثناء رئيس المجلس الرئاسي الموجود في زيارة رسمية إلى ألمانيا، وذلك بعد أن أدت الحكومة اليمين الدستورية في 09 فبراير 2026 في مقر السفارة اليمنية بالرياض.

ووضع نعمان ما وصفه بـ”خارطة طريق” لعمل الحكومة، مشدداً على أن الأمن هو المدخل الأول لأي نجاح، وأنه من دون تثبيت الوضع الأمني لن يكون بالإمكان تحقيق أي إنجازات خدمية أو تنموية. كما دعا إلى منح الحكومة مهلة 100 يوم قبل الحكم على أدائها.

ورغم التأكيد الرسمي المتكرر على أولوية الأمن، شكك محللون في قدرة الحكومة على فرض مقاربة أمنية موحدة في عدن، في ظل تعدد الأجهزة والتشكيلات المسلحة، واستمرار نفوذ قوى محلية لا تخضع بالكامل لسلطة الحكومة.

وقال المصرفي في عدن “سليم مبارك”، في حديث لـ”بقش”، إن عدن لا تزال مدينة ذات سيادة أمنية منقوصة، حيث تنتشر تشكيلات عسكرية وأمنية متعددة الولاءات، بعضها يرتبط بالمجلس الانتقالي الجنوبي، الذي ورغم تفكيكه وتحجيمه برعاية سعودية، لا يزال يحتفظ بنفوذ عسكري فعلي وقاعدة شعبية مؤثرة في الشارع الجنوبي.

وأقرّ نائب وزير الخارجية بصعوبة مهمة توحيد القوات العسكرية والأمنية، مؤكداً ضرورة دمجها تحت قيادة واحدة، ومنع عملها بأجندات خارجية أو بصورة مستقلة عن الحكومة. وأشار، في حوار صحفي اطلع عليه بقش، إلى أن هذا الملف طُرح منذ توقيع اتفاق الرياض في نوفمبر 2019، الذي نصّ صراحة على دمج قوات المجلس الانتقالي ضمن القوات المسلحة اليمنية.

لكن هذا الملف ظل حبراً على ورق طوال السنوات الماضية، على حد تعبير المصرفي مبارك، قائلاً إن عودة الحكومة إلى عدن دون حسم مسألة السلاح والقيادة الأمنية تعني عملياً عودة إلى بيئة سبق أن أثبتت عجزها عن حماية الحكومة نفسها، فضلاً عن حماية المواطنين.

صعوبة تحييد الانتقالي بالكامل

بدوره يرى المحلل الاقتصادي “أحمد الحمادي” أن أن المجلس الانتقالي، رغم كل التغييرات السياسية الأخيرة، ما يزال رقماً في معادلة عدن، إذ إن له حضور عسكري على الأرض، ونفوذ اجتماعي في قطاعات واسعة من المجتمع الجنوبي، وشبكة مصالح أمنية وإدارية تجعل تجاوزه أو تحييده الكامل أمراً بالغ الصعوبة في المدى المنظور.

ويضيف في تعليق لـ”بقش” أن الإعلان عن “حل المجلس الانتقالي في الرياض” لا ينعكس بالضرورة على الواقع الميداني، وهو ما يجعل السيطرة الأمنية للحكومة غير مكتملة، إن لم تكن هشّة.

وفي محاولة لاحتواء التعقيدات الجنوبية، تحدث نعمان عن جهود لتشكيل لجنة تحضيرية للحوار الجنوبي الجنوبي، برعاية سعودية، على أن تُطرح القضايا الخلافية لاحقاً على طاولة الحوار، وتُناقش مخرجاته مع بقية القوى اليمنية.

ويطرح ذلك تشكيكاً في قدرة هذا المسار على توفير بيئة مستقرة لعمل الحكومة في عدن على المدى القريب، خصوصاً مع عودة الخطاب الانفصالي إلى الواجهة، وتعدد الرؤى داخل الجنوب نفسه، حيث لا يحظى خيار الانفصال بإجماع جنوبي كامل، وفق ما أقر به نعمان.

عودة رمزية أم ممارسة فعلية للسلطة؟

السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه في هذه المرحلة، يدور حول ما إذا كانت عودة الحكومة إلى عدن ستكون عودة حقيقية لممارسة السلطة، أم مجرد حضور رمزي محدود الحركة والتأثير.

وينظر الحمادي إلى أن الوضع الأمني غير المستقر، وتعدد مراكز القوة، وتراجع الخدمات الأساسية، قد يؤدي إلى أن تجد الحكومة نفسها مقيدة وعاجزة عن تنفيذ قراراتها، أو مضطرة للتكيف مع واقع مفروض عليها، بدلاً من أن تكون هي من يفرض معادلة الدولة.

بالنتيجة يُعتقد أن عودة الحكومة إلى عدن قد تكون خطوة سياسية مهمة من حيث المبدأ، لكنها لا تزال محفوفة بالمخاطر وسط الواقع الأمني والسياسي الراهن، ما يعني عدم اكتمال السيطرة الحكومية بشكل تام، وتعدُّد الأجندات، وبالتالي صعوبة الجزم بأن عدن باتت بيئة آمنة ومستقرة لعمل حكومة كاملة الصلاحيات.

وبين الرغبة الرسمية في استعادة الدولة من الداخل، والتحفظات الواقعية التي يطرحها الميدان، تبقى عودة الحكومة إلى عدن امتحاناً لمدى قدرة السلطة المدعومة من السعودية على التحول من إطار سياسي هش إلى سلطة فاعلة تمسك بزمام الأمن والخدمات، لا بالتصريحات وحدها، بل بالسيطرة الفعلية على الأرض.

زر الذهاب إلى الأعلى