
أخبار الشحن | بقش
تمر صناعة الشحن العالمية بلحظة مفصلية مع إعلان كبرى شركات النقل البحري “ميرسك” الدنماركية و”CMA CGM” الفرنسية و”زيم” الإسرائيلية نيتها استئناف العبور عبر “البحر الأحمر”، بعد قرابة عامين من التحويلات الطويلة حول رأس الرجاء الصالح.
بينما يَعتبر البعض أنّ توقف التوترات البحرية يشكّل نقطة تحول، يبقى السؤال المطروح: هل العودة إلى البحر الأحمر ستكون مؤثرة بالفعل في سوق حاويات يواجه أزمات بنيوية أكثر خطورة من مجرد مسار ملاحي؟
توقف الهجمات لا يعني عودة الاستقرار
وفق اطلاع بقش على تقرير جديد لموقع “لويدز ليست” البريطاني لتحليلات الشحن، أعلنت قوات صنعاء عن وقف الضربات على السفن التجارية، وهو موقف عُزّز بتصريحات اللواء يوسف المداني الذي ربط أي استئناف للهجمات باستئناف الحرب الإسرائيلية على غزة. ونتيجة لذلك، شهدت حركة المرور عبر باب المندب أعلى مستوياتها خلال 18 شهراً في أكتوبر الماضي.
ورغم ذلك، يعتبر محلّلون أن الانطباع بعودة الأمن هشّ، وأن الاختبار الحقيقي سيكون عودة الطوابير الطويلة إلى نقطة الاختناق الملاحي. ورغم أن بعض الشركات بدأت خطوات فعلية، مثل عبور سفينة CMA CGM Benjamin Franklin تحت حماية فرنسية، فإن الحذر ما زال سيد الموقف.
في نفس الوقت، شركة ميرسك تبدو “حريصة” على العودة الكاملة، بينما شركة زيم الإسرائيلية تخطط للعودة “بأسرع ما يمكن” وفقاً للتقرير.
لكن خلف هذه التصريحات تقف حسابات أعقد، فشركات الحاويات استفادت من التحويلات الطويلة التي التهمت جزءاً كبيراً من الطاقة الاستيعابية الفائضة عالمياً، وساعدت على إبقاء أسعار النقل في مستويات أعلى مما كانت ستؤول إليه في الوضع الطبيعي.
ولذلك يرى بعض المحلّلين أن تأجيل العودة كان وسيلة تكتيكية لامتصاص الفائض الهائل في السعة التشغيلية إلى حين تكيّف السوق مع التدفقات القادمة.
المشكلة في دفتر الطلبات
التقرير يشبّه التمسك بالتحويلات بأنه “معالجة جرح ناتج عن طلق ناري بضمادة لاصقة” فقط، وهو تشبيه ملائم لوضع السوق. ويشير إلى أن دفتر الطلبات في أعلى مستوى بالتاريخ. ومن المتوقع دخول قرابة مليوني حاوية نمطية (TEU) سنويًا حتى نهاية 2027، وهذا يعني زيادة تاريخية في السعة، تتجاوز بكثير معدلات نمو الطلب العالمي.
وبعد نمو مؤقت خلال تبادل “الضربات التجارية” بين ترامب والصين، بدأت أحجام التداول تتراجع مجدداً، ما يعني فائض سعة متفاقم، وتراجع أسعار الشحن، ومنافسة أكبر بين الشركات.
التقديرات تشير إلى انخفاض عالمي في أسعار النقل بنسبة تصل إلى 25% في عام 2026 حتى لو لم تعد الشركات للبحر الأحمر.
ويبدو أن شركات الحاويات اختارت أخيراً مواجهة الحقيقة، وهي أن الخطر الأكبر قادم، وسيحدث سواء عبرت السفن من رأس الرجاء الصالح أو من البحر الأحمر.
وهناك طرح يقول إن الأفضل للسوق أن يتحمل الصدمة الآن بدلاً من تمديد الألم لأعوام، إذ إن عودة الملاحة ستكشف الحجم الحقيقي للفائض، والأسعار ستتراجع بشدة، لكن هذا ضروري لإعادة توازن السوق، والتحويلات أكسبت الشركات وقتاً، لكنها لم تغيّر المسار البنيوي.
في المقابل، هناك اتجاه يرى أن العودة يجب أن تحدث عندما يتراجع الطلب الموسمي في 2026 لتخفيف الازدحام المتوقع في الموانئ الأوروبية عند بدء تدفقات الشحن شمالاً.
ويرى محللون أن الثقل الهائل لدفتر الطلبات بدأ يُسقط أي فرصة لمعجزة جديدة، وحتى لو عاد العالم إلى أزمة جيوسياسية جديدة، فإن فائض السعة القادم ضخم لدرجة يصعب امتصاصه.
توقعات 2026
يتوقع محللو صناعة الشحن عودة الملاحة للبحر الأحمر في 2026، ويقول البعض إن النصف الأول قد يشهد هذه العودة، بينما يرى آخرون أن النصف الثاني من 2026 هو الخيار الأكثر ترجيحاً.
النتيجة الاقتصادية المتوقعة لذلك هي انخفاض أسعار الشحن بنسبة تتراوح بين 20 و25% عالمياً، وتكدس السفن في الموانئ الأوروبية بسبب الموجة العائدة من آسيا، وارتفاع معدلات التخريد مع خروج سفن قديمة غير مجدية اقتصادياً، وحدوث اندماجات واستحواذات متوقعة بين شركات متوسطة، إضافةً إلى ضغط كبير على شركات الشحن الأصغر المعتمدة على أسعار مستقرة، والتحول إلى سفن أكثر كفاءة لمواجهة أسعار الوقود المرتفعة.
وحسب اطلاع بقش، فإن عودة الملاحة ستخفّض تكاليف التشغيل والوقت، لكن التحدي الحقيقي للسوق ليس أمن البحر الأحمر، بل فائض سعة تاريخي، وتراجع الطلب، ومنافسة سعرية شرسة متوقعة، وضعف قدرة الشركات على ضبط المعروض.


