
الاقتصاد اليمني | بقش
في تطور لافت رافق تدشين أولى الرحلات الجوية من مطار المخا الدولي، عادت طائرة الخطوط الجوية اليمنية أدراجها إلى مطار جدة بعد تعذر هبوطها في مطار المخا الذي أُعلن عن تدشين رحلاته، وسط تركيز متزايد على مسألة عدم حصول الرحلة على إذن من “حكومة صنعاء”، وهو ما اعتبره مراقبون مؤشراً سياسياً مهماً يتجاوز البعد الفني أو الأمني للحادثة.
كانت السلطة المحلية بمحافظة تعز أعلنت في وقت سابق اليوم الأحد، 01 فبراير، عن تدشين أول رحلة لطيران الخطوط الجوية اليمنية عبر مطار المخا الدولي، في خطوة وصفتها السلطة المحلية بأنها تاريخية وغير مسبوقة، وتهدف إلى تخفيف معاناة المواطنين وتسهيل الحركة الجوية من وإلى المحافظة والمناطق المجاورة.
وخلال حفل التدشين، قال محافظ تعز نبيل شمسان وفق اطلاع مرصد “بقش” إن تشغيل المطار يمثل أحد أهم المنافذ الحيوية لإنعاش المدينة، مشيراً إلى أن المشروع استغرق أكثر من ست سنوات من العمل، ومثمناً دعم المجلس الرئاسي، ووزارة النقل، والهيئة العامة للطيران المدني، إضافة إلى التسهيلات المقدمة من السعودية لتشغيل الرحلات من وإلى مطار جدة.
كما أعلن رسمياً عن بدء تسيير رحلتين أسبوعياً بين المخا وجدة، في مؤشر على توجه لتكريس المطار كمرفق مدني عامل يخدم تعز ومحافظات مجاورة.
تعثر الرحلة الأولى
غير أن هذا التدشين سرعان ما اصطدم بواقع معقد، بعدما أفادت معلومات حصل عليها “بقش” بتعثر وصول رحلة الخطوط الجوية اليمنية رقم IYE529 القادمة من مطار الملك عبدالعزيز في جدة، بسبب عدم منع حكومة صنعاء هبوط الطائرة، حيث إن دخول الطائرات المجال الجوي اليمني يحتاج الى إذن من البرج الرئيسي في صنعاء، الذي يملك الحق الحصري في الإذن.
وذكرت مصادر أن الطائرة اضطرت إلى الدوران عدة مرات عند الحدود اليمنية السعودية، قبل أن تعود إلى جدة، وهو ما وثقته بيانات تطبيق تتبع الرحلات الجوية “flightradar24”.
وأعاد التركيز على مسألة الإذن الجوي أعاد إلى الواجهة التعقيدات القانونية والسياسية التي تحكم المجال الجوي اليمني، حيث يرى متابعون أن أي رحلة جوية إلى المطارات الواقعة داخل الأراضي اليمنية تحت سيطرة حكومة عدن، تظل مرتبطة عملياً بتوازنات أوسع تتعلق بإدارة الأجواء والحصار المفروض.
وحسب هؤلاء، فإن عودة الطائرة دون هبوط تمثل تطوراً مهماً، لأنها تكشف حدود القدرة على فرض أمر واقع جوي جديد دون تفاهمات شاملة، أو دون معالجة ملف مطار صنعاء الدولي المغلق منذ سنوات بفعل التحالف.
اتهامات متبادلة
وزارة النقل بحكومة عدن بدورها أدانت إقدام حكومة صنعاء على منع هبوط طائرة الخطوط الجوية اليمنية في مطار المخا، واعتبرت أن هذا التصرف يشكل تصعيداً خطيراً يهدف إلى تعطيل جهود تنشيط الملاحة الجوية وتسهيل حركة سفر المواطنين، كما يمثل انتهاكاً صارخاً لقوانين وأنظمة الطيران المدني الدولية، وتقييداً غير مبرر لحرية التنقل وحق المواطنين في السفر الآمن وفق اطلاع بقش على بيان الوزارة.
وحمّلت وزارة النقل وهيئة الطيران المدني الحوثيين المسؤولية الكاملة عن هذه الممارسات، مؤكدتَين أن استهداف المطارات والرحلات المدنية يضر بالمواطنين أولاً ويقوض الجهود الإنسانية والخدمية في البلاد.
وهذه الفكرة هي ما تتحدث عنها حكومة صنعاء من جانبها. ففي يناير المنصرم، كانت هيئة الطيران المدني في صنعاء قالت إن التصريحات في وسائل إعلام تابعة للتحالف بخصوص عودة جميع المطارات اليمنية للعمل، هي “تضليل متعمد للرأي العام” ومحاولة للتغطية على استمرار القيود الجوية، وأكدت أن مطار صنعاء الدولي ما يزال يخضع لقيود تعسفية يفرضها التحالف، وأن المطار جاهز فنياً بنسبة 100% لاستقبال كافة الرحلات المدنية، مشيرةً إلى أن المانع الوحيد لتشغيله بكامل طاقته هو الإصرار على استخدام الملف الإنساني ومعاناة المواطنين كورقة للمساومة السياسية.
وقبلها، أكدت هيئة الطيران المدني بصنعاء وفق متابعات بقش أن استمرار إغلاق مطار صنعاء الدولي في ظل القيود والصعوبات التي يواجهها المسافرون عبر مطار عدن، أدى إلى تفاقم معاناة المواطنين بشكل غير مسبوق، مطالبةً بفتح المطار كضرورة وطنية وإنسانية لا تقبل التأجيل، وقالت إن فئات المرضى والطلاب وكبار السن هم الأكثر تضرراً من تعثر السفر عبر مطار عدن.
ويرى محللون أن ما جرى لا يمكن فصله عن سياق الصراع الأوسع، حيث اعتبروا أن حكومة صنعاء ستعرقل توجهات تشغيل مطارات بديلة أو فتح خطوط جوية جديدة، ما دام مطار صنعاء الدولي مغلقاً، باعتبار ذلك جزءاً من معادلة الضغط السياسي والإنساني.
ويشير هؤلاء إلى أن السماح بتشغيل مطارات أخرى دون رفع القيود عن صنعاء قد يُنظر إليه كتكريس لواقع انتقائي في الملف الإنساني، وهو ما ترفضه حكومة صنعاء، وتتعامل معه باعتباره مساساً بملف سيادي لا يمكن تجزئته.
هكذا تحوّل تدشين أول رحلة بمطار المخا من حدث احتفالي إلى اختبار مبكر لقدرة هذا المطار على العمل في بيئة سياسية وأمنية شديدة التعقيد، ويبقى مصير الرحلات المقبلة من وإلى المطار مرهوناً بتطورات أكبر من مجرد الجاهزية الفنية، ومتصلاً مباشرة بمستقبل الانفراج أو التصعيد في ملف الطيران المدني اليمني ككل.


