تقارير
أخر الأخبار

غزة تُنهي 2025 بحصار اقتصادي آخر.. آليات إسرائيلية جديدة تقيّد التجارة والمساعدات

تقارير | بقش

لم تعد معركة غزة مقتصرة على القصف والدمار المباشر، إذ انتقلت إلى إدارة الحياة اليومية للفلسطينيين عبر أدوات الاقتصاد والمساعدات الإنسانية. فمع نهاية عام 2025، تتكشّف ملامح سياسة إسرائيلية جديدة، تتجاوز منطق الحصار التقليدي، لتؤسس لنمط من “التحكم الإداري” في الغذاء والدواء والتجارة والعمل الإنساني، بما يحوّل هذه القطاعات إلى أدوات ضغط وعقاب جماعي، في سياق الإبادة الجماعية.

وضعت إسرائيل آلية جديدة لإدخال البضائع التجارية إلى غزة، بحجة التنظيم، وبدوره قال المجلس التنسيقي لمؤسسات القطاع الخاص في القطاع إنه يرفض رفضاً قاطعاً هذه الآلية، معتبراً أنها ليست إجراءً تنظيمياً كما تدّعي إسرائيل، بل سياسة عقابية ممنهجة تستهدف ما تبقى من بنية الاقتصاد الفلسطيني.

الآلية التجارية الجديدة.. احتكار مقنّع وتفكيك للاقتصاد

وفق بيان المجلس الذي اطلع عليه “بقش”، تقوم الآلية الجديدة على حصر إدخال البضائع عبر عدد محدود جداً من التجار الفلسطينيين لا يتجاوز 10 تجار فقط، مع إلزامهم بالتعامل الحصري مع أربع شركات إسرائيلية بعينها.

هذا الترتيب، كما يرى المجلس، ينسف مبدأ المنافسة الحرة، ويؤسس لاحتكار قسري، ويحوّل التجارة الفلسطينية إلى نشاط تابع بالكامل لشروط الاحتلال ومصالحه.

ويحذّر المجلس من أن هذه السياسة لا تستهدف التجار فحسب، بل تفكك البنية الكاملة للقطاع الخاص الفلسطيني، عبر إقصاء الغالبية الساحقة من التجار والمؤسسات، وتعميق التبعية الاقتصادية للاحتلال، ورفع الأسعار، وزيادة الأعباء المعيشية على سكان غزة الذين يعانون أصلاً من غلاء السلع الأساسية والبطالة وانهيار الناتج المحلي.

وفي لهجة غير مسبوقة، شدد المجلس على أن أي تاجر أو جهة تقبل التعامل مع هذه الآلية تُعد خارج الصف الوطني، وتتحمل مسؤولية أخلاقية ووطنية كاملة عن تداعياتها، مؤكداً أن كل من يثبت تعامله معها يجب فصله من جميع الأطر والاتحادات الاقتصادية، ولا يمكن اعتباره ممثلاً لمصالح القطاع الخاص الفلسطيني.

من التجارة إلى الإغاثة.. توسيع دائرة الخنق

لا تقف السياسة الإسرائيلية عند حدود التجارة، بل تمتد إلى العمل الإنساني نفسه، وهو ما يثير قلقاً متصاعداً لدى المجتمع الدولي.

إسرائيل لوَّحت أمس الثلاثاء بإيقاف عمل المنظمات الدولية غير الحكومية في غزة خلال العام المقبل 2026، إذا لم تسلّم قائمة موظفيها الفلسطينيين بحلول اليوم الأربعاء، متهمةً عضوين من منظمة “أطباء بلا حدود” بـ”الارتباط بمنظمات إرهابية”.

وقالت إسرائيل إن المنظمات التي “رفضت تسليم قائمة موظفيها الفلسطينيين بغية استبعاد أي ارتباط بالإرهاب ستلغى تراخيصها اعتباراً من 01 يناير 2026″، وذكرت أن المنظمات المعنية “سيتعين عليها وقف كل نشاطاتها بحلول الأول من مارس 2026”.

الاتحاد الأوروبي حذّر من أن تهديد إسرائيل بمنع منظمات دولية غير حكومية من العمل في غزة سيؤدي إلى منع وصول مساعدات حيوية لسكان القطاع.

وكتبت المفوضة الأوروبية للمساعدة الإنسانية، حجة لحبيب، أن الاتحاد كان واضحاً في موقفه: قانون تسجيل المنظمات غير الحكومية بصيغته الحالية غير قابل للتطبيق، وأن القانون الدولي الإنساني لا يترك مجالاً للشك بوجوب إيصال المساعدات لمن يحتاجون إليها.

في هذا السياق، بدأت إسرائيل فعلياً بإلغاء تصاريح عمل 37 منظمة دولية غير حكومية في الأراضي الفلسطينية المحتلة وفق متابعة بقش، بزعم عدم استكمال متطلبات التسجيل القانونية، في خطوة اعتبرتها دولة فلسطين انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي.

ووجهّت بلجيكا من جانبها انتقاداً صريحاً للشروط التقييدية الإسرائيلية الجديدة، ودعت إلى رفع جميع القيود عن المساعدات الإنسانية لغزة. وأكد وزير الخارجية البلجيكي أن وصول المساعدات الإنسانية إلى غزة ليس خياراً سياسياً، ولا ينبغي أن يكون مشروطاً بأي اعتبارات، مشيراً إلى أن محكمة العدل الدولية أكدت التزام إسرائيل غير المشروط بضمان وصول المساعدات للمدنيين.

بدورها دعت وزارة الخارجية في السلطة الفلسطينية إلى محاسبة إسرائيل على قرارها، مؤكدة أن هذه الإجراءات تشكّل تعدياً واضحاً على القوانين والأعراف الدولية، ولا سيما في ظل حرب الإبادة والتجويع.

ورفضت الخارجية الفلسطينية الأسباب التي تسوقها سلطات الاحتلال لتبرير منع عمل هذه المؤسسات، وقالت إن لا سيادة لإسرائيل على الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، وإن دولة فلسطين ترحب بعمل المنظمات الدولية المعترف بها وطنياً ودولياً، والتي تلتزم بالمعايير الإنسانية المتعارف عليها.

ووصفت الوزارة ما تقوم به إسرائيل بأنه “قرصنة وبلطجة”، مستندةً إلى الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر في أكتوبر الماضي، الذي يؤكد حسب اطلاع بقش على واجب إسرائيل في تسهيل عمل المنظمات الإنسانية وعدم عرقلة خدماتها.

إجراءات تسجيل مسيّسة

صحيفة “هآرتس” ذكرت أن إسرائيل أقرت في مارس الماضي نظاماً جديداً لتسجيل المنظمات، بعد نقل صلاحياته من وزارة الرفاه إلى وزارة الشتات الإسرائيلية، مانحةً الأخيرة صلاحيات واسعة لرفض أي منظمة بدعوى “نزع الشرعية عن إسرائيل” أو “إنكار يهوديتها”، مع إلزام المنظمات بتقديم قوائم شاملة بموظفيها الفلسطينيين والأجانب وحتى معلومات عن عائلاتهم.

ومن بين المنظمات المتضررة، مؤسسات دولية كبرى مثل “أوكسفام” و”أنقذوا الأطفال” والمجلس النرويجي للاجئين، التي لا تزال طلباتها معلّقة منذ أشهر.

أطباء بلا حدود.. نموذج الخطر

تُعد قضية منظمة “أطباء بلا حدود” مثالاً على النتائج الكارثية المحتملة للسياسات الإسرائيلية الجديدة.

المنظمة حذّرت من أن منعها من العمل في غزة والضفة الغربية ستكون له عواقب وخيمة على الفلسطينيين، إذ تدعم المنظمة نحو 20% من إجمالي أسرة المستشفيات في غزة، وتساهم في ولادة طفل من بين كل ثلاثة أطفال في القطاع.

ووفق متابعات بقش، اتهمت إسرائيل المنظمة بتوظيف شخصين “مرتبطين بمنظمات إرهابية”، وهو ما نفته “أطباء بلا حدود” بشكل قاطع، مؤكدةً أنها لا توظف أي أشخاص منخرطين في نشاطات عسكرية، مع إبدائها مخاوف جدية من إلزامها بتسليم هويات موظفيها الفلسطينيين.

وحسب الصحافة الإسرائيلية، تشمل الإجراءات إرسال إخطارات رسمية لأكثر من عشر منظمات، تنص على إلغاء تراخيصها اعتباراً من يناير 2026، مع إلزامها بإنهاء أنشطتها بحلول مارس، ما يُنذر بفراغ إنساني خطير في قطاع يعاني أصلاً من انهيار شبه كامل للمنظومة الصحية.

هذا وتكشف التطورات مجتمعةً عن سياسة إسرائيلية واحدة تُدار بأدوات متعددة، وهي احتكار التجارة لتجفيف الاقتصاد، وتقييد الإغاثة لإدارة الجوع والمرض، وتشريع إداري وأمني لتبرير الإقصاء والعقاب.

وفي قطاع خرج لتوّه، أو لم يخرج بعد، من واحدة من أعنف حروب الإبادة في العصر الحديث، تبدو هذه السياسات امتداداً للحرب بوسائل ناعمة، لكنها لا تقل فتكاً، إذ تستهدف قدرة المجتمع الفلسطيني على الصمود، لا بالسلاح وحده، بل بتجفيف شروط الحياة نفسها.

زر الذهاب إلى الأعلى