الاقتصاد العالمي
أخر الأخبار

فضائح “إبستين” في بريطانيا.. ارتدادات سياسية بمفاعيل اقتصادية عميقة تهدد الثقة والاستقرار

الاقتصاد العالمي | بقش

في الوقت الذي بدت فيه قضية “جيفري إبستين لسنوات ملفاً جنائياً عابراً للحدود، تحولت الدفعة الثانية من الوثائق التي كشفت عنها وزارة العدل الأمريكية نهاية يناير 2026 إلى أزمة سياسية واقتصادية مركبة في بريطانيا، مع اتهامات طالت شخصيات على تماس مباشر بمراكز القرار المالي والتجاري في الدولة، وفي مقدمتهم اللورد بيتر ماندلسون، والسفير السابق في واشنطن، ووزير التجارة الأسبق، وصولاً إلى تداعيات مست الأسرة المالكة نفسها.

ورغم أن جوهر القضية أخلاقي وقانوني، إلا أن انعكاساتها الاقتصادية تبدو الأعمق أثراً، نظراً لارتباط الأسماء المتورطة بملفات حساسة تمس سياسات الضرائب، وخصخصة الأصول العامة، والتعامل مع المؤسسات المالية الكبرى، فضلاً عن تسريبات يُشتبه في أنها أثرت على الأسواق.

ووفق اطلاع “بقش” على هذا الملف، فإن أخطر ما حملته الوثائق الأخيرة لا يتعلق فقط بمدفوعات مالية تلقاها ماندلسون من إبستين، بل بما كُشف عن تسريب مذكرة حكومية سرية عام 2009، خلال توليه وزارة التجارة، تتضمن توصية ببيع أصول مملوكة للدولة بقيمة تقارب 20 مليار دولار لتخفيف عبء الدين العام.

هذه المعلومة، إن ثبت استخدامها من قبل أطراف خاصة قبل الإعلان الرسمي عنها، تعني احتمال وقوع استفادة غير مشروعة من معلومات داخلية تمس سوق السندات وأسهم الشركات المرتبطة بعمليات الخصخصة، كما كشفت الوثائق أنه نقل تفاصيل مشروع ضريبي حكومي، شمل ضريبة استثنائية على مكافآت المصرفيين، قبل إقراره رسمياً، وهو ما يفتح الباب أمام شبهة التلاعب أو التحوط المسبق داخل القطاع المالي.

ويذهب خبراء قانونيون إلى أن مثل هذه الأفعال تندرج تحت بند “سوء السلوك في المنصب العام” وإفشاء أسرار الدولة، وهي جرائم لا تهدد فقط مستقبل الأفراد المعنيين، بل تزعزع ثقة الأسواق في سلامة آليات صنع القرار.

موقف صعب للأسواق

بريطانيا، التي لا تزال تتعافى من آثار “بريكست” (الانسحاب البريطاني من الاتحاد الأوروبي) والضغوط التضخمية العالمية، تعتمد بدرجة كبيرة على ثقة المستثمرين في استقرار مؤسساتها وشفافية نظامها السياسي. وبطبيعة الحال، فإن أي تشكيك في نزاهة دوائر صنع القرار المالي قد ينعكس سريعاً على كلفة الاقتراض السيادي، وتصنيف الديون، وجاذبية لندن كمركز مالي عالمي.

المفارقة أن الأزمة انفجرت في لحظة حساسة سياسياً، مع اقتراب انتخابات محلية في اسكتلندا، وفي ظل حاجة حكومة كير ستارمر إلى تثبيت مصداقيتها الاقتصادية بعد تعهدات تابعها “بقش” بإعادة الانضباط المالي وتحفيز النمو. غير أن استقالة شخصيات رفيعة من مكتب رئيس الوزراء، وتزايد المطالبات داخل حزب العمال برحيله، يضعان عنصر الاستقرار السياسي موضع شك، وهو ما تراقبه الأسواق عادة بحذر شديد.

العلاقة مع واشنطن واهتزاز الأسرة المالكة

تعيين ماندلسون سفيراً في واشنطن لم يكن خطوة بروتوكولية فحسب، إذ كان جزءاً من استراتيجية لتعزيز العلاقات التجارية مع الولايات المتحدة، الشريك الاقتصادي الأهم للمملكة المتحدة خارج الاتحاد الأوروبي، لذا فإن إقالته من المنصب ثم استقالته من مجلس اللوردات، والتحقيقات الجارية بحقه، تطرح تساؤلات حول مدى تأثر قنوات التواصل الاقتصادي والدبلوماسي بين البلدين.

كما أن ما ورد في الوثائق بشأن تواصله مع شخصيات مصرفية بارزة، بينها المدير التنفيذي لبنك الاستثمار الأمريكي “جيه بي مورجان”، يسلّط الضوء على التداخل العميق بين السياسة والقطاع المالي العالمي، ويعيد إلى الواجهة نقاشاً قديماً حول حدود النفوذ غير الرسمي في صياغة السياسات الاقتصادية.

كما أن إعادة فتح ملف توصية بيع أصول حكومية بقيمة 20 مليار دولار تعيد النقاش حول سياسات الخصخصة في بريطانيا، ومدى شفافية عمليات تقييم وبيع الممتلكات العامة وفق قراءة بقش. فالتسريبات قد تدفع إلى مراجعة تشريعية أوسع لضبط تداول المعلومات الحساسة المرتبطة بعمليات البيع أو إعادة الهيكلة.

وهنا لا يتعلق الأمر فقط بماضٍ يعود إلى سنة 2009، بل بمصداقية أي برنامج خصخصة أو شراكة مستقبلية قد تطرحه الحكومة البريطانية لمعالجة عجز الموازنة أو دعم النمو.

من جانب آخر، فإن امتداد الفضيحة إلى الأمير السابق “أندرو”، على خلفية اتهامات بتسريب تقارير رسمية خلال فترة عمله كمبعوث تجاري، يضيف بعداً اقتصادياً آخر، نظراً للدور الذي تضطلع به الأسرة المالكة في دعم العلاقات التجارية الخارجية للمملكة المتحدة.

فمنصب “المبعوث التجاري السامي” يرتبط بترويج الصادرات البريطانية وجذب الاستثمارات، وأي تشكيك في نزاهة هذا الدور قد يؤثر رمزياً على صورة بريطانيا كشريك موثوق في الأسواق الآسيوية والخليجية، التي زارها أندرو في مهامه السابقة.

كما أن سحب ألقاب أندرو وإبعاده عن الإقامة الرسمية المدعومة من الدولة يحملان أبعاداً مالية مباشرة، وإن كانت محدودة نسبياً مقارنة بحجم الاقتصاد البريطاني، إلا أن الأثر الأهم يظل معنوياً واستثمارياً.

التكلفة: سياسية الآن واقتصادية لاحقاً

حتى الآن، لم تظهر مؤشرات على اضطراب مالي مباشر واسع النطاق، غير أن استمرار التحقيقات واتساعها، واحتمال مثول شخصيات بارزة أمام القضاء أو الكونجرس الأميركي، قد يطيل أمد عدم اليقين.

التجارب السابقة تُظهر أن الأسواق تميل إلى تسعير المخاطر السياسية بسرعة، خصوصاً في الاقتصادات المفتوحة ذات القطاع المالي الضخم مثل بريطانيا. أي ارتفاع في علاوة المخاطر السيادية، ولو طفيفاً، قد ينعكس على كلفة خدمة الدين العام، ويقيد هامش المناورة المالية للحكومة.

الواقع أن فضيحة إبستين في نسختها البريطانية أصبحت امتحاناً مؤسساتياً يمس شفافية إدارة المال العام، ونزاهة صناعة القرار الاقتصادي، واستقرار القيادة التنفيذية. ففي اقتصاد يقوم على الخدمات المالية ويعتمد على ثقة المستثمرين الدوليين، قد تكون سمعة المؤسسات أهم من الأرقام ذاتها، وإذا لم تُحتوَ الأزمة بسرعة فإن تداعياتها ستتجاوز حدود البرلمان والقصر الملكي، لتطال صورة لندن كمركز مالي عالمي، في لحظة دولية تتسم بتنافس شديد على رؤوس الأموال والاستثمارات.

زر الذهاب إلى الأعلى