تقارير
أخر الأخبار

فنزويلا بعد اعتقال مادورو: واشنطن تتحرّك لاحتكار نفط الـ300 مليار برميل.. و”التعويض” بوابة عودة الشركات

تقارير | بقش

بحسب ما أوردته شبكة بلومبيرغ نقلاً عن “بوليتيكو”، يجري تسويق المشهد الفنزويلي الجديد باعتباره فرصة نفطية تاريخية: الولايات المتحدة تُمسك بالدولة، ثم تُمسك بخزّانها. الفكرة تُقدَّم كاستثمار وإحياء صناعة، لكنها في جوهرها إعادة إنتاج لوصفة قديمة: تغيير نظام، ثم إعادة هندسة سوق الطاقة بما يخدم مركز القوة الذي قاد العملية.

في الخطاب العلني، لا تظهر فنزويلا كبلد له سيادة وذاكرة صدامات مع التدخلات، بل كحقلٍ متعطّل يحتاج “يداً خبيرة” لتشغيله. تُطرح “التعويضات” للشركات كحقٍّ مؤجل، وتُقدَّم العودة على أنها استرداد طبيعي لأصول صودرت، لا كحلقةٍ جديدة في سلسلة ابتزاز اقتصادي-سياسي يرتدي بدلة القانون.

المفارقة التي لا تُقال بصراحة: من دمّر قدرة كاراكاس على التمويل والاستثمار عبر سنوات الضغط والعقوبات والحصار المالي، هو نفسه من يقف الآن لبيع “وصفة الإنقاذ”، ثم يطالب الشركات بالدخول السريع وتحمل كلفة البداية، قبل أن تتضح قواعد الحكم ومن يملك قرار الأمن والميزانية.

والأشد فجاجة أن الحديث عن “ضخ المليارات” لا يأتي في سياق إعادة بناء دولة، بل في سياق إعادة تشغيل تدفّق الخام نحو مصافي محددة وشبكات محددة، مع هدف ضمني واضح: تحويل فنزويلا من عقدة نفوذ متعددة الاتجاهات إلى ملحق طاقة داخل مدار واشنطن، مهما كان الثمن السياسي والاجتماعي.

التعويض مقابل الدخول الآن: ابتزاز مقنّع بغطاء الاستثمار

وفق قراءة “بقش”، تقوم المعادلة المعلنة على شرط واحد: من يريد استعادة أصوله المصادَرة، عليه أن يعود فوراً ويستثمر بقوة. هذا ليس تفصيلاً إدارياً؛ إنه تحويل “التعويض” إلى سلاح تفاوضي لدفع الشركات كي تتحرك تحت الضغط الزمني، قبل اكتمال صورة السلطة الجديدة أو استقرار البيئة الأمنية.

تحت هذا الشرط، تُصبح الشركات أمام خيارين أحلاهما مرّ: إمّا المغامرة في سوقٍ مضطرب مع بنية متهالكة، وإمّا خسارة فرصة التقدم في الصف الأول والحصول على “حصة مبكرة” من ترتيبات ما بعد مادورو. إنها هندسة قائمة انتظار، لا سوق تنافسية.

وفي هذه الصيغة، تتحول فنزويلا إلى مساحة اختبار للنفوذ الأمريكي: من يدخل مبكراً يربح امتيازات، ومن يتأخر يدفع ثمن الترتيبات التي سيصوغها الآخرون. أما الدولة الفنزويلية نفسها، فتُختزل إلى وسيط توقيع وإدارة محلية تحت سقف سياسي خارجي.

الأخطر أن “الدخول الآن” يعني عملياً: الدخول قبل أن تُحلّ قضايا الملكية، والضرائب، والعملات، وأمن الحقول، ونزاعات الأقاليم، وحتى شرعية من سيوقع العقود. أي أن الاستثمار يُطلب في مرحلة “الضباب”، بينما العوائد — كما يوحي الخطاب — ستُضمن لاحقاً بترتيبات سياسية لا اقتصادية.

احتياطيات عملاقة… لكن الإنتاج “مخنوق” وبنية تحتية على حافة الانهيار

تمتلك فنزويلا واحداً من أكبر مخزونات النفط في العالم (نحو 300 مليار برميل وفق ما يُتداول في تقارير السوق التي تتبَّعها بقش)، لكن الاحتياطي شيء، والقدرة على تحويله إلى تدفقات يومية مستقرة شيء آخر تماماً. الفجوة هنا ليست تقنية فقط؛ إنها حصيلة سنوات من سوء الإدارة، شح الاستثمار، النزيف البشري، ثم القيود المالية التي تُقفل باب قطع الغيار والتمويل والتأمين.

الحديث عن أن الإنتاج يمكن أن يعود بسهولة إلى مستويات تاريخية (مثل مستويات تجاوزت 3 ملايين برميل يومياً في فترات سابقة) يتجاهل أن النفط الفنزويلي ليس “صنبوراً” يُفتح ويُغلق. جزء كبير منه ثقيل ويحتاج سلسلة خدمات ومعدات ومعالجة وتحديث مصافٍ وقدرات خلط ونقل، وكل ذلك يتطلب وقتاً وأموالاً وأمناً.

ثم هناك حقيقة صلبة: البنية التحتية التي تدهورت لعقدين لا تُستعاد بخطاب سياسي. حتى الشركات الكبرى لا تستطيع تسعير المخاطر إذا لم تعرف: من يحمي العاملين؟ من يضمن حركة المعدات؟ من يدير الموانئ وخطوط الأنابيب؟ وما هو وضع شركة النفط الوطنية “بتروليوس دي فنزويلا” (بي دي في إس إيه) بعد إعادة ترتيب السلطة؟

وفي الخلفية، تُطل معضلة الربحية: النفط الثقيل يحتاج سعراً يبرر الكلفة. وإذا كانت الأسعار مضغوطة أو الأسواق متخمة، تصبح “الوعود” مجرد دعاية لصفقة نفوذ، لا مشروعاً اقتصادياً محسوباً.

التمويل، الأمن، و”خصخصة المخاطر” من سيدفع؟

يُراد للشركات أن تدفع استثمارات البداية “مقدماً”، ثم تُعوَّض لاحقاً حسب اطلاع بقش على رؤية ترامب. هذا النموذج يعكس عقلية واضحة: خصخصة المخاطر وتأميم المكاسب السياسية. فحين تدفع الشركات أولاً، يتحول الإنقاذ إلى رهانٍ تجاري يتحمل القطاع كلفته، بينما تُحصد سياسياً صورة “إعادة تشغيل النفط” كإنجاز لإدارة واشنطن.

لكن الأمن ليس بنداً محاسبياً. إرسال موظفين ومقاولين ومعدات إلى بيئة انتقال حكم -أو فوضى انتقال حكم- ليس قراراً تقنياً، وإذا تعثرت الضمانات الأمنية، فستصبح الشركات رهائن لتقلبات الداخل ولحسابات الخارج في آنٍ واحد.

ثم تأتي عقدة التعويضات نفسها: كيف ستُدفع؟ من أي موارد؟ وهل سيكون هناك مسار قضائي شفاف أم مسار سياسي “سريع” يفتح باب النزاعات لاحقاً؟ أي نموذج تعويض مبني على قرارات فوقية قد يفجّر جولات دعاوى ويعيد تعقيد المشهد بدل تبسيطه.

وفي الخلفية تلوح أدوات تمويل سياسية الطابع: كضمانات ضد “المخاطر السياسية” عبر مؤسسات أمريكية، بما يحول الاستثمار إلى مشروع محمي سياسياً أكثر من كونه مشروعاً قائماً على أساسات السوق. وهذا يوسع سؤالاً حساساً: هل الهدف إعادة بناء قطاع نفط… أم إعادة بناء نفوذ؟

الصين وأوبك: النفط ليس صفقة داخلية… بل معركة تموضع دولي

فنزويلا ليست جزيرة اقتصادية؛ إنها عقدة ضمن صراع نفوذ عالمي. أي عودة أمريكية واسعة ستُقرأ في بكين كضربة مباشرة لنفوذها في سوق خام لطالما استوعبته عبر قنوات رسمية وغير رسمية، وكجزء من معركة أكبر على طرق الإمداد والخصومات ووجهات الخام.

كما أن وضع فنزويلا داخل “أوبك” ليس تفصيلاً. رفع الإنتاج ـ إن حصل ـ سيعيد فتح ملف الحصص، والتوازن مع المنتجين الكبار، والتأثير على الأسعار. وإذا صارت كاراكاس تُدار بعقلية “زيادة التدفق بأي ثمن” لخدمة سردية سياسية، فذلك قد يربك توازنات المنظمة ويخلق حساسيات مع أطراف ترى في ذلك إعادة تشكيل للسوق بالقوة.

والنفط الثقيل الفنزويلي له جغرافيا مصافٍ محددة -خصوصاً في خليج المكسيك- ما يعني أن “الجدوى الاقتصادية” قد تتحول إلى “قناة نفوذ” ثابتة: خام مناسب، مصافٍ مصممة له، ومسار إمداد يربط الدولة الجديدة بالسوق الأمريكي أكثر مما يربطها بخيارات متعددة.

وفي قلب ذلك كله، تظهر الرسالة الأوضح: واشنطن لا تريد فقط إبعاد خصومها عن فنزويلا؛ بل تريد أن تجعل “العودة” مساراً وحيداً، بحيث يصبح أي بديل -صيني أو غيره- مكلفاً سياسياً ومخنوقاً تنظيمياً.

ما يجري تسويقه كخطة لإحياء قطاع نفطي متداعٍ يبدو، في عمقه، محاولة لتحويل فنزويلا إلى أصلٍ استراتيجي مُدار سياسياً: نظام يتغير، ثم تُعاد كتابة عقود الطاقة، ثم يُعاد توزيع النفوذ. هذه ليست “سوقاً” بل إعادة هندسة موازين.

والتناقض الأمريكي هنا صارخ: سنوات من خنق التمويل وتعقيد التجارة ورفع كلفة التشغيل عبر العقوبات، ثم الظهور بوصفه “المنقذ” الذي يطلب من الشركات دفع الفاتورة أولاً. النتيجة المتوقعة ليست نهضة وطنية بقدر ما هي إعادة تشغيل انتقائية تُقاس بكمّ البراميل المتدفقة لا بمناعة الاقتصاد الفنزويلي.

وفي المحصلة، ووفق ما تداوله الإعلام الأمريكي، فإن “دُرّة التاج” التي يتحدثون عنها قد تكون دُرّة نفوذ قبل أن تكون دُرّة نفط: من يملك قرار الحقول يملك ورقة ضغط عالمية، لكن الشعوب عادةً هي آخر من يُسأل عن الثمن.

زر الذهاب إلى الأعلى