
الاقتصاد العالمي | بقش
وصلت تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران بشكل مباشر إلى الحياة اليومية في أوروبا، حيث يواجه الأوروبيون موجة جديدة من ارتفاع تكاليف المعيشة نتيجة قفزات أسعار الطاقة والوقود والغذاء، وتشير أحدث التقديرات الاقتصادية التي تتبَّعها “بقش” إلى أن الحرب باتت عامل ضاغط على ميزانيات الأسر الأوروبية وعلى السياسات الاقتصادية للحكومات في القارة.
وبوصف قطاع الطاقة أول المتأثرين بالحرب، شهدت أوروبا ارتفاعاً سريعاً في أسعار الغاز الطبيعي خلال الأيام الـ12 الأولى من الحرب، إذ قفزت الأسعار بأكثر من 50%، بينما ارتفع سعر النفط العالمي بأكثر من 27%، وانعكست هذه الزيادة مباشرةً على فواتير الكهرباء والتدفئة والنقل في مختلف الدول الأوروبية.
ووفق تقديرات المفوضية الأوروبية، فإن السائق الأوروبي قد يتحمل زيادة سنوية تقارب 220 يورو (نحو 251 دولاراً) في تكاليف الوقود وحده، وهو ما يعني عبئاً إضافياً يصل إلى نحو 55 مليار يورو (62.8 مليار دولار) على مستوى الاتحاد الأوروبي إذا استمرت الأسعار عند هذه المستويات.
كما شهدت بعض عقود الغاز الأوروبية صدمة أكبر، فقد ارتفعت الأسعار في بعض الحالات بنسبة وصلت إلى 86.4% خلال أسابيع قليلة، وهو ما يهدد الصناعات الأوروبية ويضغط على خطط التعافي الاقتصادي التي كانت القارة تحاول ترسيخها بعد جائحة كورونا.
تضخم متصاعد وارتفاع أسعار الغذاء
تأثرت كافة قطاعات الاقتصاد الأوروبي، فارتفاع أسعار الوقود أدى إلى زيادة تكاليف النقل والتوزيع، الأمر الذي انعكس مباشرة على أسعار السلع الغذائية والخدمات. وحسب اطلاع بقش على بيانات “يوروستات”، قفزت أسعار الغذاء في منطقة اليورو بنحو 3.3%، في وقت تتعرض فيه القدرة الشرائية للأسر الأوروبية لضغوط متزايدة، خاصة لدى الطبقات المتوسطة والفقيرة.
كما أن التوترات في مضيق هرمز وارتفاع تكاليف النقل العالمي يهددان بزيادة أسعار السلع الأساسية، ما يضع الأمن الغذائي الأوروبي تحت ضغط إضافي في حال استمرار الأزمة لفترة طويلة.
ومع ارتفاع تكاليف الحياة الأساسية، تجد الحكومات الأوروبية نفسها مضطرة إلى التدخل لتخفيف العبء عن المواطنين عبر برامج دعم مالي أو إعفاءات ضريبية، وذلك يزيد الضغط على الموازنات العامة الأوروبية. ففي الدنمارك، على سبيل المثال، يناقش صناع القرار تقديم ما يشبه “شيكاً غذائياً” للمواطنين بقيمة نحو 150 يورو (نحو 171 دولاراً) لمساعدتهم على مواجهة ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، لكن مثل هذه الإجراءات تعني في الوقت نفسه زيادة الإنفاق الحكومي وارتفاع الضغوط على المالية العامة.
وتحذر تقديرات اقتصادية، من بينها تقديرات “رابو بنك” الهولندي، من أن استمرار الحرب واضطراب أسواق الطاقة قد يرفع معدل التضخم في منطقة اليورو إلى أكثر من 5% في السيناريوهات الأكثر تشاؤماً، بينما قد يبلغ متوسط التضخم نحو 2.4% خلال عام 2026.
نماذج اقتصادية للأزمة
تتضح آثار الحرب في عدد من الاقتصادات الأوروبية الكبرى، ففي بريطانيا تشير التوقعات إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة قد يدفع التضخم إلى نحو 3% بنهاية عام 2026، أي أعلى بنحو نقطة مئوية مقارنة بالتوقعات السابقة، كما قد يتحمل السائقون البريطانيون زيادةً تقارب 140 جنيهاً سنوياً (نحو 185 دولاراً) في تكاليف الوقود.
وفي ألمانيا أدى ارتفاع أسعار الغاز والكهرباء إلى رفع توقعات التضخم من 1.8% إلى نحو 2.5% خلال العام الجاري، وفق تقديرات اطلع عليها بقش من المعهد الألماني لأبحاث الاقتصاد، ويترجَم ذلك عملياً إلى تراجُع القوة الشرائية للمستهلكين وارتفاع تكاليف المعيشة اليومية.
وفي فرنسا، وصل سعر لتر الديزل في بعض المناطق إلى نحو 2 يورو، وهو مستوى لم تشهده الأسواق منذ صيف 2022، ما يزيد من تكاليف النقل ويؤثر على أسعار السلع المستوردة والمواد الأساسية. كما شهدت دول أخرى مثل بلجيكا وهولندا ودول الشمال الأوروبي ارتفاعات ملحوظة في أسعار الطاقة والمواد الغذائية، ما يمثل صدمة جديدة للأسر الأوروبية.
وتؤكد التحليلات الاقتصادية أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة سيؤدي إلى آثار أوسع على الاقتصاد الأوروبي، فزيادة أسعار الطاقة بنسبة 20% يمكن أن تضيف نحو نقطة مئوية كاملة إلى معدل التضخم، وتؤدي في الوقت نفسه إلى تراجع الدخل الحقيقي للأسر وانخفاض الاستهلاك. كما أن استمرار اضطراب الإمدادات في مضيق هرمز يهدد بإبطاء النمو الاقتصادي في أوروبا وزيادة الضغوط على الاقتصادات التي تعتمد بشكل كبير على استيراد النفط والغاز.


