
تقارير | بقش
في خضم الأزمات الجيوسياسية الكبرى، لطالما كانت القاعدة الذهبية في أسواق المال هي الهروب نحو “المعدن الأصفر” كملاذ آمن لا يخيب ظن حامليه. لكن مع اندلاع شرارة الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، شهدت الأسواق واحدة من أكثر المفارقات غرابة في التاريخ المالي الحديث؛ فبدلاً من أن يندفع المستثمرون لتكديس الذهب خوفاً من المجهول، حدثت حالة من التخلي السريع والدراماتيكي عن هذا الأصل، والتوجه المحموم نحو أحضان الدولار الأمريكي، في مشهد أعاد خلط الأوراق ونسف الكثير من المسلمات الاقتصادية التي سادت خلال العام الماضي.
لغة الأرقام كانت قاسية وغير متوقعة؛ فبعد مرور ثلاثة أيام فقط على الهجمات التي استهدفت الأراضي الإيرانية في عطلة نهاية الأسبوع (منذ يوم السبت 28 فبراير)، تبخّرت موجة الشراء الأولية المذعورة للمعادن الثمينة. بحلول يوم الثلاثاء، تعرضت الأسواق لانكسار حاد تمثل في هبوط مفاجئ للذهب بنسبة 4% حسب متابعات “بقش”، رافقه انهيار أعمق في أسعار الفضة التي فقدت نحو 10% من قيمتها.
هذا التهاوي السريع كان أكثر من مجرد تصحيح سعري عابر، إذ كان رسالة واضحة من كبار اللاعبين في السوق بأن قواعد اللعبة قد تغيرت في ظل هذه الحرب الإقليمية الطاحنة.
لفهم هذا السلوك المفاجئ، يجب النظر إلى الصورة الأوسع. طوال الأشهر الماضية، كانت أسعار الذهب تحلق لمستويات قياسية مدفوعة بسرديات “نهاية هيمنة الدولار” ومشتريات البنوك المركزية – خاصة في دول الأسواق الناشئة – التي سعت لتنويع احتياطياتها بعيداً عن العملة الأمريكية.
لكن عندما دقت طبول الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران فعلياً، واقترب الخطر من تعطيل عصب الطاقة العالمي، أدرك المستثمرون أن الذهب، رغم بريقه، لا يوفر السيولة الفورية والقدرة على المناورة التي يوفرها النقد النقدي في أوقات الذعر المطلق.
عودة هيمنة “الأخضر” وتداعيات صدمة الطاقة
السبب الجوهري الأول وراء خفوت بريق الذهب يكمن في العودة القوية للدولار الأمريكي كـ”عرض أمان” لا غنى عنه. فمع تصاعد وتيرة الحرب والمخاوف من ضربات انتقامية إيرانية قد تشل المنطقة، سارعت الصناديق الاستثمارية – العامة والخاصة – العاملة في الشرق الأوسط إلى تسييل أصولها للحصول على سيولة دولارية طارئة. ويتزامن ذلك مع حقيقة هيكلية تتمثل في أن النفط والغاز يسعران عالمياً بالدولار؛ وأي ارتفاع جنوني في أسعار الطاقة نتيجة الحرب يعني بالضرورة زيادة هائلة في الطلب المؤسسي على العملة الاحتياطية العالمية لتغطية التكاليف والمراكز المالية.
من ناحية أخرى، لعبت الجغرافيا الاقتصادية دوراً حاسماً في تعزيز الدولار على حساب الذهب والعملات الأخرى. فالصناعة والاقتصادات الكبرى في كل من أوروبا وآسيا تعتمد بشكل مكشوف وحرج على إمدادات الطاقة القادمة من الشرق الأوسط.
وفق قراءة بقش، انقطاع هذه الإمدادات أو ارتفاع أسعارها بشكل مفرط يوجه ضربة قاصمة لاقتصاداتهم، في حين تبدو الولايات المتحدة – التي أصبحت مصدراً صافياً وبارزاً للطاقة في السنوات الأخيرة – أكثر تحصيناً وعزلة عن هذه الصدمة. هذا التفاوت السريع في تقييم المخاطر جعل رأس المال يهرب من أوروبا وآسيا ليستقر في سندات الخزانة والنقد الأمريكي.
عامل آخر لا يقل أهمية ساهم في خذلان الذهب لمستثمريه، وهو ارتباطه الوثيق بالملاذات الآمنة الأخرى، وتحديداً الفرنك السويسري. تاريخياً، يتحرك الذهب والفرنك في مسارات متوازية كأصول آمنة خارج المظلة الدولارية. لكن التحذيرات الاستثنائية التي أطلقها البنك الوطني السويسري يوم الاثنين حول استعداده للتدخل لبيع الفرنك وكبح جماحه، أدت إلى انعكاس سريع في مكاسب العملة السويسرية أمام الدولار واليورو. هذا التراجع القسري في أحد أهم الملاذات الآمنة خلق تأثيراً نفسياً سلبياً امتد ليهوي بأسعار الذهب أيضاً.
البحث عن السيولة في عين العاصفة
بعيداً عن التعقيدات النقدية، هناك تفسير فني وسيكولوجي أبسط لما حدث؛ هو أن المستثمرين في أوقات الذعر الشديد لا يبيعون الأصول الخاسرة، بل يبيعون ما يمكنهم بيعه وما يحقق لهم أرباحاً فورية. الذهب والفضة كانا من بين أفضل الأصول أداءً خلال العام الماضي، حيث اقتربت أسعار الذهب من التضاعف بفعل المضاربات ومشتريات التحوط. وعندما ارتفعت مستويات المخاطرة والتقلبات بشكل جنوني مع بدء الحرب، قرر مديرو المحافظ “جني الأرباح” وتسييل أفضل صفقاتهم أداءً لتعزيز مستويات الكاش (السيولة) لديهم.
هذه الظاهرة لم تقتصر على المعادن الثمينة فحسب، بل انسحبت على كافة الأسواق التي حققت طفرات استثنائية قبل الأزمة. فعلى سبيل المثال، شهدنا انقلاباً مفاجئاً في سوق الأسهم الكورية الجنوبية التي تابعها بقش؛ حيث هبط مؤشر “كوسبي” (Kospi) – الذي كان يعد الأفضل أداءً – بأكثر من 7% يوم الثلاثاء بمجرد عودة المستثمرين من عطلتهم، ليمحو جزءاً كبيراً من مكاسبه التي قاربت 50% منذ بداية العام. وبالمثل، تراجع مؤشر “نيكاي” (Nikkei) الياباني بأكثر من 4% بعد أن كان محلقاً بمكاسب بلغت 15% قبل عطلة نهاية الأسبوع التي شهدت بدء الضربات.
الرسالة الواضحة هنا هي أن الخوف من حدوث صدمة طاقة جديدة تشل الاقتصاد العالمي دفع مديري الثروات إلى التخلص من الأصول ذات الأداء العالي والمحفوفة بالمخاطر (بما في ذلك الذهب الذي تضخم سعره مؤخراً) بهدف زيادة الاحتياطيات النقدية السائلة. في مثل هذه البيئات المتقلبة، تفقد المحافظ الاستثمارية شهيتها للمغامرة، وتصبح الأولوية القصوى هي “البقاء” المالي وتوفر السيولة النقدية القادرة على امتصاص الصدمات المتتالية.
فشل الذهب في أداء دوره التاريخي كملاذ آمن في ذروة الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران يفضح الطبيعة الهشة للارتفاعات التي حققها المعدن الأصفر خلال العام الماضي. وأثبتت هذه الأزمة أن صعود الذهب كان يعتمد بشكل مفرط على سرديات مضاربية وافتراضات خاطئة حول التراجع الحتمي لقوة الدولار. وكما صرح دان كاتس، النائب الأول للمدير العام لصندوق النقد الدولي مؤخراً، فإن سلوك الأسواق هذا الأسبوع يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن الدولار لا يزال الملاذ الموثوق والأول، وأنه “قلب النظام النقدي الدولي” النابض.
قد يعود الذهب للارتفاع مستقبلاً لدوافع أخرى تتعلق بالتضخم طويل الأجل أو أزمات الديون السيادية، لكن أداءه الباهت في مواجهة هذه العاصفة الجيوسياسية المحددة يتطلب إعادة تقييم جذرية لآليات التحوط. وبينما أثبتت الأيام القليلة الماضية أنه عندما يقترب العالم من حافة الهاوية فإن السرديات المالية تتنحى جانباً، يبقى “النقد الدولاري” هو الملك المتوج الذي تلجأ إليه الأسواق لتأمين بقائها.


