مذبحة وظيفية في أمريكا.. الشركات تستغني عن آلاف الموظفين والوضع الاقتصادي قاتم

الاقتصاد العالمي | بقش
تشهد الساحة الاقتصادية في الولايات المتحدة مع مطلع عام 2026 موجة عارمة من الاضطرابات العمالية التي لم تشهدها البلاد منذ قرابة 20 عاماً، حيث كشفت أحدث البيانات التي اطلع عليها مرصد “بقش” من “رويترز” عن قفزة مهولة في عدد التسريحات الجماعية للموظفين، التي بلغت زيادتها نسبة 205% في يناير 2026 مقارنة بالشهر ذاته من العام الماضي.
وطالت خطط التسريح 108,435 وظيفة، في أعلى مستوى لشهر يناير منذ عام 2009، وهي الحقبة التي ارتبطت في الأذهان بذروة الركود الاقتصادي الكبير، ما يشير إلى أن قطاع الأعمال الأمريكي يمر بمرحلة حرجة من عدم اليقين وفقدان عقود الأعمال الحيوية.
شركة صناعة الطائرات العملاقة “بوينغ” -على سبيل المثال لا الحصر- أعلنت عن إلغاء نحو 300 وظيفة في قسم الدفاع بسلسلة التوريد، وقالت إن ذلك في إطار إعادة تقييم القوة العاملة لتبقى متماشية مع التزامات الشركة الحالية.
وتأتي هذه الانهيارات المتلاحقة في سوق العمل كترجمة حية للتعقيدات الاقتصادية العميقة التي خلفتها سياسات الإدارة الأمريكية بقيادة ترامب، التي اتسمت بالحمائية التجارية وتقلبات الرسوم الجمركية وإعادة صياغة سلاسل التوريد بناءً على اعتبارات سياسية لا اقتصادية صرفة.
وهذه السياسات، التي يرى مراقبون أنها زرعت بذور التضخم والتوتر في علاقات الأعمال الدولية، أدت إلى بيئة اقتصادية غير مستقرة دفعت الشركات لوضع خطط تقشفية استباقية منذ نهاية عام 2025.
وحسب خبراء اطلع بقش على تقديراتهم، فإن التشاؤم الذي يسود مجالس إدارات الشركات بشأن آفاق عام 2026 يعكس حجم الإرث الثقيل للسياسات السابقة التي أربكت الأسواق وجعلت من الصعب التنبؤ بمسارات النمو المستقبلي.
قطاع النقل والتكنولوجيا.. انهيار في معاقل “بيزوس”
تصدّر قطاع النقل قائمة القطاعات الأكثر تضرراً، حيث واجه العاملون فيه خطر تسريح 31,243 موظفاً. وكان لإعلان شركة “United Parcel Service” (UPS) وقْع الصدمة، إذ كشفت عن نيتها الاستغناء عن نحو 30,000 موظف وإغلاق 24 منشأة خلال العام الجاري في مسعى محموم لرفع الربحية وتقليص اعتمادها على توصيلات شركة “أمازون”.
ولم يكن قطاع التكنولوجيا بمنأى عن هذه العاصفة، إذ أُعلن عن تسريح 22,291 موظفاً، كان لشركة “أمازون” نصيب الأسد منها بخطتها للاستغناء عن 16,000 موظف إداري، في مشهد متكرر يعكس الضغوط الهيكلية التي يعاني منها عمالقة التكنولوجيا في ظل التحولات السوقية الحادة.
على الجانب الآخر، طالت أزمة التسريحات قطاع الرعاية الصحية، مدفوعةً بتراجع التعويضات من برامج “Medicaid” و”Medicare” الفيدرالية، وهو ما يعكس ضيق الخناق المالي على المؤسسات الخدمية.
كما برز الذكاء الاصطناعي كعامل تقني ضاغط، حيث أسهم في 7% من إجمالي التسريحات المعلنة، مع توجه الشركات لدمج التقنيات الذاتية كبديل للعمالة البشرية لتقليل التكاليف وفق متابعات بقش.
وفي مقابل هذه الانهيارات، سجل التوظيف الجديد أدنى مستوياته لشهر يناير منذ عام 2009 بواقع 5,306 وظيفة فقط، انحصر أغلبها في قطاع التأمين، مما يعكس حالة من “الشلل” في التوسع الوظيفي.
تسريحات “واشنطن بوست”.. أحلك أيام الصحيفة
لم تتوقف حدود الأزمة عند القطاعات اللوجستية والتقنية، بل امتدت لتضرب العمق الإعلامي الأمريكي، حيث تعيش صحيفة واشنطن بوست “أحلك الأيام” حدّ تعبير رئيس تحريرها التنفيذي السابق، مارتي بارون.
فقد أعلنت الصحيفة العريقة عن تسريح مئات الصحفيين، بما يعادل ثلث قوتها العاملة، في خطوة وصفتها الأوساط النقابية بـ”المجزرة الحقيقية”، وجاءت هذه الخطوة تحت مسمى “إعادة الهيكلة الاستراتيجية” التي يقودها جيف بيزوس، والتي شملت قرارات قاسية بإغلاق القسم الرياضي العريق، وتقليص التغطية الدولية والمحلية، وإغلاق قسم الكتب، وتعليق البودكاست الإخباري اليومي.
ويعكس هذا التراجع الدراماتيكي في أروقة “واشنطن بوست” صعوبةَ المنافسة في سوق إعلامي مزدحم، لكنه يحمل أيضاً دلالات سياسية واقتصادية عميقة، حيث طالت التسريحات أسماءً بارزة مثل كارولاين أودونوفان التي كانت تغطي أخبار شركة “أمازون” ذاتها، والصحفي الرياضي نيل جرينبيرج.
وبينما يحاول رئيس التحرير الحالي مات موراي تبرير هذه الإجراءات بضرورة ضمان مستقبل الصحيفة، يسود الغضب في صالات التحرير والاتحادات النقابية التي نظمت احتجاجات ضد هذه القرارات، خاصة وأنها تزامنت مع فقدان الثقة بعد قرارات إدارية سابقة مثل الامتناع عن تأييد مرشحين رئاسيين في انتخابات 2024، ما أدى لموجة استقالات وإلغاء اشتراكات ضخمة.
ارتباك هيكلي كامل
بناءً على المعطيات الاقتصادية الكلية والمؤشرات الجيوسياسية الراهنة في عام 2026، يمكن القول بأن مشهد التسريحات الوظيفية في الولايات المتحدة جاء تعبيراً عن حالة من الارتباك الهيكلي الناتج عن تصادم السياسات الاقتصادية مع التحولات التكنولوجية العنيفة.
وربما يعيش الاقتصاد الأمريكي اليوم مرحلة “تصفية الحساب” مع السياسات التي تبنتها إدارة ترامب، والتي ركزت على مبدأ “أمريكا أولاً” من خلال فرض رسوم جمركية واسعة وخوض حروب تجارية.
وأدت تلك السياسات إلى إجبار الشركات على نقل خطوط إنتاجها أو تغيير مورديها لأسباب سياسية لا اقتصادية، مما رفع التكلفة التشغيلية على المدى الطويل. ومع دخول عام 2026، لم تعد الشركات قادرة على امتصاص هذه التكاليف، فاتجهت لتقليص الإنفاق البشري.
ويُعتقد أن الشركات الأمريكية وُضعت بين مطرقة التكاليف المرتفعة وسندان تراجع القدرة الشرائية للمستهلكين الأمريكيين، وسط السياسات التي استهدفت دعم التصنيع المحلي ثم أدت إلى رفع أسعار المواد الأولية، فكانت التسريحات هي المهرب الأسهل للشركات.
وانتقل الذكاء الاصطناعي من مرحلة التجربة إلى مرحلة الإحلال الفعلي، فقد شهدت قطاعات مثل البرمجة، والتحليل المالي، وخدمات العملاء، تقليصاً ضخماً بحكم أن خوارزميات عام 2026 باتت قادرة على إنجاز عمل فرق كاملة بتكلفة تكاد لا تُذكر.
وتفضل الشركات الآن استثمار مليارات في مراكز بيانات ومعالجات متطورة على إنفاقها كرواتب سنوية، لأن الأصول التقنية لا تطالب بزيادات سنوية أو تأمين صحي.
المشهد الاقتصادي الأمريكي هذا العام، وسط أزمات التسريحات الواسعة، يرسم صورة قاتمة لدولة تحاول التعافي من تعقيدات سياسية واقتصادية، وتواجه في الوقت نفسه تحديات التطور التقني، ما يضع سوق العمل أمام اختبار هو الأصعب منذ أجيال، في انتظارِ ما تحمله الأيام المقبلة من تغيرات.


