تقارير
أخر الأخبار

معادلة جرينلاند المعقدة: أوروبا تبحث عن “نصر محسوب” لترامب لتفادي أخطر شرخ في تاريخ الناتو

تقارير | بقش

لم تعد أزمة جرينلاند مجرد جدل جيوسياسي عابر، بل تحولت إلى اختبار وجودي لطبيعة العلاقة بين أوروبا وأمريكا، ولصلابة النظام الأمني الغربي الذي تشكل منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. فمع إعادة دونالد ترامب فتح ملف السيطرة على الجزيرة القطبية، دخلت العواصم الأوروبية مرحلة قلق استراتيجي غير مسبوق، يتجاوز الحسابات التقليدية للخلافات العابرة داخل التحالف الأطلسي.

القلق الأوروبي لا ينبع فقط من مضمون الطرح الأمريكي، بل من نبرته الصدامية. فحديث ترامب العلني عن “حاجة” أمريكا إلى جرينلاند، مع عدم استبعاد استخدام القوة، كسر أحد أقدس المحرمات داخل الناتو: استحالة تصور تهديد عسكري من حليف ضد حليف. هذا التحول الخطابي وحده كان كافياً لإطلاق إنذارات حمراء في برلين وباريس وبروكسل.

في المقابل، تدرك أوروبا أن المواجهة المباشرة مع واشنطن ستكون مكلفة إلى حد الانتحار السياسي والعسكري. لذلك، بدأت تتبلور مقاربة أكثر براغماتية: احتواء الأزمة عبر “صفقة ذكية” تمنح ترامب مكسباً يمكن تسويقه داخلياً، من دون أن تؤدي إلى تفكيك التحالف الغربي أو المساس بالسيادة القانونية للدنمارك على جرينلاند.

هذه المقاربة، التي وصفتها مصادر دبلوماسية أوروبية لوسائل إعلام مثل بلومبيرغ وبوليتيكو حسب متابعة بقش، تقوم على مبدأ واحد: شراء الاستقرار الاستراتيجي بتنازلات محسوبة، في لحظة بات فيها ميزان العلاقات عبر الأطلسي أكثر هشاشة من أي وقت مضى.

جرينلاند بين الجغرافيا العسكرية وشهية ترامب السياسية

جرينلاند، أكبر جزيرة في العالم، ليست مجرد قطعة جليد نائية كما قد تبدو للوهلة الأولى. موقعها الجغرافي يجعلها نقطة ارتكاز حاسمة في معادلات الردع النووي، وأنظمة الإنذار المبكر، ومراقبة طرق الملاحة الجديدة التي يفتحها ذوبان الجليد في القطب الشمالي. ولهذا السبب، تحتفظ أمريكا منذ عقود بوجود عسكري فعّال في قاعدة “ثول” الجوية.

لكن عودة ترامب إلى واجهة القرار أعادت تعريف الملف من زاوية مختلفة. فبالنسبة له، لا يتعلق الأمر فقط بالأمن القومي، بل أيضاً بالرمزية السياسية. ترامب، الذي بنى خطابه على فكرة استعادة “العظمة”، يرى في جرينلاند فرصة تاريخية لتوسيع النفوذ الأمريكي جغرافياً، وإدخال اسمه في سجل الرؤساء الذين أعادوا رسم خريطة القوة.

مصادر أوروبية ترى أن ترامب لا يبحث بالضرورة عن ضم قانوني كامل بقدر ما يبحث عن صورة انتصار: اتفاق استثنائي، حضور أمريكي موسّع، أو حصة استراتيجية في موارد الجزيرة. المهم هو القدرة على تقديم الرواية داخلياً بوصفها إنجازاً شخصياً في مواجهة “تردد” الإدارات السابقة.

هذا الفهم هو ما دفع الأوروبيين إلى التعامل مع الملف باعتباره أزمة سياسية نفسية بقدر ما هو نزاع جيوسياسي، تتطلب إدارة دقيقة للرموز بقدر إدارة المصالح.

الناتو على المحك… والخوف من سابقة قاتلة

أخطر ما في أزمة جرينلاند ليس الجزيرة ذاتها، بل ما تمثله داخل منظومة الناتو. فجرينلاند إقليم تابع لدولة عضو في الحلف، وأي تحرك عسكري أمريكي أحادي سيضع الناتو أمام فراغ قانوني غير مسبوق، إذ لا تتضمن معاهدة 1949 أي تصور لهجوم من حليف على حليف.

هذا السيناريو، وفق تحذيرات تابعها بقش من مسؤولين أوروبيين وقيادات دفاعية، قد يعني عملياً نهاية الناتو بوصفه تحالفاً قائماً على الثقة المتبادلة. وزير الدفاع الألماني وصف الأمر بأنه “وضع غير مسبوق في تاريخ أي تحالف دفاعي”، بينما ذهبت رئيسة وزراء الدنمارك إلى حد القول إن “كل شيء سيتوقف” إذا حدث تدخل عسكري.

لهذا السبب، يضغط الأوروبيون باتجاه حل مؤسسي داخل الناتو، من خلال تعزيز مهامه في القطب الشمالي. مقترحات مثل إنشاء مهمة دائمة لمراقبة المنطقة، أو زيادة الإنفاق الدفاعي الأوروبي هناك، تهدف إلى تحويل الملف من نزاع ثنائي مع أمريكا إلى إطار جماعي يخفف من حدة التوتر.

في جوهر هذه الجهود، تحاول أوروبا إنقاذ الناتو من نفسه: حماية التحالف من اندفاعات قائده الأكبر، من دون دفعه إلى الزاوية أو استفزازه سياسياً.

الاقتصاد في قلب الصراع

إلى جانب البعد العسكري، تشكل المعادن الحيوية العامل الأكثر إغراءً في ملف جرينلاند حسب اطلاع بقش على تفاصيل الملف. الجزيرة تحتوي على احتياطات واعدة من العناصر الأرضية النادرة، الضرورية لصناعات التكنولوجيا المتقدمة والطاقة المتجددة والدفاع، وهي مواد تسعى أمريكا منذ سنوات إلى تأمينها بعيداً عن الهيمنة الصينية.

الاتحاد الأوروبي نفسه يعاني من معضلة مماثلة، وقد أدرج جرينلاند ضمن استراتيجيته لتأمين سلاسل التوريد. لذلك، ظهرت فكرة الصفقة الثلاثية غير المعلنة: استثمارات أوروبية، مشاركة أمريكية، وسيادة دنماركية محفوظة شكلياً.

غير أن الواقع أكثر تعقيداً. فمشروعات التعدين في جرينلاند تواجه تحديات بيئية ولوجستية هائلة، كما أن الجدوى الاقتصادية لا تزال محل نقاش. الدنمارك حاولت لسنوات جذب استثمارات كبرى دون نجاح حاسم، وهو ما يضع علامات استفهام حول ما إذا كان ترامب يسعى فعلاً إلى المعادن، أم يستخدمها كورقة تفاوضية.

مع ذلك، يراهن الأوروبيون على أن الجمع بين ملف المعادن وأمن القطب الشمالي قد يشكل “حزمة متكاملة” مغرية للإدارة الأمريكية حسب قراءة بقش، خاصة إذا قُدمت باعتبارها شراكة استراتيجية لا تنازلاً سيادياً.

أزمة جرينلاند تكشف بوضوح أن أوروبا لم تعد تتعامل مع أمريكا بوصفها شريكاً يمكن التنبؤ بسلوكه، بل كقوة حليفة قابلة للمفاجأة والضغط. وهذا التحول يفرض على القارة إعادة التفكير في أدواتها السياسية، وحدود اعتمادها المطلق على واشنطن.

في المقابل، يدرك الأوروبيون أن كلفة القطيعة مع أمريكا ستكون أعلى بكثير من كلفة تقديم تنازلات مدروسة. لذلك، فإن السعي لمنح ترامب “نصراً محسوباً” لا يعكس ضعفاً بقدر ما يعكس واقعية سياسية في لحظة اضطراب دولي واسع.

في النهاية، قد لا تكون جرينلاند هي القضية الحقيقية، بل مجرد عرض لمرض أعمق: تآكل قواعد النظام الغربي التقليدي، وصعود منطق الصفقات على حساب التحالفات. والسؤال المفتوح الآن ليس ما إذا كانت أوروبا ستنجح في احتواء ترامب، بل ما إذا كان هذا النموذج من الأزمات سيصبح القاعدة الجديدة في العلاقة عبر الأطلسي.

زر الذهاب إلى الأعلى