معركة تكسير العظام في واشنطن: هل يكتب ترامب نهاية عصر “استقلالية الفيدرالي”؟

الاقتصاد العالمي | بقش
في سابقة تاريخية تكاد تعصف بالتقاليد الراسخة للمؤسسات المالية في أمريكا، يجد النظام المالي العالمي نفسه أمام لحظة مفصلية عقب الإعلان الصادر عن وزارة العدل الأمريكية بفتح تحقيق جنائي مع جيروم باول، رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي.
هذا الحدث الذي وقع في الحادي عشر من يناير 2026 وفق متابعة بقش، لا يمثل مجرد إجراء قانوني روتيني، بل هو ذروة صراع محتدم بين السلطة التنفيذية ممثلة في الرئيس دونالد ترامب، وبين السلطة النقدية التي تحاول التمسك بحصن استقلاليتها، حيث يسعى الرئيس بوضوح لا لبس فيه إلى تطويع البنك المركزي لخدمة أجندته الاقتصادية قبل مغادرته المكتب البيضاوي.
المشهد في واشنطن يبدو ضبابياً ومحتقناً، فالهجوم غير المسبوق الذي تشنه الإدارة الحالية على شخص جيروم باول وزملائه في المجلس يتجاوز الانتقادات اللفظية التي عهدناها في فترات رئاسية سابقة، ليصل إلى استخدام أدوات القانون الجنائي كأوراق ضغط سياسية. التوقيت هنا يحمل دلالات خطيرة، إذ يأتي تسريب أنباء التحقيق قبل أربعة أشهر فقط من انتهاء ولاية باول كرئيس للمجلس، مما يشير إلى أن الهدف ليس مجرد إزاحته عن الرئاسة، بل ممارسة أقصى درجات الترهيب لإجباره على الاستقالة الكاملة ومغادرة مجلس المحافظين نهائياً، وهو ما يفتح الباب أمام ترامب لتعيين بديل أكثر طاعة وولاءً لتوجهاته الخاصة بخفض أسعار الفائدة.
وعلى الرغم من ضراوة هذه الهجمة، يبدو أن ساكن مبنى “إكليس” (مقر الفيدرالي) قد قرر المواجهة بدلاً من الانحناء للعاصفة. جيروم باول، الذي أظهر رباطة جأش ملحوظة، لا يبدو في وارد التخلي عن مقعده، بل إن المؤشرات تذهب إلى أنه سيقاتل للحفاظ على موقعه كعضو في مجلس المحافظين حتى نهاية فترته القانونية في يناير 2028، حتى بعد تسليمه مطرقة الرئاسة في مايو المقبل. هذا الصمود يعكس إدراكاً عميقاً من جانب باول بأن استقالته تحت الضغط ستكون بمثابة إعلان وفاة لاستقلالية البنك المركزي، وتحويله إلى مجرد إدارة تابعة لوزارة الخزانة أو البيت الأبيض، وهو ما حذر منه اقتصاديون مخضرمون ومؤرخون ماليون طوال العقود الماضية.
المعركة الحالية تتجاوز شخص باول لتمس الهيكل التنظيمي للمجلس بأكمله، حيث تشير التحليلات إلى أن استراتيجية ترامب لا تقف عند حدود تغيير الرئيس، بل تمتد لمحاولة تفكيك “الكتلة الصلبة” داخل المجلس. ومع ذلك، فإن القراءات الأولية تشير إلى أن حسابات البيت الأبيض قد تكون جانبت الصواب في تقدير صلابة الخصوم؛ فمحاولات إقالة ليزا كوك باءت بالفشل، وإصرار الأعضاء على البقاء قد يحول دون تحقيق “الانقلاب الناعم” الذي يطمح إليه الرئيس سريعاً، لكن الخطر يكمن في النفس الطويل الذي يمارسه ترامب، والذي قد يمكنه في النهاية من كسب الحرب حتى لو خسر هذه المعركة التكتيكية.
حرب الأعصاب واستراتيجية الترهيب المؤسسي
يبدو جلياً أن التسريبات المتعلقة بالتحقيق الجنائي تهدف في المقام الأول إلى خلق بيئة عمل عدائية داخل أروقة الفيدرالي، لدفع صناع السياسة النقدية نحو خيارين أحلاهما مر: إما الانصياع لرغبات الرئيس في خفض الفائدة دون مبرر اقتصادي قوي، أو الاستقالة “حفاظاً على الكرامة”. هذه الاستراتيجية التي يمكن وصفها بـ”الترهيب المؤسسي” تضع أعضاء المجلس تحت ضغط نفسي هائل، إلا أن ردود الفعل الأولية تُظهر تماسكاً غير متوقع وفق قراءة بقش.
فالمواقف السابقة لباول، بما في ذلك تصحيحه العلني لمعلومات ترامب المغلوطة حول تكاليف تجديد المباني أمام الكاميرات، تؤكد أن الرجل يتمتع بجلادة سياسية قد تجعل مهمة إخراجه أصعب مما يتصور مستشارو الرئيس في الجناح الغربي.
في سياق متصل، يشير الخبراء إلى أن بقاء باول في مجلس المحافظين بعد انتهاء رئاسته سيشكل “شوكة” في حلق أي رئيس جديد قد يعينه ترامب، وسيكون بمثابة صمام أمان يمنع الانحراف الحاد بالسياسة النقدية. التاريخ يخبرنا أن بقاء رئيس سابق كعضو عادي هو أمر نادر ولكنه قانوني تماماً، وفي ظل هذه الظروف الاستثنائية، قد يصبح هذا الخيار ضرورة ملحة لحماية المؤسسة. إن إخلاص باول وتقاليده المؤسسية قد تكون الدافع الأقوى له للصمود، مما يحبط خطط ترامب الرامية لإحداث فراغ سريع يمكن ملؤه بموالين يفتقرون للخبرة أو الاستقلالية المطلوبة.
من ناحية أخرى، فإن الفشل المحتمل لهذه الضغوط في المدى القصير قد يؤدي إلى نتائج عكسية تماماً لما يشتهيه ترامب. فبدلاً من التساهل في السياسة النقدية، قد تجد لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية نفسها مضطرة للتشدد أكثر في قرارات خفض الفائدة، وذلك لنفي أي تهمة بالخضوع للإملاءات السياسية. سيصبح عبء الإثبات على الداعين للتيسير النقدي أثقل، وسيكون كل قرار بخفض الفائدة بحاجة إلى تبريرات اقتصادية قاهرة لضمان عدم تفسيره كاستسلام للبيت الأبيض، مما يعني أن “ترمب” قد يكون هو السبب غير المباشر في بقاء الفائدة مرتفعة لفترة أطول.
علاوة على ذلك، فإن هذه الأجواء المشحونة ستجعل مهمة البحث عن خليفة لباول عملية شائكة ومعقدة للغاية. فالمرشحون المحتملون الذين يتم تداول أسمائهم، مثل كيفن هاسيت وكيفن ورش، سيجدون أنفسهم في موقف لا يحسدون عليه؛ إذ يتعين عليهم إظهار الولاء لترامب لنيل الترشيح، وفي الوقت ذاته إثبات استقلاليتهم لإقناع مجلس الشيوخ والأسواق. هذا التناقض قد يقلص قائمة المؤهلين الجادين، ويفتح المجال لأسماء أخرى مثل كريستوفر والر أو ريك ريدر، لكن أي قادم جديد سيواجه تشكيكاً مستمراً في قدرته على العمل بعيداً عن ظل الرئيس الثقيل.
لم تكن ردود الفعل السياسية في الكابيتول هيل أقل حدة من التوتر داخل الفيدرالي حسب متابعات بقش، حيث برزت أصوات جمهورية وازنة تعارض هذا التغوّل التنفيذي. السيناتور توم تيليس، عضو لجنة الخدمات المصرفية المؤثرة، ألقى بقنبلة سياسية عندما أعلن رفضه التصويت لتثبيت أي مرشح جديد للفيدرالي حتى انجلاء الغبار القانوني عن قضية باول. هذا الموقف يحمل وزناً استراتيجياً هائلاً؛ ففي ظل التوازنات الدقيقة داخل اللجنة، فإن صوت تيليس كفيل بوقف عجلة الترشيحات تماماً، مما يضع إدارة ترامب أمام مأزق تشريعي قد يشل قدرتها على تعيين بدلاء لفترة غير معلومة.
المفارقة العجيبة تكمن في رد فعل الأسواق المالية، التي بدت وكأنها تعيش في عالم موازٍ. فعلى الرغم من خطورة الأنباء التي تمس عصب النظام المالي، تعاملت “وول ستريت” ببرود مثير للدهشة والقلق في آن واحد. عوائد سندات الخزانة لأجل عشر سنوات لم تتحرك سوى بنقاط أساسية طفيفة، وأسواق الأسهم حافظت على استقرارها النسبي. يفسر المحللون هذا الهدوء بأنه رهان من المستثمرين على قوة المؤسسات الأمريكية وقدرة الكونغرس على لجم جموح الرئيس، أو ربما هو نوع من “الإنكار” للمخاطر الحقيقية التي قد تنجم عن تسييس البنك المركزي.
لكن هذا الهدوء قد يكون الهدوء الذي يسبق العاصفة، فالمخاطر الاقتصادية المترتبة على فقدان الفيدرالي لاستقلاليته لا يمكن الاستهانة بها. تاريخياً، كانت استقلالية البنوك المركزية هي الضامن الرئيس لكبح جماح التضخم، وأي عبث بهذه المعادلة قد يؤدي إلى عودة “علاوة المخاطر التضخمية” للظهور في أسواق السندات.
إذا أدركت الأسواق أن الفيدرالي أصبح أداة سياسية، فإن المستثمرين سيطالبون بعوائد أعلى بكثير لتعويض مخاطر تآكل القيمة الشرائية للدولار، مما قد يرفع تكلفة الاقتراض الحكومي والخاص ويضر بالاقتصاد الذي يزعم ترامب أنه يحاول حمايته.
الضمانات التي وضعها قانون الاحتياطي الفيدرالي لعام 1935، والذي صمم خصيصاً لحماية البنك من النزوات السياسية، تخضع الآن لأقسى اختبار في تاريخها. وبينما صمدت هذه الحواجز حتى الآن، فإن استمرار الضغط واستخدام “الثغرات” القانونية والتعيينات الحزبية قد يؤدي إلى تآكلها ببطء. السوق تراهن حالياً على المؤسسات، ولكن إذا نجح ترامب في اختراق الجدار التشريعي عبر تعيينات أثناء العطلات أو عبر ضغوط سياسية هائلة على الجمهوريين المترددين، فإن رد الفعل المالي قد يكون عنيفاً ومفاجئاً.
لعبة النفس الطويل وإعادة هندسة الفيدرالي
في النظر إلى المدى البعيد، يبدو أن ترامب يراهن على عامل الوقت وتغيير التركيبة الديموغرافية لمجلس المحافظين وفق قراءة بقش. فترات العضوية الطويلة التي تصل إلى 14 عاماً نادراً ما تكتمل، والاستقالات المبكرة هي العرف السائد منذ التسعينيات. ومع وجود أعضاء حاليين خدموا فترات طويلة نسبياً، يرى مخططو البيت الأبيض أن الفرصة سانحة لإحداث تغيير جذري في تركيبة المجلس بحلول عام 2029.
إذا استطاع ترامب تعيين عضو ثالث موالٍ له بعد مغادرة باول المحتملة في 2028، بالإضافة إلى وجود ستيفن ميران وميشيل بومان (التي قد يُجدد لها أو تبقى لتعاطفها)، فإنه سيضمن أغلبية مريحة تعيد تشكيل السياسة النقدية لسنوات قادمة.
ولا يكمن الخطر الحقيقي فقط في الأشخاص، بل في تغيير “الثقافة المؤسسية” للفيدرالي. دخول أغلبية تدين بالولاء لشخص الرئيس بدلاً من البيانات الاقتصادية سيقوض مبدأ “الإجماع” والمداولات الفنية التي ميزت عمل المجلس لعقود. هذا التحول قد يعني تبني نظريات اقتصادية هامشية أو تجريبية تخدم أهدافاً سياسية قصيرة الأمد، مثل تمويل العجز الحكومي عبر الطباعة النقدية المباشرة، وهو ما يعرف بـ “الهيمنة المالية”، حيث يصبح البنك المركزي تابعاً لوزارة الخزانة فعلياً.
حسابات الولاية الرئاسية والتعيينات تشير إلى أن ترامب، حتى لو فشل في إزاحة باول فوراً، فإنه يزرع بذور مجلس فيدرالي جديد كلياً. السيناريو الأكثر رعباً للمراقبين هو أن يغادر ترامب منصبه في 2029 تاركاً خلفه مجلساً مفصلاً على مقاس “الترامبية الاقتصادية”، مما يجعل من الصعب على أي إدارة لاحقة العودة إلى النهج التقليدي القائم على البيانات. إنها لعبة شطرنج معقدة، حيث يحاول الرئيس التضحية ببعض البيادق الآن لكسب الملك (السيطرة على السياسة النقدية) في نهاية اللعبة.
مستقبل الاستقلالية على المحك
في الختام، يبدو أن الولايات المتحدة تقف أمام منعطف تاريخي يعيد تعريف العلاقة بين الاقتصاد والسياسة. الركائز الثلاث التي حمت الفيدرالي طوال العقود الماضية – وهي الحماية القانونية من العزل التعسفي، وكفاءة الأعضاء، ودور مجلس الشيوخ كحارس للأعراف – تتلقى ضربات متتالية.
وبينما ينتظر الجميع كلمة الفصل من المحكمة العليا في المرافعات المرتقبة يوم 21 يناير لتحديد مدى حصانة رؤساء الهيئات المستقلة، فإن مجرد وصول الأمر إلى هذا الحد يعد شرخاً في جدار الثقة الذي بني عليه النظام المالي الغربي.
المعركة القادمة في مجلس الشيوخ لتثبيت خليفة باول ستكون الاختبار الحقيقي لمدى قدرة المؤسسات التشريعية على الصمود أمام المد الشعبوي. إذا نجح “الحرس القديم” في الحزب الجمهوري في فرض معايير الكفاءة والاستقلالية، فقد ينجو الفيدرالي بأقل الأضرار. أما إذا خضعت السلطة التشريعية للإرادة الرئاسية، فإننا قد نشهد تحولاً جذرياً في هوية البنك المركزي، ليصبح أداة سياسية تتغير توجهاتها بتغير ساكن البيت الأبيض، وهو ما يشكل خطراً وجودياً على مكانة الدولار كعملة احتياط عالمية.
قد يخسر ترامب معركته الشخصية مع جيروم باول، وقد يبقى الأخير في منصبه كرمز للعناد المؤسسي، لكن الرئيس الأمريكي، وعبر استراتيجيته طويلة الأمد وتعييناته المستقبلية، قد ينجح في النهاية في كسب الحرب الأكبر. إن السيطرة على الفيدرالي ليست مجرد رغبة عابرة، بل هي حجر الزاوية في مشروع ترامب لإعادة تشكيل الدولة الأمريكية، ويبدو أن “حصن الدولار” هو الجبهة الأخيرة التي يتم قصفها الآن بلا هوادة.


