الاقتصاد العالمي
أخر الأخبار

من أزمة إمدادات إلى ركود عابر للقارات: اختبار قاسٍ يكشف ضعف النظام النفطي العالمي

الاقتصاد العالمي | بقش

ما يحدث في أسواق الطاقة أصبح موقف اختبار وجودي للنظام الاقتصادي العالمي، فمنذ تعطل الملاحة في مضيق هرمز دخل العالم في طور جديد من صدمات الطاقة، تتكشف ملامحه بسرعة هائلة، مع اختفاء نحو 20% من إمدادات النفط العالمية، أي ما يقارب 8 ملايين برميل يومياً، مقابل استجابة محدودة من “أوبك” لم تتجاوز 206 آلاف برميل يومياً، أي أقل من 2% من الفجوة.

وحسب تتبُّع “بقش”، بات هذا الاختلال الحاد سلسلةً من “الدومينوهات” التي تتساقط دولة تلو الأخرى، كاشفةً واقعاً مختلفاً تماماً عما تعلنه الحكومات حول “كفاية الاحتياطيات”. وتُظهر البيانات الميدانية أن الأزمة أصبحت واقعاً يومياً في عدد متزايد من الدول.

للتمثيل على ذلك، في سريلانكا حدث تقنين اقتصادي صارم، وفرض أسبوع عمل من 4 أيام، وفي باكستان سُجلت قفزات سعرية مفاجئة وطوابير وقود وإجراءات تقشف مشابهة، وفي الهند لا يتجاوز المخزون 9 أيام، مع بحث محموم عن موردين طوارئ.

وفي كوريا الجنوبية يكفي الاحتياطي 50 يوماً فقط، ما يضعها تحت ضغط زمني متسارع، كما أن هناك فجوة في اليابان بين الأرقام المعلنة (254 يوماً) والفعلي القابل للاستخدام (95 يوماً فقط).

أما في أوروبا، فتجري التحذيرات ببريطانيا من نقص وشيك في الإمدادات مع بداية أبريل المقبل، وفي ألمانيا ارتفعت أسعار الغاز بنسبة 30% وتم تفعيل خطط الطوارئ، وزادت أسعار الوقود بفرنسا بنسبة 30% خلال 8 أسابيع.

وفي الأسواق الناشئة، تآكل المخزونات في تركيا مع تضخم متصاعد وضغط كبير على الليرة التركية، وبدت البرازيل في وضع أكثر تماسكاً نسبياً بفضل الإنتاج المحلي، لكن مع اختناقات في سلاسل التوريد.

وذهاباً إلى أستراليا، فتشهد تأخيرات في الناقلات واعتماداً شبه كامل على الاستيراد، وفي الصين يُعد المخزون ضخماً (1.4 مليار برميل) مع حظر للتصدير واستمرار استيراد النفط الإيراني. كما لجأت الولايات المتحدة إلى إجراءات استثنائية تشمل تعليق ضرائب البنزين في بعض الولايات،
والسحب من الاحتياطي الاستراتيجي، وتخفيف ضمني للعقوبات على إيران لتقليل الضغط على السوق.

فجوة بين الأرقام الرسمية والواقع

تكشف الأزمة عن فجوة خطيرة بين ما تعلنه الحكومات وما يحدث فعلياً. مثالاً، بالغت اليابان في تقدير احتياطياتها بثلاثة أضعاف تقريباً، وتعاني دولة جنوب أفريقيا فعلياً من نقص رغم النفي الرسمي، بينما تقترب الهند من حافة أزمة إمدادات حادة خلال أيام. وأكد هذا التباين على أزمة ثقة في بيانات الطاقة العالمية، وعلى أن الاحتياطيات الكافية قد تكون مجرد غطاء مؤقت لتأخير الذعر.

وتُقارن الأزمة الحالية بما حدث في سبعينيات القرن الماضي، حين أدت صدمات النفط (1973 و1979) إلى تضاعف الأسعار عدة مرات، وانفجار التضخم، وإعادة توزيع القوة بين الدول والشركات. ويرى خبراء أن العالم اليوم قد يكون أمام “الصدمة النفطية الكبرى الثالثة”، لكنها تختلف في كونها أكثر تعقيداً بسبب العولمة، وأكثر ترابطاً مالياً، وأسرع انتقالاً عبر الأسواق.

كما أن هذه الصدمة تعيد تشكيل موازين القوة، حيث تعزز موقع الدول المنتجة، خاصة في الخليج، التي أصبحت مركزاً لتدفقات رأس المال العالمي عبر صناديقها السيادية.

سيناريوهات سيئة.. من التضخم إلى الركود

وفق تقديرات اطلع عليها بقش من بنك UBS، فإن مسار الأزمة يعتمد على مدتها. ففي السيناريو قصير الأمد، سيحدث ارتفاع مؤقت في الأسعار، وتأثير محدود على الولايات المتحدة، وتباطؤ طفيف في أوروبا.

أما في السيناريو الممتد، فإن أسعار النفط قد تتجاوز 150 دولاراً للبرميل، مع موجة تضخم عالمية جديدة، وضغط أكبر على الاقتصاد الأوروبي. وفي السيناريو الحاد ثمة أضرار طويلة الأمد للبنية التحتية، مع دخول أوروبا والولايات المتحدة في ركود تقني، وتضخم أوروبي يتجاوز 4% لفترة ممتدة (ركود تضخمي).

وفي هذا السياق، تواجه البنوك المركزية، خصوصاً في أوروبا، معضلة مزدوجة تتمثل في كبح التضخم دون خنق النمو.

وتمتد الصدمة إلى الأسواق المالية، حيث تتسع فروقات الائتمان بشكل حاد، وتصبح السندات عالية المخاطر أكثر عرضة للانهيار، ويظهر ضعف واضح في أسواق الائتمان الأوروبية مقارنة بالأمريكية، وذلك يؤكد هشاشة البنية المالية في مواجهة صدمات الطاقة، خاصة في الاقتصادات المعتمدة على الاستيراد.

شركات النفط: بين الخسارة التشغيلية والربح السعري

تتباين آثار الأزمة على شركات الطاقة الكبرى، فشركات عملاقة مثل “شل” و”توتال إنرجي” و”إيني” و”بي. بي” لديها إنتاج متأثر مباشرة بمضيق هرمز، وتُعد شركة “توتال إنرجي” الأكثر تعرضاً للخسائر (حوالي 15% من إنتاجها).


لكن رغم تغطل الإنتاج، تكمن المفارقة في الأزمة في أن ارتفاع الأسعار قد يحقق أكثر من 25 مليار دولار تدفقات نقدية إضافية لهذه الشركات في 2026، وثمة شركات أقل تعرضاً مثل “إكوينور” النرويجية التي قد تكون من أكبر المستفيدين حسب اطلاع بقش. وفي السيناريوهات القصوى، قد تتجاوز أسعار النفط 200 دولار للبرميل، ما يعزز أرباح الشركات لكنه يفاقم عدم الاستقرار العالمي.

وكما في السبعينيات، تعيد الأزمة تشكيل النظام المالي، إذ إن تدفقات “الدولارات النفطية” تعود للواجهة، مع استمرار هيمنة الدولار الأمريكي. لكن هذه المرة، يحدث ذلك في بيئة أكثر تعقيداً، حيث تتداخل الأسواق المالية مع سلاسل الإمداد والطاقة بشكل غير مسبوق.

الخلاصة: الأزمة لم تبدأ بعد

رغم كل هذه المؤشرات، فإن أخطر ما في الأزمة ليس ما ظهر، بل ما لم يظهر بعد. فالاحتياطيات العالمية تتآكل بسرعة، والفجوة بين العرض والطلب لا تزال ضخمة، والبدائل غير كافية، والتنسيق الدولي لا يزال محدوداً.

وبينما يُتفق على أن العالم يعيش اليوم بداية الأزمة لا ذروتها، فإن استمرار تعطل مضيق هرمز يطرح تساؤلات عميقة حول إمكانية حدوث صدمة نفطية عالمية شاملة، وإلى أي مدى ستعيد هذه الصدمة تشكيل الاقتصاد العالمي، ومن سيدفع الثمن الأكبر؟

زر الذهاب إلى الأعلى