تقارير
أخر الأخبار

من بكين إلى نيودلهي: عمالقة آسيا تحت ضغط انهيار الإمدادات واختناق النفط

تقارير | بقش

ترصد مؤشرات وتحليلات مختلف وكالات الأنباء وشركات الشحن البحري تحولاً مفصلياً في مسار الاقتصاد العالمي الحديث، حيث كانت التطورات العسكرية الأخيرة نقطة ارتكاز أعادت تشكيل مشهد الطاقة والتجارة. أرسلت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران موجات صدمة عنيفة ضربت شواطئ القارة الآسيوية بصورة مباشرة، محولةً أسواق الإمدادات إلى ساحة أزمة معقدة.

حسب اطلاع “بقش” على بيانات بلومبيرغ، فإن الأسواق العالمية تعيش حالة من الاضطراب غير المسبوق منذ عقود، إثر الإغلاق شبه الكامل لمضيق هرمز، والذي أدى إلى اختناق شريان الحياة الرئيسي المغذي لآلة النمو الصناعي في آسيا.

وتعتمد الدول الآسيوية الكبرى بشكل شبه كلي على الخام المتدفق من الشرق الأوسط، وهو اعتماد مفرط تحول في ظل هذه الحرب إلى تهديد وجودي لاقتصاداتها. ومع قفزة أسعار النفط وتجاوزها حاجز المئة دولار للبرميل، وجدت الحكومات وصناع القرار أنفسهم أمام خيارات قاسية ومكلفة؛ إما استنزاف الاحتياطيات الاستراتيجية التي بُنيت بشق الأنفس لمواجهة الطوارئ، أو تمرير التكلفة المضاعفة إلى المستهلكين والقطاعات الإنتاجية. هذا التهديد تجاوز الإطار النظري ليصبح واقعاً يتجلى في الارتفاع الجنوني لتكاليف الشحن البحري، وتعطيل سلاسل الإمداد التي كانت بالكاد تتعافى من أزمات السنوات القليلة الماضية.

ولم تقف تداعيات هذا النزاع العسكري عند حدود أسواق النفط والغاز، إذ امتدت لتشعل موجة تضخمية عالمية جديدة أربكت الحسابات النقدية. البنوك المركزية في آسيا، التي كانت تهيئ بيئة الأعمال لدورة من التيسير النقدي لدعم النمو، اضطرت لتغيير سياساتها بشكل جذري وسريع.

ومن خطط سحب السيولة الضخمة لاحتواء التضخم المستورد، إلى استنفار الأجهزة الحكومية لتأمين بدائل الطاقة، تبدو القارة اليوم في سباق محموم لتفادي ركود تضخمي عميق، وسط براغماتية سياسية واقتصادية فرضتها لغة البقاء وتأمين استقرار الأسواق المفتوحة.

في الصدارة، بدأ بنك الشعب الصيني في تعديل أدواته النقدية، حيث سحب سيولة من السوق لأول مرة منذ عام حسب متابعة بقش، وتجاوزت السيولة المسحوبة 810 مليارات يوان (117 مليار دولار) خلال شهر مارس، في خطوةٍ أشارت إلى أن السلطات النقدية تسعى إلى الاحتفاظ بالذخيرة لمواجهة مراحل أكثر تعقيداً لاحقاً، بدلاً من استنزاف أدواتها مبكراً.

ومع ذلك، لم يصل هذا التحول إلى حد التشديد الصريح، إذ ظلت كلفة الاقتراض بين البنوك عند مستويات منخفضة نسبياً، ما يعكس محاولة دقيقة للموازنة بين دعم النمو ومنع تفاقم التضخم. فالصين تجد نفسها مضطرة لإدارة معادلة صعبة تتمثل في احتواء آثار ارتفاع أسعار الطاقة دون خنق النشاط الاقتصادي أو رفع كلفة التمويل بشكل كبير.

عمالقة آسيا في عين العاصفة

في بكين، أحدثت أزمة الطاقة ارتباكاً واسعاً في قلب الآلة الصناعية الصينية، حيث وُضعت مقاطعات كبرى ومراكز صناعية مثل “قوانغدونغ” في حالة طوارئ طاقية، مع توجيهات صارمة بالعودة إلى الفحم وتسريع المشاريع النووية لتعويض نقص الغاز المستورد.

ورغم تطمينات الشركات الحكومية الكبرى بامتلاكها مسارات إمداد بديلة واحتياطيات ضخمة تقارب 1.4 مليار برميل، إلا أن التحرك الحذر للبنك المركزي الصيني بسحب نحو تريليون يوان من النظام المالي يعكس قلقاً عميقاً من انتقال عدوى أسعار الطاقة لتخنق شرايين الاقتصاد الصيني الذي يواجه بالفعل تحديات هيكلية في قطاعاته الإنتاجية.

وفي نيودلهي، تتخذ الأزمة أبعاداً أكثر قتامة وتأثيراً على القطاعات الصناعية الحيوية، إذ يقود رئيس الوزراء الهندي خلية أزمة لتأمين الغاز المسال، بينما تتساقط المصانع في مدن مثل “فيروز آباد” تحت وطأة تكاليف التشغيل.

وفي خطوة تعكس حجم البراغماتية، بدأت المصافي الهندية في غض الطرف عن قيود الاستيراد التقليدية، متجهة نحو استيراد شحنات النفط الإيرانية والفنزويلية بكثافة، نظراً لتوافق هذا الخام الثقيل مع بنية مصافيها، ولمحاولة إنقاذ المؤشرات الصناعية التي هوت إلى أدنى مستوياتها منذ أربع سنوات ونصف.

وتجد اليابان وكوريا الجنوبية نفسيهما بين مطرقة الضغوط السياسية وسندان التضخم الذي يلتهم مكاسب اقتصاداتهما، فبينما تستعد شركات الطيران اليابانية لفرض رسوم قياسية للوقود وسط قفزة في أسعار أكثر من 2700 سلعة غذائية، تواجه سيؤول ضغوطاً من الرئيس الأمريكي ترامب للمشاركة في تأمين مضيق هرمز.

وتدرك كوريا الجنوبية، التي سارعت لتأمين 50 مليون برميل كبدائل مؤقتة، أن أمنها الطاقي بات رهينة لتجاذبات جيوسياسية تتجاوز قدرتها الفردية على المناورة في ظل انقطاع الإمدادات الأساسية.

سباق التحالفات والبدائل الاستراتيجية

في ظل انسداد الأفق الملاحي في الخليج العربي، برزت دول أخرى كطوق نجاة استراتيجي لعمالقة الصناعة، حيث استفادت كازاخستان من إعفاء من الإدارة في أمريكا لمواصلة ضخ النفط الروسي إلى الصين عبر خطوط الأنابيب البرية حتى عام 2027.

هذا التدفق البري الآمن أصبح بمثابة بوليصة تأمين حيوية لأسواق الطاقة الآسيوية، ويعكس كيف أن الجغرافيا السياسية للحرب أجبرت القوى الغربية على تقديم تنازلات تكتيكية لتجنب انهيار كامل في إمدادات الطاقة العالمية، وهو ما كان سيرتد بأضرار بالغة على الاقتصاديات الكبرى.

وعلى الجبهة الدبلوماسية، لم تكتفِ أستراليا بمراقبة المشهد المتوتر، بل أدركت أن التكلفة الاقتصادية بدأت تخرج عن السيطرة وتهدد شركاءها التجاريين في آسيا، وفق متابعة بقش تصريحات رئيس وزراء أستراليا. ورغم أنه اعتبر أن التحركات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية “حققت أهدافها تقريباً” في تحييد بعض القدرات النوعية لطهران، إلا أن انضمام طكانبرا” إلى تحالف دولي يضم 35 دولة لمحاولة فتح المضيق يعكس إدراكاً دولياً بأن القوة العسكرية الاستباقية وحدها لا تضمن استقرار الملاحة والتجارة، وأن تأمين الممرات يتطلب آليات ردع مشتركة وتوافقاً عالمياً.

وفي مشهد يعكس قمة المرونة السياسية وقت الأزمات، اتخذت الفلبين مساراً دبلوماسياً مغايراً لتأمين احتياجاتها النفطية، متوجهة مباشرة إلى طهران بطلب رسمي لتصنيفها كدولة “غير معادية”، أملاً في تأمين مرور آمن لناقلاتها.

هذا التحرك، الذي يتزامن مع إعلان حالة الطوارئ الطاقية والبحث المحموم عن مناطق تنقيب محلية، يبرز كيف أن الدول النامية مستعدة لتجاوز التحالفات التقليدية عندما يكون أمنها القومي ومخزونها الاستراتيجي من موارد الطاقة على المحك الفعلي.

ارتدادات اقتصادية متباينة لدول الآسيان

لم تكن دول رابطة “الآسيان” بمنأى عن هذه الهزات الارتدادية، لكن قدرتها على امتصاص الصدمة تباينت بشكل حاد. ففي ماليزيا، تخوض الحكومة حرباً مالية لتقليص فاتورة دعم الوقود التي تكلف الخزينة مليارات الرينغيتات الماليزية شهرياً، وتواجه في الوقت ذاته موجات من الشائعات حول انقطاعات الكهرباء.

ولجأت كوالالمبور إلى سياسات تقشفية استثنائية، شملت إلزام موظفي القطاع العام بالعمل عن بُعد لتوفير الطاقة، مما يدل على أن أدوات إدارة الأزمات المعتادة لم تعد كافية لمواجهة صدمات العرض الحالية.

وعلى النقيض من حالة الاستنفار الماليزية، أظهرت إندونيسيا مناعة اقتصادية واضحة وسط هذه العاصفة، حيث نجحت حسب قراءات بقش في الحفاظ على فائض تجاري مستمر بفضل صادراتها القوية من السلع غير النفطية، وتحديداً في قطاع التعدين.

علاوة على ذلك، اتخذت جاكرتا خطوات ابتكارية بتعزيز أنظمة الدفع المباشر العابرة للحدود مع شركاء مثل كوريا الجنوبية، في توجه استراتيجي يهدف إلى تقليل الاعتماد على تسويات العملات الأجنبية وتخفيف وطأة تقلبات أسعار الصرف المرتبطة بصدمات الاقتصاد الكلي.

أما في فيتنام وباكستان، فقد اتسمت السياسات بالتدخل الحكومي المباشر للحد من تآكل القدرة الشرائية؛ إذ تسابق هانوي الزمن لإنشاء احتياطيات وطنية عملاقة للنفط الخام وتجميد الضرائب لحماية قطاعها التصديري.

في المقابل، تحاول إسلام آباد السير على حبل مشدود بين التضخم المتصاعد والمحافظة على توازن ميزان المدفوعات، حيث توفر الإعانات الحكومية الطارئة للوقود استقراراً مؤقتاً، لكنها تشكل ضغطاً هائلاً على المالية العامة إذا استمر إغلاق الممرات البحرية لفترات طويلة.

ففي باكستان أصبح التضخم هو العنوان الأبرز للمرحلة. وفق البيانات الرسمية التي يتتبَّعها بقش، ارتفعت الأسعار بنسبة 7.5% مع توقعات بوصولها إلى 8.5%، في ظل ارتفاع تكاليف الوقود وتراجع مخزون المشتقات النفطية، وأدت هذه التطورات إلى تآكل القدرة الشرائية للمواطنين، خصوصاً مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية، ما يضع ضغوطاً إضافية على الاقتصاد الهش أصلاً.

كل هذه المتغيرات تكشف عن نمط متكرر في مختلف الاقتصادات الآسيوية، يتمثل في ارتفاع الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية، واضطرار الحكومات إلى تعديل سياساتها بشكل سريع، لكن العامل المشترك الأبرز هو دور صدمة الطاقة، التي باتت المحرك الأساسي لهذه التحولات، سواء عبر تأثيرها المباشر على تكاليف الإنتاج أو عبر انعكاساتها على السياسات النقدية.

وبينما تحاول الدول الكبرى مثل الصين إدارة الأزمة بأدوات مالية ونقدية معقدة، تلجأ دول أخرى إلى إجراءات أكثر مباشرة مثل التقشف أو استخدام الاحتياطيات، لكن في جميع الحالات تبدو المنطقة أمام مرحلة اقتصادية أكثر هشاشة.

زر الذهاب إلى الأعلى