من مضيق هرمز إلى موائد العالم.. كيف هددت الحرب على إيران “الغذاء العالمي”

الاقتصاد العالمي | بقش
تتسع التداعيات الاقتصادية للحرب على إيران، مع بدء تأثيراتها المباشرة على التجارة العالمية وسلاسل الإمداد وأسواق الطاقة والغذاء، فمع تصاعد المواجهة أصبح الخليج العربي بؤرة توتر اقتصادي عالمي، خاصة مع تعطل الملاحة في مضيق هرمز الذي يُعد أحد أهم الممرات التجارية في العالم.
ووفقاً لتقرير اطلع عليه “بقش” ونشرته وكالة “بلومبيرغ”، بدأت آثار الصراع تنعكس بوضوح على حركة التجارة الدولية، إذ ارتفعت أسعار الطاقة وتكاليف النقل بشكل ملحوظ، بينما تواجه الشركات حول العالم مخاطر متزايدة تتعلق بنقص المكونات الأساسية وارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع هوامش الأرباح، ويكتسب مضيق هرمز أهمية استراتيجية كبرى، إذ يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية إضافة إلى كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال، ما يجعل أي اضطراب في الملاحة فيه ذا تأثير مباشر على الاقتصاد العالمي.
وأدى تعطّل حركة الملاحة في المضيق إلى ارتفاع حاد في تكاليف الوقود والشحن البحري، كما توقفت حركة الشحن الجوي في المنطقة لمدة أسبوع كامل، ما تسبب في تراكم الطلبات وتأخير عمليات النقل، وتشير بلومبيرغ إلى أن المخاطر الاقتصادية لا تقتصر على قطاع الطاقة، بل تمتد إلى سلع أساسية عديدة، إذ تمر عبر موانئ الخليج نحو 7% من صادرات “الأسمدة” العالمية، و6% من “المعادن الثمينة”، و5.3% من “الألومنيوم” ومنتجاته، إضافة إلى 4.4% من “الإسمنت والمعادن غير المعدنية”.
كما طالت الاضطرابات قطاع الشحن الجوي، حيث نقلت بلومبيرغ عن نيال فان دي ووو، كبير مسؤولي الشحن الجوي في شركة “زينيتا” المتخصصة في منصات الشحن الرقمي، أن أسعار الشحن الجوي قد تتضاعف ثلاث مرات في المدى القريب للرحلات التي تمر عبر مراكز الشحن في الشرق الأوسط، وأشار إلى أن توقف عدد كبير من طائرات الشحن أدى إلى اختفاء نحو 18% من سعة الشحن العالمية خلال أسبوع واحد فقط.
وفي قطاع النقل البحري، كشفت بيانات شركة “فيزيون” المتخصصة في تتبع سلاسل الإمداد عن تراجع الحجوزات اليومية لنقل الحاويات إلى الموانئ الواقعة شرق مضيق هرمز بنسبة 81% خلال يومين فقط، كما تشير التقديرات حسب قراءة بقش إلى وجود نحو 100 سفينة حاويات داخل الخليج غير قادرة على المغادرة بسبب المخاطر الأمنية، بينما اضطرت سفن أخرى إلى تغيير مساراتها نحو موانئ بديلة.
انعكست هذه التحولات سريعاً على حركة الموانئ العالمية، حيث ارتفعت نسبة الازدحام في ميناء نافا شيفا، أكبر موانئ الحاويات في الهند، إلى 64% بعدما كانت نحو 10% فقط في مطلع مارس، كما بدأت موانئ سنغافورة وكولومبو تشهد ارتفاعاً متزايداً في مستويات الازدحام نتيجة إعادة توجيه السفن.
وفي الأسواق المالية، أدت المخاوف من التضخم واضطراب سلاسل الإمداد إلى تقلبات في الأسهم والسندات والعملات، وسط قلق متزايد بشأن تأثير الحرب على المستهلكين والشركات في ظل الضغوط الاقتصادية العالمية القائمة بالفعل، وقالت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا جورجيفا إن الاقتصاد العالمي أظهر مرونة أمام الصدمات المتتالية في السنوات الأخيرة، لكنه يواجه الآن “اختباراً جديداً”، خاصة أن العديد من الدول تدخل هذه المرحلة بمستويات مرتفعة من الديون وهوامش مالية محدودة.
ضرب صناعة الأسمدة الفوسفاتية.. تهديد للغذاء العالمي
بالتوازي مع اضطرابات الطاقة والتجارة، بدأت تداعيات الحرب تمتد إلى الأمن الغذائي العالمي، فقد ذكرت صحيفة نيويورك تايمز في تقرير اطلع عليه بقش أن إغلاق مضيق هرمز لا يمثل فقط تهديداً لإمدادات النفط، بل يشكل أيضاً عائقاً رئيسياً أمام تدفق الأسمدة والمواد الأساسية للزراعة إلى الأسواق العالمية.
وتعد دول الخليج مركزاً رئيسياً لصناعة الأسمدة النيتروجينية المعتمدة على الغاز الطبيعي، حيث تعتمد السعودية وقطر والإمارات وإيران والبحرين على مضيق هرمز لتصدير جزء كبير من إنتاجها، وتشير بيانات الاتحاد الدولي للأسمدة إلى أن هذه المنطقة توفر نحو ثلث إمدادات اليوريا العالمية، وربع تجارة الأمونيا الدولية، وخُمس إنتاج الأسمدة الفوسفاتية.
تعطل الملاحة أدى إلى توقف بعض خطوط الإنتاج، إذ أعلنت شركة قطر للطاقة توقف إنتاجها من اليوريا بسبب تعطل إمدادات الغاز عقب الهجمات العسكرية، في حين تتكدس مخزونات الأسمدة في موانئ أخرى داخل سفن غير قادرة على المغادرة.
وانعكس هذا التعطل سريعاً على الأسعار، حيث سجلت أسعار اليوريا في مصر –التي تعد مؤشراً عالمياً مهماً– ارتفاعاً من 485 دولاراً إلى 665 دولاراً للطن خلال أسبوع واحد فقط، أي بزيادة بلغت 37%، ورغم أن الأسعار لم تصل بعد إلى المستويات القياسية التي سُجلت خلال الحرب الروسية الأوكرانية، فإن محللين في مؤسسة “أرغوس ميديا” يحذرون من أن الأزمة الحالية قد تكون أوسع نطاقاً نظراً لتأثر عدة دول منتجة في الوقت نفسه.
وتبرز الهند ضمن أكثر الدول عرضة لتداعيات هذه الأزمة، إذ تستورد نحو 40% من احتياجاتها من اليوريا والفوسفات من الشرق الأوسط، كما تواجه دول أفريقية عديدة مخاطر مماثلة، خاصة أن كثيراً من المزارعين الصغار يعتمدون على الأسمدة المستوردة للحفاظ على إنتاجهم الزراعي.
امتدت الأزمة أيضاً إلى تجارة الكبريت، وهو عنصر أساسي في صناعة الأسمدة الفوسفاتية والمعادن، وتشير تقديرات السوق التي تتبَّعها بقش إلى أن نحو نصف تجارة الكبريت العالمية باتت عالقة فعلياً على الجانب الآخر من مضيق هرمز بسبب تعطل الملاحة، الأمر الذي قد يؤثر على صناعة الفوسفات في المغرب وإنتاج النيكل في إندونيسيا وصناعة الأسمدة في الصين.
خبراء يرون أن توقيت الأزمة يزيد من خطورتها، إذ يتزامن مع استعداد مزارعي نصف الكرة الشمالي لموسم الربيع الزراعي. نيويورك تايمز نقلت عن خبير الهندسة الكيميائية بجامعة “لايدن” الهولندية “يان فيليم إيريسمان” قوله إن النتيجة المتوقعة هي ارتفاع أسعار الغذاء عالمياً، موضحاً أن عدم قدرة المزارعين على شراء الأسمدة سيؤدي إلى انخفاض إنتاجية الأراضي الزراعية، ما يعني أن نقص الأسمدة اليوم قد يتحول إلى نقص في الغذاء والمحاصيل في المستقبل.
وفي حين يرى بعض الاقتصاديين أن تأثير الحرب على النمو العالمي قد يبقى محدوداً في المدى القصير، فإن استمرار الصراع أو اتساعه قد يُحدث اضطرابات أعمق في أسواق الطاقة والتجارة والغذاء، ما يعني وضع الاقتصاد العالمي أمام مرحلة جديدة من عدم اليقين والتقلبات.


