الاقتصاد العربي
أخر الأخبار

موجة إنفاق سعودية تعيد تشكيل خريطة الاستثمار… والأسئلة تتصاعد حول جدوى ضخ المليارات في التقنية والذكاء الاصطناعي

الاقتصاد العربي | بقش

يمر المشهد الاقتصادي السعودي بداية عام 2025 بحالة إعادة تشكيل هادئة لكن عميقة في سلوك الشركات المدرجة تجاه الإنفاق الاستثماري. فبعد سنوات من التوسع الواسع في مشاريع البنية التحتية والصناعات الثقيلة، تتجه الشركات اليوم إلى نموذج أكثر انتقائية؛ مشاريع أصغر، عقود أقصر، وتحفظ أكبر في القطاعات ذات المخاطر العالية.

ورغم هذا التحول، يظل حجم الإنفاق الرأسمالي عند مستوى مرتفع يقارب 85 مليار دولار، مع توقعات بالوصول إلى 95 مليار دولار خلال العام المقبل وفق اطلاع بقش، ما يعكس مزيجاً غير مسبوق من الطموح والحذر في آن واحد.

ورغم أن الزخم الاستثماري مستمر، فإن جزءاً كبيراً من هذا الزخم يتركز في قطاعات الطاقة، المرافق، والاتصالات، وسط اندفاع واضح نحو التقنية ومشاريع الذكاء الاصطناعي. هذا الاندفاع يثير في المقابل مخاوف متنامية من “تشكل فقاعة تكنولوجية” قد تتضخم بشكل أسرع مما تستطيع الشركات تحقيقه من عوائد، خصوصاً مع ارتفاع تكلفة التمويل وتباطؤ الطلب العالمي على الاستثمارات ذات الأفق البعيد.

وبحسب محللين تابع بقش تقديراتهم، فإن الشركات السعودية تجد نفسها أمام معادلة جديدة: الحفاظ على الدور الريادي في مشاريع التنمية من جهة، وعدم الوقوع في فخ الإفراط في الإنفاق من جهة أخرى، خاصة في القطاعات التي تشهد منافسة عالمية محمومة وارتفاعاً غير مسبوق في التقييمات الرأسمالية.

استثمارات ضخمة.. لكن بمقاربات مختلفة

تؤكد البيانات الحديثة أن الشركات المدرجة في المملكة لم تتراجع عن التوسع، بل غيّرت طريقة تنفيذ هذا التوسع. فبدلاً من المشاريع العملاقة التي تستغرق سنوات طويلة، تتجه الشركات إلى مبادرات متوسطة الحجم يمكن قياس أثرها خلال مدد أقصر، وهو ما يظهر جلياً في قطاعات مثل الصناعات التحويلية والخدمات الاستهلاكية.

وتشير تقديرات تتبَّعها بقش من “إس آند بي غلوبال” إلى أن الإنفاق الرأسمالي بين 2025 و2027 قد يتراوح بين 85 و95 مليار دولار سنوياً، وهو مستوى مرتفع مقارنة بالأسواق الإقليمية. ويُعزى هذا الثبات إلى دعم كيانات الدولة التي تمثل نحو 90% من حجم الإنفاق، وتحديداً عبر مشاريع صندوق الاستثمارات العامة وبرامج التمويل الموجهة.

ورغم أن هذا الإنفاق يوفر زخماً اقتصادياً مهماً، إلا أنه يطرح تحديات على مستوى القدرة التشغيلية، خصوصاً مع ارتفاع أسعار الفائدة من 3.2% إلى 6.8% خلال ثلاث سنوات، ما يجعل تكلفة التمويل أعلى بكثير من دورات التوسع السابقة.

ويرى خبراء اقتصاد أن الشركات أصبحت تنظر بشكل أدق إلى مؤشرات العائد، في ظل بيئة تتطلب سرعة في تحقيق النتائج، وليس فقط افتتاح مشاريع جديدة.

الطاقة والمرافق.. الثقل الاستثماري يبقى في مكانه

يحافظ قطاع الطاقة في المملكة – باستثناء أرامكو – على مركزه كأكبر قطاعات الإنفاق. فالقطاع يخصص في المتوسط ما يقارب 20% من إيراداته لاستثمارات رأسمالية، مدفوعاً باستراتيجيات رفع الكفاءة والتوسع في مشاريع النقل والتوزيع.

أما قطاع المرافق، فيواصل بناء منظومته طويلة الأجل عبر توسع في شبكات الكهرباء والمياه، مع نسب إنفاق تقارب 10% من إجمالي الإيرادات. ويعد هذا القطاع أحد أكثر القطاعات اعتماداً على القروض طويلة الأجل، لكنه في الوقت نفسه من أكثرها استقراراً في العائدات.

وفي حين تبقى هذه القطاعات محركاً أساسياً للنمو، إلا أنها تواجه ضغطاً متزايداً نتيجة ازدحام المشاريع وتحديات سلاسل الإمداد، ما يجعل جدولة المشاريع ضرورة لا خياراً لضمان عدم تراكم التكاليف.

وفي قطاعات أخرى كالأغذية والمشروبات، يتواصل الإنفاق بدعم من خطط الأمن الغذائي، فيما تركز شركات الخدمات الاستهلاكية على تطوير البنية الرقمية وتقليل تكاليف التشغيل.

الاتصالات والتقنية.. تسارع كبير وتحذيرات من “تضخم غير محسوب”

يسجّل قطاع الاتصالات أعلى وتيرة نمو في الإنفاق خلال 2025. فقد رفعت شركة الاتصالات السعودية (STC) إنفاقها إلى 9.5 مليار ريال خلال النصف الأول من العام مقابل 2.5 مليار ريال فقط في الفترة نفسها من العام السابق حسب مراجعة بقش، بينما ضاعفت “اتحاد اتصالات” إنفاقها إلى مليار ريال. وفي المقابل، خفضت “زين السعودية” استثماراتها إلى النصف تقريباً لتصل إلى 553 مليون ريال.

هذا الارتفاع في إنفاق الشركات الكبرى يرتبط بشكل مباشر بمشاريع مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي. ورغم أهمية هذه المشاريع في السباق العالمي على بناء القدرات التقنية، فإن محللين يحذرون من أن وتيرة الإنفاق المتسارعة قد تتجاوز قدرة السوق على توليد عوائد تعادل الأموال الضخمة التي تُضخ اليوم.

وتشير تحليلات دولية إلى أن قطاع الذكاء الاصطناعي يشهد تضخماً في التقييمات، بينما لا تزال نماذج الربح التجارية غير مستقرة. وهذا يضع الشركات السعودية أمام سؤال جوهري: هل تستثمر الآن خوفاً من فوات الفرصة، أم تعيد تقييم الجدوى الاقتصادية قبل أن تتضخم الفقاعة؟

وتؤكد مصادر استثمارية أن القطاع المحلي قد يستفيد من البنية التحتية الضخمة، لكنه معرض لمخاطر إذا لم يترافق الإنفاق مع خطط تشغيل واضحة تعكس نمواً حقيقياً في الطلب وليس سباقاً استثمارياً فقط.

الغذاء والبتروكيماويات والعقار.. إنفاق انتقائي وعودة إلى “مبدأ الحذر”

في قطاع الأغذية، ارتفعت الاستثمارات بشكل ملحوظ. فقد رفعت “المراعي” صافي استثماراتها إلى 2.5 مليار ريال وفق قراءة بقش، بينما ضاعفت شركات أخرى مثل “صافولا” و”العثيم” نفقاتها لمواكبة زيادة الطلب المحلي وتعزيز الأمن الغذائي.

أما قطاع البتروكيماويات، فيظهر تبايناً واضحاً، إذ خفضت “سابك” صافي النقد المستثمر إلى 2.5 مليار ريال مقابل 5.4 مليارات ريال قبل عام، بينما رفعت “ينساب” و”سبكيم” استثماراتهما في الطاقة الإنتاجية.

وفي القطاع العقاري، تبدل المشهد بشكل كبير. لم تعد الشركات تركّز على المشاريع الضخمة، بل على مبادرات متخصصة مثل الإسكان الميسر والمجمعات الصناعية. وقفز إنفاق “دار الأركان” إلى 136.5 مليون ريال مقابل 3.3 ملايين فقط سابقاً، فيما ارتفعت استثمارات “المجدية” إلى 119 مليون ريال مقارنة بـ7.9 ملايين ريال.

ويشير خبراء الحوكمة إلى أن مجالس الإدارة باتت أكثر تحفظاً في اعتماد المشاريع الجديدة، نتيجة ارتفاع تكلفة التمويل وضغوط تقييم الأصول، وهو ما يدفع نحو “مشاريع صغيرة أكثر.. ومخاطر أقل”.

تعكس موجة الإنفاق الحالية قدرة الشركات السعودية على المحافظة على زخم اقتصادي قوي، رغم ارتفاع أسعار الفائدة وتباطؤ الدورة الاستثمارية العالمية. غير أن التسارع الكبير في الاستثمارات التقنية والذكاء الاصطناعي يثير أسئلة جوهرية حول استدامة هذا المسار، خاصة في ظل تحذيرات دولية من تشكل فقاعة قد تتجاوز قدرة السوق على امتصاصها.

وبينما تبدو الشركات السعودية في وضع مالي مريح يتيح لها مواصلة الاستثمار دون ضغوط ديون كبيرة، فإن التحدي الحقيقي يكمن في التمييز بين الفرص الواعدة والفرص المتضخمة، وبين الاستثمار الذي يبني قيمة طويلة الأجل، وذلك الذي قد يتحول إلى عبء مالي عندما تهدأ الموجة التكنولوجية العالمية.

زر الذهاب إلى الأعلى