الاقتصاد العالمي
أخر الأخبار

نفط فنزويلا كجائزة استراتيجية أمريكية.. ثروة هائلة يحوّلها ترامب إلى مغامرة سياسية

الاقتصاد العالمي | بقش

يعيد ترامب فتح واحد من أكثر ملفات النفط تعقيداً في العالم، وهو نفط فنزويلا، لكن ما يبدو في خطابه خطةً سريعة لإعادة الإعمار النفطي خلال 18 شهراً، يتكشّف –عند تفكيكه– كمشروع عالي المخاطر، ومكلف، ومشحون بالأسئلة المؤجلة أكثر من كونه برنامجاً تنفيذياً جاهزاً.

الطرح الذي قدّمه ترامب، وفق تصريحاته التي تتبَّعها بقش، يدعم شركات الطاقة الأمريكية، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة تعريف النفط الفنزويلي كأصل استراتيجي مركزي للمصالح الأمريكية.

اقترح ترامب دعم شركات الطاقة الأمريكية لإعادة بناء صناعة النفط في فنزويلا خلال 18 شهراً، مع إنفاق مبالغ هائلة تعوّض من قِبل الولايات المتحدة أو من الإيرادات.

وقال في مقابلة مع “إن بي سي نيوز”، إن مشروع تجديد البنية التحتية للطاقة المتعثرة في فنزويلا يمكن إنجازه في غضون 18 شهراً. وأضاف: “أعتقد أننا نستطيع القيام بذلك في وقت أقل من ذلك، لكن الأمر سيتطلب الكثير من المال”.

وترك ترامب بتصريحاته فراغات في الرواية، إذ لم يتم توضيح من يسيطر على الإيرادات خلال الفترة الانتقالية، وما الإطار القانوني الذي يحكم التعويض، وكيف يمكن إنجاز إعادة بناء صناعة منهكة خلال 18 شهراً بينما يتحدث خبراء عن عقد كامل، وهنا تحديداً تبدأ الهوة بين الخطاب السياسي والتقدير الفني.

بين الوعد الرئاسي والواقع النفطي

طرح ترامب إطاراً زمنياً متفائلاً (18 شهراً) لإعادة بناء بنية تحتية نفطية دمرتها عقود من الفساد والإهمال والحرائق، وفي المقابل يُجمع خبراء الطاقة على أن إعادة الإحياء قد تستغرق 10 سنوات، وبكلفة قد تتجاوز 100 مليار دولار حسب اطلاع بقش، وحتى العودة إلى مستويات تسعينيات القرن الماضي تحتاج أكثر من 8 مليارات دولار.

أما شركة النفط الحكومية الفنزويلية PDVSA فتقرّ بأن خطوط الأنابيب لم تُحدَّث منذ 50 عاماً، وأن الكلفة الدنيا للعودة إلى الطاقة القصوى تبلغ 58 مليار دولار.

ويتعامل ترامب مع النفط كرافعة سريعة للشرعية والاستقرار، بينما يتعامل الخبراء معه كنظام صناعي معقد لا يخضع للقرارات الرئاسية.

والشق الأخطر في المشروع لا يتعلق بالمال فقط، بل بالشرعية، فالتدخل العسكري الأمريكي الذي انتهى بالقبض على نيكولاس مادورو ونقله إلى نيويورك، وضع الاستثمار النفطي في فنزويلا داخل منطقة رمادية قانونياً.

ويتحدث المعارضون عن انتهاك للقانون الدولي، بينما أدانت “الاستخدام الصارخ للقوة ضد دولة ذات سيادة”، ووقف المستثمرون أمام سؤال جوهري: هل الاستثمار في نفط فنزويلا اليوم استثمار أم مقامرة جيوسياسية؟

وكالة رويترز نقلت عن محللين أن الشركات ستواجه مخاطر أمنية، وبنية تحتية متهالكة، وغموضاً حول شرعية إخراج مادورو، واضطراباً سياسياً طويل الأمد.

من سيدفع فعلياً؟

هل شركات النفط الأمريكية مستعدة للدفع؟ سؤال مُلح في هذه المرحلة، لكن التجربة التاريخية لا تشجع، فشركتا إكسون موبيل وكونوكو فيليبس خرجتا بعد تأميم أصولهما في عهد هوغو تشافيز، والعودة مشروطة بقواعد قانونية واضحة، أمن فعلي، ورفع العقوبات.

مارك كريستيان، مدير تطوير الأعمال في “كريس ويل للاستشارات”، كان صريحاً بقوله: “الشركات لن تعود حتى تضمن أموالها، وتحصل على الحد الأدنى من الأمن، وترفع العقوبات”.

ذلك معناه أن خطاب “التعويض لاحقاً” لا يكفي وحده لإقناع مجالس إدارات تتحرك بمنطق المخاطر لا الشعارات.

ورغم كل شيء، لا تبدأ الشركات من الصفر، فشيفرون تنتج حالياً نحو 20% من نفط فنزويلا بإعفاء خاص من العقوبات، و”إكسون” و”كونوكو فيليبس” تمتلكان خبرة تاريخية، لكن بشروط قاسية.

وثمة شركات أوروبية مثل ريبسول وإيني وموريل إيه بروم لا تزال تعمل بشراكات مع PDVSA
لكن عودة واسعة النطاق لن تحدث إلا إذا رأت هذه الشركات استقراراً سياسياً وتنازلات ضريبية وتنظيمية وأسعار نفط مرتفعة تبرر المخاطرة.

ولا يمكن تجاهل أن الصين تستحوذ على نحو 80% من صادرات فنزويلا النفطية، أي قرابة 746 ألف برميل يومياً من أصل 921 ألف برميل في نوفمبر 2025 حسب البيانات التي جمعها بقش. كما أن الصين تُعد أكبر دائن لفنزويلا، وشريكاً استراتيجياً ومعارضاً صريحاً للتدخل الأمريكي.

وأي إعادة تشكيل لسوق النفط الفنزويلي ستصطدم حتماً بالمصالح الصينية، ما يحول الملف من مشروع استثماري إلى ساحة تنافس بين القوى الكبرى.

هذا ولا يزال مستقبل فنزويلا غامضاً بعد أن شنت الولايات المتحدة هجومها البري واعتقلت الرئيس نيكولاس مادورو الذي بدأت محاكمته أمس الإثنين، في حين يرى بعض المستثمرين في هذا البلد فرصاً طويلة الأمد ومربحة، بحكم أن الفرص الاستثمارية في فنزويلا تتجاوز قطاع النفط والغاز، وتشمل البناء والسيارات والدفاع والكيميائيات والتعدين وفق تتبع بقش، إلى جانب الاستثمارات المالية من صناديق التحوط وبعض المستثمرين طويل الأجل وربما صناديق الثروة السيادية.

بالنتيجة يكشف ملف نفط فنزويلا عن فجوة عميقة بين الطموح السياسي الأمريكي والواقع الصناعي والجيوسياسي، فإعادة بناء قطاع نفطي دُمِّر عبر عقود لا تحتاج إلى الوعود بل إلى استقرار طويل الأمد، وإطار قانوني مقنع، وضمانات أمنية ومالية تجعل الاستثمار قراراً عقلانياً لا مغامرة.

وبينما يلوّح ترمب بالنفط كورقة إنقاذ سريعة، يذكّر الخبراء بأن الصناعة تخضع لمنطق الزمن ورأس المال والمخاطر، أما على المستوى الأوسع، فإن فنزويلا تقف اليوم عند مفترق طرق حاد، فإما أن تتحول ثروتها النفطية إلى مدخل لإعادة الإعمار والاستقرار، أو أن تبقى وقوداً لصراع نفوذ بين واشنطن وبكين، وساحة اختبار لشهية الشركات الكبرى للمخاطرة في عالم مضطرب.

زر الذهاب إلى الأعلى