واشنطن تطارد “أشباح” النفط الإيراني.. عقوبات جديدة تخنق شريان طهران الاقتصادي غداة محادثات مسقط

تقارير | بقش
في خطوة تكشف عن ملامح استراتيجية “الضغط الأقصى” بنسختها الجديدة، وجّهت إدارة الرئيس دونالد ترامب ضربة اقتصادية موجعة للنظام المالي الإيراني، مستهدفةً ما يُعرف في الأوساط الاستخباراتية والبحرية بـ”أسطول الظل”.
فقد أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية، في تحرك متزامن مع انتهاء جولة مفاوضات حساسة، عن حزمة عقوبات واسعة طالت 15 كياناً تجارياً وشخصين، بالإضافة إلى إدراج 14 سفينة شحن في القائمة السوداء، لتورطها المباشر في عمليات تهريب النفط الخام والمنتجات البتروكيماوية، التي تشكل الرئة الاقتصادية الأخيرة لطهران في ظل الحصار الدولي.
ووفق متابعات “بقش”، تأتي هذه العقوبات لتعيد تسليط الضوء على الشبكات العنكبوتية المعقدة التي نسجتها إيران للالتفاف على العقوبات الغربية، حيث تعمل هذه السفن والكيانات كواجهة تجارية “غير مشروعة” لضخ العوائد المالية في خزينة الدولة، وهي عوائد تتهم واشنطن النظام الإيراني باستخدامها لتمويل أذرعه العسكرية في المنطقة وقمع الاحتجاجات الداخلية بدلاً من تحسين الوضع المعيشي للمواطنين. التحرك الأمريكي الجديد لا يهدف فقط إلى تجميد الأصول، بل يسعى لتعطيل البنية التحتية اللوجستية التي تعتمد عليها طهران لنقل بضائعها إلى الأسواق الآسيوية عبر وسطاء دوليين، مما يرفع تكلفة الشحن والتأمين على أي جهة تفكر في التعامل مع الخام الإيراني.
المفارقة السياسية تكمن في توقيت هذا الإعلان، الذي جاء بعد ساعات قليلة من إسدال الستار على جولة مفاوضات غير مباشرة بين واشنطن وطهران استضافتها سلطنة عُمان. ورغم التصريحات الدبلوماسية التي وصفت المحادثات بأنها “بداية جيدة”، إلا أن لغة العقوبات على الأرض بعثت برسالة مغايرة تماماً، مفادها أن المسار الدبلوماسي لن يكون بديلاً عن سيف العقوبات المسلط، وأن واشنطن ماضية في تجفيف منابع التمويل الإيرانية حتى يتم التوصل إلى اتفاق شامل يعالج كافة المخاوف الأمريكية، وليس الملف النووي فحسب.
حرب الناقلات الخفية.. استهداف العصب المالي للنظام
يُشير مصطلح “أسطول الظل” إلى مئات الناقلات المتقادمة التي تعمل غالباً بدون تأمين دولي معترف به، وتقوم بإغلاق أجهزة التتبع (Transponders) لتنفيذ عمليات نقل النفط من سفينة إلى أخرى في عرض البحر (STS) للتمويه على مصدر الشحنة.
العقوبات الأمريكية الأخيرة ركزت بدقة جراحية على 14 من هذه السفن التي تم تحديدها كأدوات رئيسية في سلسلة التوريد الإيرانية حسب قراءة بقش، بالإضافة إلى الشركات المشغلة لها. هذا الاستهداف النوعي يهدف إلى “حرق” هذه السفن تجارياً، حيث يحظر على أي كيان عالمي تزويدها بالخدمات الملاحية أو التأمينية، مما يحولها إلى أصول ميتة عائماً ويقلص قدرة طهران على التصدير.
ووفق البيانات الصادرة عن وزارة الخارجية الأمريكية، فإن الشبكة المستهدفة لم تكتفِ بنقل النفط الخام، بل توسعت لتشمل المنتجات البتروكيماوية، التي أصبحت مصدراً بديلاً وحيوياً للعملة الصعبة في ظل تذبذب أسعار النفط وصعوبة بيعه.
وتؤكد التقارير التي اطلع عليها بقش أن هذه العائدات تصب مباشرة في ميزانية الحرس الثوري الإيراني والأجهزة الأمنية، مما يعزز قدرتها على تمويل العمليات الخارجية وقمع المعارضة الداخلية، وهو ما بررت به واشنطن عقوباتها، مشيرة إلى أن النظام الإيراني يواصل تقديم أجندته “المزعزعة للاستقرار” على رفاهية شعبه وأمنه الداخلي.
وإلى جانب السفن، شملت القائمة السوداء 15 كياناً وشخصين يلعبون دور “الوسطاء الميسّرين”، وهم حلقات الوصل التي تحول النفط إلى نقد عبر شركات واجهة مسجلة في ولايات قضائية رخوة. بموجب هذه العقوبات، يتم تجميد كافة أصولهم داخل الولايات المتحدة، ويُمنع أي مواطن أو شركة أمريكية من التعامل معهم، مما يفرض عزلة مالية خانقة عليهم. وتشير هذه الخطوة إلى أن واشنطن باتت تمتلك خريطة مفصلة لشبكات التهريب الإيرانية، وتعمل على تفكيكها حلقة تلو الأخرى، مما يضع طهران أمام مأزق لوجستي ومالي متزايد التعقيد.
الدبلوماسية تحت النار.. العصا الأمريكية تسبق الجزرة
يحمل التزامن بين العقوبات ومحادثات مسقط دلالات عميقة حول نهج الإدارة الأمريكية الحالية، الذي يجمع بين الانفتاح المشروط على الحوار والضغط الاقتصادي الأقصى. فبينما كان الدبلوماسيون في مسقط يبحثون عن صيغة لخفض التصعيد ومنع اندلاع حرب إقليمية واسعة، كانت وزارة الخزانة والخارجية في واشنطن تعدان حزمة العقوبات هذه لتأكيد أن المفاوضات لا تعني “هدنة اقتصادية”. هذا النهج المزدوج يهدف إلى إفهام طهران أن الوقت ليس في صالحها، وأن كل يوم يمر دون اتفاق يعني خسارة المزيد من الشرايين الاقتصادية الحيوية.


