الاقتصاد العالمي
أخر الأخبار

واقع عالمي جديد.. العالم يندفع نحو الصين

الاقتصاد العالمي | بقش

يبدو أن موازين الساحة الاقتصادية الدولية تتغير بوتيرة متسارعة، حيث يُعاد تشكيل النظام العالمي تحت تأثير السياسات الصدامية التي انتهجها ترامب، لا سيما على صعيد التجارة والاقتصاد، وهو ما دفع عواصم غربية وآسيوية بارزة إلى الاتجاه نحو “الصين” وفتح قنوات التواصل معها، مدفوعةً بحسابات براغماتية تتقدم فيها المصالح الاقتصادية على الاعتبارات الأيديولوجية.

فخلال الأشهر الماضية، تحوّلت العاصمة الصينية بكين إلى محطة أساسية لقادة دول حليفة تقليدياً لواشنطن وفق متابعات بقش، إذ دشّن رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ هذا المسار بزيارة هي الأولى من نوعها منذ عام 2019، في خطوة عكست رغبة سيول في ترميم علاقاتها مع ثاني أكبر اقتصاد في العالم.

ولم تمضِ أيام حتى وصل رئيس الوزراء الكندي مارك كارني إلى بكين، مُنهياً قطيعة دبلوماسية على مستوى القادة استمرت نحو 10 سنوات.

وكالة بلومبيرغ تورد أنّ هذا الزخم لم يتوقف عند شرق آسيا وأمريكا الشمالية، إذ يُنتظر أن يحط رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في بكين قريباً، في أول زيارة من نوعها منذ عام 2018، بهدف دعم الشركات البريطانية وإنعاش اقتصاد يعاني من نمو ضعيف. كما يُتوقع أن يقوم المستشار الألماني فريدريش ميرتس بزيارة مماثلة الشهر المقبل، في إطار مساعٍ أوروبية أوسع لإعادة ضبط العلاقات مع الصين.

هدنة أمريكية صينية تفتح الأبواب

هذا الحراك الدبلوماسي جاء بعد أشهر من إبرام هدنة جمركية بين واشنطن وبكين خفّفت من حدّة المواجهة بين أكبر اقتصادين في العالم.

ومن المقرر أن يلتقي الرئيس الصيني شي جين بينغ بنظيره الأمريكي عدة مرات خلال العام الجاري، مع قمة مرتقبة قد تجعل ترامب خامس زعيم من دول مجموعة السبع يزور الصين خلال فترة قصيرة، ما لم تعرقل تهديداته الجمركية الأخيرة أجواء الانفراج.

محللون يرون أن أسلوب ترامب في إدارة العلاقات الدولية خَلَق حالة من القلق لدى حلفاء الولايات المتحدة. ووفق هذا التقدير، فإن الخشية من التهميش في ظل التفاهمات الأمريكية – الصينية تدفع العديد من الدول إلى الإسراع بفتح قنوات مباشرة مع بكين. ويُنظر إلى هذا المناخ بأنه سباق لتفادي خسارة الفرص الاقتصادية والسياسية في عالم يتجه نحو تعددية قطبية أوضح.

وضمن هذا السياق، اتخذت إدارة ترامب خطوات تعكس مرونة نسبية تجاه الصين، من بينها الاقتراب من السماح لشركة “إنفيديا” العملاقة ببيع رقائق إلكترونية أكثر تقدماً لبكين، مع الإبقاء على القيود المفروضة على الشرائح الأعلى تطوراً. ويُعد ذلك تحولاً مقارنة بنهج إدارة بايدن التي سعت إلى حرمان الصين من أشباه الموصلات المتقدمة باعتبارها مكونات حساسة للأغراض العسكرية.

في المقابل، يستثمر شي جين بينغ هذه المرحلة لتعزيز موقع بلاده، مستفيداً من التباينات داخل المعسكر الغربي. وقد برز ذلك في تعاطيه مع اليابان، حيث سعى إلى عزل رئيسة وزرائها ساناي تاكايشي على خلفية تصريحاتها بشأن تايوان، في وقت أعلنت فيه بكين قيوداً تجارية على طوكيو تزامناً مع زيارة الرئيس الكوري الجنوبي، في رسالة سياسية محسوبة.

المعادن النادرة: الورقة الأهم

لا يقتصر التقارب الدولي مع الصين على تهدئة التوترات التجارية، بل يرتبط بشكل وثيق بملف المعادن الأرضية النادرة، التي تهيمن بكين على جزء كبير من إنتاجها العالمي. فعندما توصّل ترامب وشي إلى اتفاق تجاري في أكتوبر 2025، وافقت الصين على تعليق مؤقت لقيود تصدير بعض هذه المعادن الحيوية، وهو ما اعتبرته العواصم الغربية فرصة ينبغي استثمارها.

عبّر مسؤولون أوروبيون عن تفاؤل حذر حيال استعداد الصين للتعامل بشكل بنّاء في هذا الملف، في وقت كثفت فيه دول مجموعة السبع اجتماعاتها لمناقشة سبل تقليص هشاشة سلاسل الإمداد وتقليل الاعتماد المفرط على الصين، دون الذهاب إلى قطيعة شاملة معها.

تجربة أستراليا تُعد مثالاً مبكراً على هذا التوجه البراغماتي حسب اطلاع بقش على ما نشرته بلومبيرغ. فخلال ولايته الأولى، أعاد رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي ترتيب أولويات بلاده، مفضلاً استعادة العلاقات التجارية مع بكين على تصعيد الخلافات الأمنية، وأسهمت زياراته المتكررة إلى الصين في طي صفحة من التوتر، بعد أن كانت بكين فرضت إجراءات عقابية على صادرات أسترالية.

أما في أوروبا، فقد تجلّى التحول في إعلان الاتحاد الأوروبي دراسة بدائل للرسوم الجمركية المفروضة على السيارات الكهربائية الصينية، عبر آلية تسعير دنيا قد تنهي نزاعاً تجارياً ردّت عليه بكين باستهداف منتجات أوروبية عدة.

وفي السياق ذاته، تأمل الصين في دفع كندا إلى تخفيف الرسوم المرتفعة على سياراتها الكهربائية، مقابل تقديم تنازلات تتعلق بواردات زراعية كندية.

وقد أسهم تبدّل القيادات السياسية في عدد من الدول في تسريع هذا التقارب، ففي كندا حلّ مارك كارني محل جاستن ترودو، الذي شهدت فترته توتراً حاداً مع الصين.

وفي بريطانيا، أنهى وصول حزب العمال إلى الحكم مرحلة من الخطاب المتشدد تجاه الصين، بينما تبنّت القيادة الجديدة في كوريا الجنوبية نهجاً أقل صدامية، شمل السعي لرفع القيود غير الرسمية على موسيقى “كي-بوب” الكورية.

الصين الرابح الأكبر؟

مع تقليص شي جين بينغ لزياراته الخارجية، باتت بكين هي ساحة الدبلوماسية الأساسية، حيث يتدفق القادة الأجانب لإعادة ترميم العلاقات.

ويُعتقد حالياً حسب متابعات بقش أن السلوك الأمريكي المتقلب وغير المتوقع يدفع كثيرين إلى تبنّي مقاربة تقوم على الحفاظ على علاقات “مقبولة على الأقل” مع الصين، باعتبارها لاعباً لا يمكن تجاهله في الاقتصاد العالمي.

وبالنسبة للصين، التي تبحث عن محركات جديدة للنمو وسط تحديات داخلية، فإن هذا المناخ الدولي يشكل مكسباً استراتيجياً، فبينما ينشغل خصومها بإدارة تداعيات سياساتهم، تبدو بكين في موقع من يراقب المشهد ويستثمر الفرص بهدوء.

زر الذهاب إلى الأعلى